عـودة للخلف   منتديات السكري > منـــتديات الســـكري > العـــــــين الثــالثــة > الشــريعة و الحـياة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث بهذا الموضوع تقييم الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 11-15-2005, 07:33 PM   #21
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها, فكان الرجل يشير إلى الرجل إذن كم صلى ؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليهما, ثم يدخل مع القوم في صلاتهم, قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها, ثم قضيت ما سبقني, قال: فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها, قال: فثبت معه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقضى, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوه» فهذه ثلاثة أحوال, وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء, ثم إن الله فرض عليه الصيام, وأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} إلى قوله {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا, فأجزأ ذلك عنه, ثم إن الله عز وجل أنزل الاَية الاَخرى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} إلى قوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح, ورخص فيه للمريض والمسافر, وثبت الإطعام للكبير الذي لايستطيع الصيام, فهذان حالان, قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا, فإذا ناموا امتنعوا, ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له صرمة, كان يعمل صائماً حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام, فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائماً, فرآه رسول الله وقد جهد جهداً شديداً, فقال «ما لي أراك قد جهدت جهداً شديداً ؟» قال: يا رسول الله, إني عملت أمس فجئت حين جئت, فألقيت نفسي فنمت, فأصبحت صائماً, قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك, فأنزل الله عز وجل: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ـ إلى قوله ـ ثم أتموا الصيام إلى الليل} وأخرجه أبو داود في سننه, والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي به, وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام, فما نزل فرض رمضان, كان من شاء صام ومن شاء أفطر, وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله.
وقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كما قال معاذ رضي الله عنه: كان في ابتداء الأمر من شاء صام, ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً, وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}: كان من أراد أن يفطر يفادي حتى نزلت الاَية التي بعدها فنسختها, وروي أيضاً من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: هي منسوخة, وقال السدي عن مرة عن عبد الله, قال لما نزلت هذه الاَية {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قال: يقول {وعلى الذين يطيقونه} أي يتجشمونه, قال عبد الله: فكان من شاء صام, ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً {فمن تطوع} يقول: أطعم مسكيناً آخر {فهو خير له وأن تصوموا خير لكم} فكانوا كذلك حتى نسختها {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وقال البخاري أيضاً: أخبرنا إسحاق, حدثنا روح, حدثنا زكريا بن إسحاق, حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء: سمع ابن عباس: يقرأ {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قال ابن عباس: ليست منسوخة, هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً, وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه, وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار, عن عكرمة عن ابن عباس, قال: نزلت هذه الاَية {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم, ثم ضعف فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً, وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد, حدثنا الحسين بن بهرام المخزومي, حدثنا وهب بن بقية, حدثنا خالد بن عبد الله عن ابن أبي ليلى, قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل, فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الاَية {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً ثم نسخت الأولى إلى الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكيناً وأفطر ـ فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام, فله أن يفطر ولاقضاء عليه, لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء, ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان ذا جدة ؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما لا يجب عليه إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه, فلم يجب عليه فدية كالصبي, لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها وهو أحد قولي الشافعي: والثاني, وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء, أنه يجب عليه فدية عن كل يوم, كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ {وعلى الذين يطيقونه} أي يتجشمونه, كما قاله ابن مسعود وغيره, هو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام, فقد أطعم أنس بعد ما كبر عاماً أو عامين عن كل يوم, مسكيناً, خبزاً ولحماً وأفطر, وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن معاذ, حدثنا أبي, حدثنا عمران عن أيوب بن أبي تميمة, قال: ضعف أنس عن الصوم, فصنع جفنة من ثريد, فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم, ورواه عبد بن حميد عن روح بن عبادة, عن عمران وهو ابن حُدير, عن أيوب به. ورواه عبد أيضاً من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه, ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما, ففيهما خلاف كثير بين العلماء, فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان, وقيل: يفديان فقط ولا قضاء, وقيل يجب القضاء بلا فدية, وقيل: يفطران ولا فدية ولاقضاء, وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه, و لله الحمد والمنة.


** شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مّنَ الْهُدَىَ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ
يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اخناره من بينهن لإنزال القرآن العظيم, وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء, قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم, حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة, عن أبي المليح, عن واثلة يعني ابن الأسقع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان, وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان, والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان, وأنزل الله القرآن «لأربع وعشرين خلت من رمضان» وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور أنزل لاثنتي عشرة خلت من رمضان, والإنجيل لثماني عشرة, والباقي كما تقدم, رواه ابن مردويه, وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل, فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة, وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا, وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه, كما قال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وقال {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} ثم نزل بعده مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم, هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس, كما قال إسرائيل عن السدي, عن محمد بن أبي المجالد, عن مقسم, عن ابن عباس: أنه سأل عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك, قول الله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} وقوله {إنا انزلناه في ليلة مباركة} وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وقد أنزل في شوال, وفي ذي القعدة, وفي ذي الحجة, وفي المحرم وصفر وشهر ربيع, فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة, ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلاً في الشهوروالأيام, رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وهذا لفظه, وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال, أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا, فجعل في بيت العزة, ثم أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة لجواب كلام الناس, وفي رواية عكرمة عن ابن عباس, قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر, على هذه السماء الدنيا جملة واحدة, وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه, وذلك قوله: {وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً} وقوله: {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه {وبينات} أي دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال, والرشد المخالف للغي, ومفرقاً بين الحق والباطل والحلال والحرام, وقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال إلا شهر رمضان, ولا يقال رمضان, قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن بكار بن الريان, حدثنا ابو معشر عن محمد بن كعب القرظي وسعيد هو المقبري عن أبي هريرة قال: لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولواشهر رمضان ـ قال ابن أبي حاتم وقد روي عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك, ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت, (قلت) أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير, ولكن فيه ضعف, وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعاً عن أبي هريرة, وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي, وهو جدير بالإنكار, فإنه متروك, وقد وهم في رفع هذا الحديث, وقد انتصر البخاري رحمه الله في كتابه لهذا فقال: باب يقال رمضان وساق أحاديث في ذلك منها «من صام رمضان إيماناً واحتساباً, غفر له ما تقدم من ذنبه» ونحو ذلك, وقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر, أي كان مقيماً في البلد حين دخل شهر رمضان, وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة, ونسخت هذه الاَية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحاً مقيماً أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما تقدم بيانه, ولما حتّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر أن يفطر بشرط القضاء, فقال {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه, أو كان على سفر, أي في حالة السفر, فله أن يفطر, فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام, ولهذا قال {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} اي إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيراً عليكم ورحمة بكم.
وههنا مسائل تتعلق بهذه الاَية (إحداها) أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيماً في أول الشهر ثم سافر في أثنائه, فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر, وهذا القول غريب, نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة والتابعين, وفيما حكاه عنهم نظر, والله أعلم, فإنه قد ثبت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح, فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر, وأمر الناس بالفطر, أخرجه صاحبا الصحيح. (الثانية) ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله {فعدة من أيام أخر} والصحيح قول الجمهور أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم, لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان, قال: فمنا الصائم ومنا المفطر, فلم يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم, فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام, بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائماً لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء, قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.(الثالثة) قالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم, وقالت طائفة. بل الإفطار أفضل أخذاً بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الصوم في السفر, فقال: «من أفطر فحسن, ومن صام فلا جناح عليه» وقال في حديث آخر «عليكم برخصة الله التي رخص لكم» وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو والأسلمي قال: يا رسول الله, إني كثير الصيام أفأصوم في السفر ؟ فقال«إن شئت فصم, وإن شئت فأفطر» وهو في الصحيحين, وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل, لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد ظلل عليه فقال: «ما هذا» ؟ قالوا: صائم, فقال «ليس من البر الصيام في السفر» أخرجاه, فأما إن رغب عن السنة ورأى أن الفطر مكروه إليه, فهذا يتعين عليه الإفطار, ويحرم عليه الصيام, والحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة. (الرابعة) القضاء هل يجب متتابعاً أو يجوز فيه التفريق فيه قولان: (أحدهما) أنه يجب التتابع لأن القضاء يحكى الأداء. (والثاني) لا يجب التتابع بل إن شاء فرق وإن شاء تابع, وهذا قول جمهور السلف والخلف, وعليه ثبتت الدلائل لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر, فأما بعد انقضاء رمضان, فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر, ولهذا قال تعالى: {فعدة من أيام أخر} ثم قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي, حدثنا ابن هلال عن حميد بن هلال العدوي, عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إن خير دينكم أيسره, إن خير دينكم أيسره» وقال أحمد أيضاً: حدثنا يزيد بن هارون, أخبرنا عاصم بن هلال, حدثنا عامر بن عروة الفقيمي, حدثني أبي عروة, قال: كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل, فصلى, فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن دين الله في يسر» ـ ثلاثاً يقولها ـ ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الاَية من حديث مسلم بن إبراهيم عن عاصم بن هلال به وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو التياح سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا وسكنوا وتنفروا» أخرجاه في الصحيحين وفي الصحيحين أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن «بشّرا ولا تنفّرا ويسّرا ولا تعسّرا وتطاوعا ولا تختلفا» وفي السنن والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» وقال الحافظ أبو بكر مردويه وتفسيره: حدثنا عبد الله بن اسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا عبد الوهاب بن عطاء, حدثنا أبو مسعود الحريري عن عبد الله بن شقيق, عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي فتراءاه ببصره ساعة, فقال «أتراه يصلي صادقاً ؟» قال: قلت يا رسول الله, هذا أكثر أهل المدينة صلاة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسمعه فتهلكه» وقال «إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر» ومعنى قوله {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة} أي إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم, وقوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم, كما قال: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} وقال {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} وقال {فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود} ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات, وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير, ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الاَية: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر لظاهر الأمر في قوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر, والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم, وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه وحفظ حدوده فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.


** وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا يحيى بن المغيرة أخبرنا جرير عن عبدة بن أبي برزة السجستاني, عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده, أن أعرابياً قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم, أقريب ربنا فنناجيه, أم بعيد فنناديه ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانِ} إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجبت, ورواه ابن جرير عن محمد بن حميد الرازي, عن جرير به, ورواه ابن مردويه وأبو الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن أبي حميد عن جرير به, وقال عبد الرزاق أخبرنا جعفر بن سليمان عن عوف عن الحسن قال سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أين ربنا ؟ فأنزل الله عز وجل {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانِ} الأية وقال ابن جريج عن عطاء أنه بلغه لما نزلت {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} قال الناس لو نعلم أي ساعة ندعو؟ فنزلت {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي, حدثنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي, عن أبي موسى الأشعري, قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة, فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبط وادياً, إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير, قال: فدنا منا, فقال «يا أيها الناس, اربعوا على أنفسكم, فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً, إنما تدعون سميعاً بصيراً, إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته, يا عبد الله بن قيس, ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مُلِ عنه بنحوه, وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود, حدثنا شعبة, حدثنا قتادة عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني» وقال الإمام أحمد حدثنا علي بن إسحاق, أنبأنا عبد الله, أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر, حدثنا إسماعيل بن عبيد الله عن كريمة بنت خشخاش المزنية, قالت: حدثنا أبو هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول: «قال الله تعالى أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه». (قلت) وهذا كقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}, وقوله لموسى وهارون عليهما السلام {إنني معكما أسمع وأرى} والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع, ولا يشغله عنه شيء, بل هو سميع الدعاء, ففيه ترغيب في الدعاء, وأنه لا يضيع لديه تعالى, كماقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا رجل: أنه سمع أبا عثمان النهدي, يحدث عن سلمان يعني الفارسي رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين» ـ قال يزيد: سموا لي هذا الرجل, فقالوا: جعفر بن ميمون ـ وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به, وقال الترمذي: حسن غريب, ورواه بعضهم ولم يرفعه, قال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله في أطرافه, وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان عن سليمان التيمي, عن أبي عثمان النهدي به, وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو عامر, حدثنا علي بن دؤاد أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم, إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته, وإما أن يدخرها له في الأخرى, وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» قالوا: إذاً نكثر ؟ قال: «الله أكثر», وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج, أنبأنا محمد بن يوسف, حدثنا ابن ثوبان عن أبيه, عن مكحول, عن جبير بن نفير: أن عبادة بن الصامت, حدثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة إلا آتاه الله إياها, أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» ورواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي, عن محمد بن يوسف الفريابي, عن ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به, وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه, وقال الإمام مالك عن ابن شهاب, عن أبي عبيد مولى ابن أزهر, عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «يستجاب لأحدكم مالم يعجل, يقول دعوت فلم يستجب لي» أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به, وهذا لفظ البخاري رحمه الله وأثابه الجنة, وقال مسلم في صحيحه: حدثني أبو الطاهر, حدثنا ابن وهب, أخبرني معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد, عن أبي إدريس الخولاني, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قال «لا يزال يستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم مالم يستعجل «قيل: يا رسول الله, وما الاستعجال ؟ قال «يقول قد دعوت وقد دعوت, فلم أر يستجاب لي, فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا أبو هلال عن قتادة, عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال العبد بخير مالم يستعجل» قالوا: وكيف يستعجل ؟ قال: «يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي», وقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدثني يونس بن عبد الأعلى, حدثنا ابن وهب, حدثني أبو صخر: أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه عن عروة بن الزبير, عن عائشة رضي الله عنها, أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب حتى تعجل له في الدنيا أو تدخر له في الاَخرة إذا لم يعجل أو يقنط, قال عروة: قلت: يا أماه كيف عجلته وقنوطه ؟ قالت: يقول: سألت فلم أعط ودعوت فلم أجب. قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب يقول كقول عائشة سواء, وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا بكر بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحبلىَ عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «القلوب أوعية, وبعضها أوعى من بعض, فإذا سألتم الله أيها الناس, فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة, فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل» وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب, حدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن أبي نافع بن معد يكرب ببغداد, حدثني بن أبي نافع بن معد يكرب, قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آية {أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} قال: «يا رب مسألة عائشة» فهبط جبريل فقال «الله يقرؤك السلام هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة وقلبه نقي يقول يا رب فأقول لبيك فأقضي حاجته» وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وروى ابن مردويه من حديث الكلبي عن أبي صالح, عن ابن عباس, حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} الاَية, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اللهم أمرت بالدعاء وتوكلت بالإجابة, لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك, لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك, أشهد أنك فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد, وأشهد أن وعدك حق, ولقاءك حق, والجنة حق, والنار حق, والساعة آتية لا ريب فيها, وأنت تبعث من في القبور». وقال الحافظ أبو بكر البزار: وحدثنا الحسن بن يحيى الأزدي ومحمد بن يحيى القطعي, قالا: حدثنا الحجاج بن منهال, حدثنا صالح المدي عن الحسن, عن أنس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى يا ابن آدم واحدة لك واحدة لي وواحدة فيما بيني وبينك, فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فما عملت من شيء وفيتكه وأما الذي بيني وبينك, فمنك الدعاء وعلي الإجابة», وفي ذكره تعالى هذه الاَية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام, إرشاد إلى اجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة, بل وعند كل فطر, كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا أبو محمد المليكي عن عمرو, هو ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو, عن أبيه, عن جده عبد الله بن عمرو, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة, فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا, وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه: حدثنا هشام بن عمار, أخبرناالوليد بن مسلم عن إسحاق بن عبد الله المدني, عن عبيد الله بن أبي مليكة, عن عبد الله بن عمرو, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» قال عبيد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي, وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل, والصائم حتى يفطر, ودعوة المظلوم, يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء, يقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين».


** أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَىَ نِسَآئِكُمْ هُنّ لِبَاسٌ لّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لّهُنّ عَلِمَ اللّهُ أَنّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالاَنَ بَاشِرُوهُنّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ
هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين, ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام, فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك, فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة, فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة, والرفث هنا هو الجماع, قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والحسن وقتادة والزهري والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان, وقوله {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان: يعني هن سكن لكم وأنتم سكن لهن, وقال الربيع بن أنس: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن, وحاصله: أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الاَخر ويماسه ويضاجعه, فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا, قال الشاعر:
إذا ما الضجيع ثنى جيدهاتداعت فكانت عليه لباسا
وكان السبب في نزول هذه الاَية كما تقدم في حديث معاذ الطويل, وقال أبو إسحاق عن البراء بن عازب, كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها, وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً وكان يومه ذلك يعمل في أرضه, فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام ؟ قالت: لا, ولكن أنطلق فأطلب لك, فغلبته عينه فنام, وجاءت امرأته, فلما رأته نائماً قالت: خيبة لك أنمت ؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاَية {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ـ إلى قوله ـ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ففرحوا بها فرحاً شديداً, ولفظ البخاري ههنا من طريق أبي إسحاق سمعت البراء, قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله, وكان رجال يخونون أنفسهم, فينزل الله {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء, حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة, ثم إن أناساً من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء, منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالاَن باشروهن} الاَية, وكذا روى العوفي عن ابن عباس, وقال موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس, قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم, يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء, فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة, فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله, ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال: «وما صنعت» ؟ قال: إني سولت لي نفسي, فوقعت على أهلي بعد ما نمت, وأنا أريد الصوم, فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كنت خليقاً أن تفعل» فنزل الكتاب {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} وقال سعد بن أبي عروبة عن قيس بن سعد, عن عطاء بن أبي رباح, عن أبي هريرة في قول الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ـ إلى قوله ـ ثم أتموا الصيام إلى الليل} قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الاَية إذا صلوا العشاء الاَخرة, حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا, وأن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء, وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه بعد صلاة المغرب, فنام ولم يشبع من الطعام, ولم يستقيظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء, فقام فأكل وشرب, فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك, فأنزل الله عند ذلك {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم} يعني بالرفث مجامعة النساء {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء {فتاب عليكم وعفا عنكم فالاَن باشرون} يعني جامعوهن {وابتغوا ما كتب الله لكم} يعني الولد {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} فكان ذلك عفواً من الله ورحمة, وقال هشيم عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, قال: قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقال: يا رسول الله, إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله, فقالت: إنها قد نامت فظننتها تعتل فواقعتها, فنزل في عمر {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} وهكذا رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى به, وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى, حدثنا سويد, أخبرنا ابن المبارك, عن أبي لهيعة, حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة, أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد, فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده, فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: إني قد نمت, فقال: ما نمت, ثم وقع بها, وصنع كعب بن مالك مثل ذلك, فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالاَن باشروهن} الاَية, وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الاَية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع, وفي صرمة بن قيس, فأباح الجماع والطعام الشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقاً.
وقوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم} قال أبو هريرة وابن عباس وأنس وشريح القاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم: يعني الولد: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وابتغوا ما كتب الله لكم} يعني الجماع, وقال عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس {وابتغوا ما كتب الله لكم} قال: ليلة القدر, رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر, قال: قال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم, يقول: ما أحل الله لكم, وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن ابي رباح, قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الاَية {وابتغوا ما كتب الله لكم} ؟ قال: أيتهما شئت, عليك بالقراءة الأولى, واختار ابن جرير أن الاَية أعم من هذا كله.
و قوله {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} أباح تعالىَ الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل, وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الاَسود, ورفع اللبس بقوله {من الفجر} كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني ابن أبي مريم, حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف, حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد, قال: أنزلت {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود, فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما, فأنزل الله بعد {من الفجر} فعلموا أنه يعني الليل والنهار. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشام, أخبرنا حصين عن الشعبي, أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الاَية {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} عدت إلى عقالين: أحدهما أسود والاَخر أبيض, قال: فجعلتهما تحت وسادتي, قال: فجعلت أنظر إليهما, فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت, فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله فأخبرته بالذي صنعت, فقال «إن وسادك إذا لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل» أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي, ومعنى قوله: إن وسادك إذا لعريض, أي إن كان ليسع الخيطين: الخيط الأسود والأبيض المرادين من هذه الاَية تحتها, فإنهما بياض النهار وسواد الليل, فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب, وهكذا وقع في رواية البخاري مفسراً بهذا, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا أبو عوانة عن حصين, عن الشعبي, عن عدي, قال: أخذ عدي عقالاً أبيض وعقالاً أسود, حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا, فلما أصبح قال يا رسول الله جعلت تحت وسادتي, قال «إن وسادك إذا لعريض, إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك» وجاء في بعض الألفاظ «إنك لعريض القفا» ففسره بعضهم بالبلادة, وهو ضعيف, بل يرجع إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضاً فقفاه أيضاً عريض, والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضاً حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن مطرف عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود, أهما الخيطان ؟ قال: «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين, ثم قال: لا بل هو سواد الليل وبياض النهار».
وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل عى استحباب السحور لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب, ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحث على السحور ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تسحروا فإن في السحور بركة» وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» وقال الإمام أحمد, حدثنا إسحاق بن عيسى هو ابن الطباع, حدثنا عبد الرحمن بن زيد عن أبيه, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «السحور أكلة بركة فلا تدعوه, ولو أن أحدكم تجرع جرعة ماء, فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة ماء تشبهاً بالاَكلين, ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر, كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك, عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة, قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الاَذان والسحور ؟ قال: قدر خمسين آية. وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود, حدثنا ابن لهيعة, عن سالم بن غيلان, عن سليمان بن أبي عثمان, عن عدي بن حاتم الحمصي, عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور» وقد ورد أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه الغذاء المبارك, وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة, عن عاصم بن بهدلة, عن زر بن حبيش عن حذيفة, قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان النهار إلاَ أن الشمس لم تطلع, وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود, قاله النسائي, وحمله على أن المراد قرب النهار, كما قال تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهن بمعروف} أي قاربن انقضاء العدة فإما إمساك بمعروف أو ترك للفراق, وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر, حتى أن بعضهم ظن طلوعه وبعضهم لم يتحقق ذلك, وقد روى عن طائفة كثيرة من السلف, أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر, روي مثل هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت, وعن طائفة كثيرة من التابعين منهم محمد بن علي بن الحسين وأبو مجلز وإبراهيم النخعي وأبو الضحى وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء والحسن والحاكم بن عيينة ومجاهد وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد, وإليه ذهب الأعمش وجابر بن راشد, وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد, ولله الحمد, وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها. (قلت) وهذا القول ما أظن أحداً من أهل العلم يستقر له قدم عليه, لمخالفته نص القرآن في قوله {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم, فإنه ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» لفظ البخاري, وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود, حدثنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكن المعترض الأحمر» ورواه الترمذي ولفظهما «كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا شعبة عن شيخ من بني قشير, سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر», ثم رواه من حديث شعبة وغيره, عن سواد بن حنظلة, عن سمرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكنه الفجر المستطير في الأفق», قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا بن علية عند عبد الله بن سوادة القشيري عن أبيه, عن سمرة بن جندب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض ـ لعمود الصبح ـ حتى يستطير» رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب, عن إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية مثله سواء, وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا ابن المبارك عن سليمان التيمي, عن أبي عثمان النهدي, عن ابن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره, أو قال نداء بلال, فإن بلالاً يؤذن بليل أو قال ينادي لينبه نائمكم وليرجع قائمكم, وليس الفجر أن يقول هكذا وهكذا حتى يقول هكذا», ورواه من وجه آخر عن التيمي به, وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي حدثني أبو أسامة عن محمد بن أبي ذئب, عن الحارث بن عبد الرحمن, عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان, وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام» وهذا مرسل جيد وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران, فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئاً, ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب, وقال عطاء فأما إذا سطع سطوعاً في السماء, وسطوعه أن يذهب في السماء طولاً, فإنه لا يحرم به شراب الصائم ولا صلاة ولا يفوت به الحج, ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال, حرم الشراب للصيام وفات الحج, وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء, وهكذا روي عن غير واحد من السلف رحمهم الله.
(مسألة) ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام يستدل على أنه من أصبح جنباً فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه, وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفاً وخلفاً, لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أنهما قالتا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي, وفي صحيح مسلم عن عائشة, أن رجلاً قال: يا رسول الله, تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقال: لست مثلنا يارسول الله, فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, فقال «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر, عن همام, عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه قال «إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ» فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى, وهو في الصحيحين عن أبي هريرة, عن الفضل بن عباس, عن النبي صلى الله عليه وسلم, وفي سنن النسائي عنه عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس ولم يرفعه: فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا, ومنهم من ذهب إليه, ويحكى هذا عن أبي هريرة وسالم وعطاء وهشام بن عروة والحسن البصري, ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنباً نائماً فلا عليه, لحديث عائشة وأم سلمة, أومختاراً فلا صوم له, لحديث أبي هريرة, يحكى هذا عن عروة وطاوس والحسن, ومنهم من فرق بين الفرض فيتم فيقضيه, وأما النفل فلا يضره, رواه الثوري عن منصور, عن إبراهيم النخعي وهو رواية عن الحسن البصري أيضاً, ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأم سلمة, ولكن لا تاريخ معه, وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الاَية وهو بعيد أيضاً إذ لا تاريخ بل الظاهر من التاريخ خلافه, ومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال فلاصوم له, لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز, وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها, والله أعلم. {ثم أتموا الصيام إلى الليل} يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكماً شرعياً, كما جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أقبل الليل من ههنا, وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم» وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» أخرجاه, وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم, حدثنا الأوزاعي, حدثنا قرة بن عبد الرحمن عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «يقول الله عز وجل إن أحب عبادي إليّ أعجلهم فطراً» ورواه الترمذي من غير وجه عن الأوزاعي به, وقال: هذا حديث حسن غريب, وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان, حدثنا عبيد الله بن إياد, سمعت إياد بن لقيط, سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت أردت أن أصوم يومين مواصلة, فمنعني بشير وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال «يفعل ذلك النصارى, ولكن صوموا كما أمركم الله {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فإذا كان الليل فأفطروا» ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال وهو أن يصل يوماً بيوم ولا يأكل بينهما شيئاً, قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تواصلوا» قالوا: يارسول الله إنك تواصل, قال «فإني لست مثلكم إني أبيت يطمعني ربي ويسقيني» قال: فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين وليلتين ثم رأوا الهلال, فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمنكل لهم, وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به, وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر, وعن عائشة رضي الله عنهما, قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم, فقالوا: إنك تواصل, قال: «إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني» فقد ثبت النهي عنه من غير وجه وثبت أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يقوى على ذلك ويعان, والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنوياً لا حسياً, وإلا فلا يكون مواصلاً مع الحسي, ولكن كما قال الشاعر:
لها أحاديث من ذكراك تشغلهاعن الشراب وتلهيها عن الزاد

وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك, كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» قالوا: فإنك تواصل يارسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «إني لست كهيئتكم, إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني» أخرجاه في الصحيحين أيضاً, وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو نعيم, حدثنا أبو إسرائيل العبسي عن أبي بكر بن حفص, عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة: أنها مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فدعاها إلى الطعام, فقالت: إني صائمة, قال: وكيف تصومين. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال: أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر» وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا إسرائيل عن عبد الأعلى, عن محمد بن علي, عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من السحر إلى السحر, وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف: أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة, وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة, والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة, كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم, فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه, لأنهم كانوا يجدون قوة عليه, وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولاً, وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم, وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار, فإذا جاء بالليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان, فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلاً أو نهاراً حتى يقضي اعتكافه وقال الضحاك كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء, فقال الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره. وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الاَية, قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود ومحمد بن كعب ومجاهد وعطاء والحسن وقتادة والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل, قالوا: لا يقربها وهو معتكف وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفاً في مسجده, ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط او الأكل, وليس له أن يقبل امرأته ولا أن يضمها إليه, ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه, ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مار في طريقه, وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها, منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه, وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام, ولله الحمد والمنة, ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم, فإنه نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى, الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام, كما ثبتت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عز وجل, ثم اعتكف أزواجه من بعده, أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها, وفي الصحيحين ان صفية بنت حيي كانت تزور النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد, فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها, وكان ذلك ليلاً, فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي معها حتى تبلغ دارها, وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة, فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار, فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا, وفي رواية: تواريا, أي حياء من النبي صلى الله عليه وسلم لكون أهله معه, فقال لهما صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما إنها صفية بنت حيي» أي لا تسرعا واعلما أنها صفية بنت حيي أي زوجتي, فقالا: سبحان الله يا رسول الله, فقال صلى الله عليه وسلم «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم, وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً, أو قال: شراً» قال الشافعي رحمه الله: أراد عليه السلام أن يعلم أمته التبري من التهمة في محلها, لئلا يقعا في محذور, وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً, والله أعلم, ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك, فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به, فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض, وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان, قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت, فما أسأل عنه, إلا وأنا مارة, وقوله {تلك حدود الله} أي هذا الذي بيناه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه وما أبحنا فيه وما حرمنا وذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه, حدود الله أي شرعها الله وبينها بنفسه, فلا تقربوها أي لا تجاوزوها وتتعدوها, وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله {تلك حدود الله} أي المباشرة في الاعتكاف, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني هذه الحدود الأربعة, ويقرأ {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ـ حتى بلغ ـ ثم أتموا الصيام إلى الليل} قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا: {كذلك يبين الله آياته للناس} أي كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم {للناس لعلهم يتقون} أي يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون, كما قال تعالى: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم}.


** وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مّنْ أَمْوَالِ النّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة, فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه, وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام, وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم, وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له, فمن قضيت له بحق مسلم, فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها» فدلت هذه الاية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر, فلا يحل في نفس الأمر حراماً هو حرام, ولا يحرم حلالاً هو حلال وإنما هو ملزم في الظاهر, فإن طابق في نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره, ولهذا قال تعالى: {ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} أي تعلمون بطلان ما



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 07:39 PM   #22
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
تدعونه وتروجونه في كلامكم, قال قتادة: اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يحل لك حراماً ولا يحق لك باطلاً, وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود, والقاضي بشر يخطىء ويصيب, واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة, فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا.


** يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنِ اتّقَىَ وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ
قال العوفي عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة, فنزلت هذه الاَية {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم, وقال أبو جعفر عن الربيع, عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم خلقت الأهلة ؟ فأنزل الله {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت} يقول جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة نسائهم ومحل دينهم, كذا روي عن عطاء والضحاك وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك¹ وقال عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «جعل الله الأهلة مواقيت للناس, فصوموا لرؤيته, وأفطروا لرؤيته, فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً» ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن أبي رواد به, وقال: كان ثقة عابداً مجتهداً شريف النسب فهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه, وقال محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه, قال: قال رسول الله: «جعل الله الأهلة, فإذا رأيتم الهلال فصوموا, وإذا رأيتموه فأفطروا, فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» وكذا روي من حديث أبي هريرة ومن كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقوله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء, قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية, أتوا البيت من ظهره فأنزل الله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة, عن أبي إسحاق, عن البراء, قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم, لم يدخل الرجل من قبل بابه, فنزلت هذه الاَية, وقال الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس, وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام, وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام, فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان, إذ خرج من بابه, وخرج معه قطبة بن عامر من الأنصار فقالوا: يا رسول الله, إن قطبة بن عامر رجل تاجر, وإنه خرج معك من الباب, فقال له: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: رأيتك فعلته, ففعلت كما فعلت, فقال: إني أحمس, قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} رواه ابن أبي حاتم, ورواه العوفي عن ابن عباس بنحوه, وكذا روي عن مجاهد والزهري وقتادة وإبراهيم النخعي والسدي والربيع بن أنس, وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً, وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له, ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره, لم يدخل البيت من بابه ولكن يتسوره من قبل ظهره, فقال الله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} الاَية, وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت, فأنزل الله هذه الاَية, وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها, ويرون أن ذلك أدنى إلى البر, فقال الله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} ولا يرون أن ذلك أدنى إلى البر وقوله: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} أي اتقوا الله, فافعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه {لعلكم تفلحون} غداً إذا وقفتهم بين يديه فيجازيكم على التمام والكمال.


** وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّىَ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ
قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية في قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة, فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله, ويكف عمن كف عنه, حتى نزلت سورة براءة, وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, حتى قال: هذه منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وفي هذا نظر, لأن قوله {الذين يقاتلونكم} إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله, أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم, كما قال: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} ولهذا قال في الاَية: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم, كما ههمتهم منبعثة على قتالكم, وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصاً. وقوله: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} أي قاتلوا في سبيل الله, ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي, كما قاله الحسن البصري: من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ, الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم, والرهبان وأصحاب الصوامع, وتحريق الأشجار, وقتل الحيوان لغير مصلحة, كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم, ولهذا جاء في صحيح مسلم, عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اغزوا في سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله, اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع» رواه الإمام أحمد وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال «اخرجوا باسم الله قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله لا تعتدوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع» رواه الإمام أحمد, ولأبي داود عن أنس مرفوعاً نحوه, وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة, فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان. وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام, حدثنا الأحلج عن قيس بن أبي مسلم, عن ربعي بن حراش, قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالاً واحداً وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة, وأحد عشر, فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلاً وترك سائرها, قال «إن قوماً كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة, فأظهر الله أهل الضعف عليهم, فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم, فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة» هذا حديث حسن الإسناد, ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم, أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء, والأحاديث والاَثار في هذا كثيرة جداً. ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال, نبه تعالى على أن ماهم مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك به والصد عن سبيله, أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل, ولهذا قال: {والفتنة أشد من القتل} قال أبو مالك: أي ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل. ولهذا قال: {والفتنة أشد من القتل}, يقول الشرك أشد من القتل, وقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} كما جاء في الصحيحين «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, ولم يحل إلا ساعة من نهار وإنها ساعتي هذه, حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, لا يعضد شجره ولا يختلي خلاه, فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم», يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله يوم فتح مكة, فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم عند الخندمة, وقيل صلحاً لقوله «من أغلق بابه فهو آمن, ومن دخل المسجد فهو آمن, ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» وقوله: {حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} يقول تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه, فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعاً للصائل, كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال, لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ, ثم كف الله القتال بينهم فقال {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} وقال {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء, لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} وقوله: {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} أي فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة, فإن الله يغفر ذنوبهم ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه, ثم أمر الله بقتال الكفار {حتى لا تكون فتنة}, أي شرك قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم {ويكون الدين لله} أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان, كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء, أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» وفي الصحيحين «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
وقوله: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} يقول تعالى فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم, فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على الظالمين, وهذا معنى قول مجاهد أن لا يقاتل إلا من قاتل أو يكون تقديره فإن انتهوا تخلصوا من الظلم وهو الشرك, فلا عدوان عليهم بعد ذلك, والمراد بالعدوان ههنا المعاقبة والمقاتلة كقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله, وقال البخاري: قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} الاَية, حدثنا محمد بن بشار, حدثنا عبد الوهاب حدثنا عبيد الله عن نافع, عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج ؟ فقال يمنعني أن الله حرم دم أخي, قالا: ألم يقل الله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله, وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة, وحتى يكون الدين لغير الله, وزاد عثمان بن صالح عن ابن وهب, أخبرني فلان وحيوة بن شريح عن بكر بن عمر المغافري, أن بكير بن عبد الله حدثه عن نافع, أن رجلاً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاماً وتقيم عاماً وتترك الجهاد في سبيل الله عز وجل, وقد علمت ما رغب الله فيه ؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله والصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت. قالوا: يا أبا عبد الرحمن, ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه, {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما, فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} قال فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلاً, فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه, حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة, قال فما قولك في علي وعثمان ؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه, وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه, وأما علي فابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه, فأشار بيده, فقال: هذا بيته حيث ترون.


** الشّهْرُ الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ
قال عكرمة: عن ابن عباس والضحاك والسدي وقتادة ومقسم والربيع بن أنس وعطاء وغيرهم, لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم, معتمراً في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين, في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل, فدخلها في السنة الاَتية هو ومن كان من المسلمين, وأقصه الله منهم, فنزلت في ذلك هذه الاَية {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله, قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام, إلا أن يغزى وتغزوا, فإذا حضره أقام حتى ينسلخ. هذا إسناد صحيح: ولهذا لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم, وهو مخيم بالحديبية أن عثمان قتل, وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين, بايع أصحابه وكانوا ألفاً وأربعمائة تحت الشجرة, على قتال المشركين, فلما بلغه أن عثمان لم يقتل, كف عن ذلك وجنح إلى المسالمة والمصالحة, فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين, وتحصن فلهم بالطائف, عدل إليها فحاصرها, ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق, واستمر عليه إلى كمال أربعين يوماً كما ثبت في الصحيحين عن أنس, فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح, ثم كر راجعاً إلى مكة واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين, وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضاً, عام ثمان صلوات الله وسلامه عليه وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} أمر بالعدل حتى في المشركين, كما قال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} وقال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} وروى علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس أن قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}, نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد, ثم نسخ بآية القتال بالمدينة, وقد رد هذا القول ابن جرير, وقال: بل الاَية مدنية بعد عمرة القضية وعزا ذلك إلى مجاهد رحمه الله, وقوله: {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} أمر لهم بطاعة الله وتقواه, وإخباره بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والاَخرة.


** وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ
قال البخاري: حدثناإسحاق أخبرنا النضر, أخبرنا شعبة عن سليمان, سمعت أبا وائل عن حذيقة {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: نزلت في النفقة, ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح عن أبي معاوية عن الأعمش به, مثله قال وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك, وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه, ومعنا أبو أيوب الأنصاري, فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة, فقال أبو أيوب نحن أعلم بهذه الاَية, إنما نزلت فينا, صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه, فلما فشا الإسلام وظهر, اجتمعنا معشر الأنصار نجياً فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره, حتى فشا الإسلام وكثر أهله, وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد, وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا, فنقيم فيهما, فنزل فينا {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد, في تفسيره, وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده, وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه, كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به, وقال الترمذي حسن صحيح غريب, وقال الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر, وعلى أهل الشام رجل يُريدُ فضالة بن عبيد, فخرج من المدينة صف عظيم من الروم, فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم, ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه, فقالوا سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب: يا أيها الناس, إنكم لتتأولون هذه الاَية على غير التأويل وإنما نزلت فينا معشر الأنصار, إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه, قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فاصلحناها, فأنزل الله هذه الاَية, وقال أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق السبيعي, قال: قال رجل للبراء بن عازب, إن حملت على العدو وحدي فقتلوني, أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة ؟ قال: لا, قال الله لرسوله: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} وإنما هذه في النفقة, رواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه, من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق به, وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه, ورواه الترمذي وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن البراء, فذكره وقال بعد قوله {لا تكلف إلا نفسك}, ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو صالح, كاتب الليث, حدثني الليث, حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي بكر ابن نمير بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث, أخبره أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل من أزد شنوءة, فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل, فعاب ذلك عليه المسلمون, ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص, فأرسل إليه عمرو فرده, وقال عمرو: قال الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, وقال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, في قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, قال: ليس ذلك في القتال, إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة, قال حماد بن سلمة, عن داود, عن الشعبي عن الضحاك بن أبي جبير, قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم, فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله, فنزلت: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وقال الحسن البصري {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: هو البخل, وقال سماك بن حرب عن النعمان بن بشير, في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي, فأنزل الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} رواه ابن مردويه, وقال ابن أبي حاتم, وروي عن عبيدة السلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك, يعني نحو قول النعمان بن بشير, أنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له, فيلقي بيده إلى التهلكة, أي يستكثر من الذنوب فيهلك. ولهذا روى علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: التهلكة عذاب الله, وقال ابن أبي حاتم وابن جرير, جميعاً حدثنا يونس حدثنا ابن وهب, أخبرني أبو صخر عن القرظي محمد بن كعب, أنه كان يقول في هذه الاَية: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: كان القوم في سبيل الله, فيتزود الرجل, فكان أفضل زاداً من الاَخر, أنفق البائس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء, أحب أن يواسي صاحبه فأنزل الله {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, وقال ابن وهب أيضاً: أخبرني عبد الله بن عياش عن زيد بن أسلم في قول الله {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وذلك أن رجالاً يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم, بغير نفقة, فإما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالاً, فأمرهم الله أن يستنفقوا من المشي. وقال لمن بيده فضل {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}. ومضمون الاَية الأمر بالإنفاق في سبيل الله, في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات, وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء, وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم, والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده, ثم عطف بالأمر بالإحسان, وهو أعلى مقامات الطاعة, فقال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.


** وَأَتِمّواْ الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتّىَ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مّن رّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
لما ذكر تعالى أحكام الصيام, وعطف بذكر الجهاد, شرع في بيان المناسك فأمر بإتمام الحج والعمرة, وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما, ولهذا قال بعده: فإن أحصرتم, أي صددتم عن الوصول إلى البيت, ومنعتم من إتمامهما, ولهذا اتفق العلماء, على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم, سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها, كما هما قولان للعلماء, وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا الأحكام, مستقصى ولله الحمد والمنة, وقال شعبة: عن عمرو بن مرة, عن عبد الله بن سلمة, عن علي أنه قال في هذه الاَية: {وأتموا الحج والعمرة لله}, قال: أن تحرم من دويرة أهلك, وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس, وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الاَية: إتمامها أن تحرم من أهلك, لا تريد إلا الحج والعمرة وتهل من الميقات, ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة, حتى إذا كنت قريباً من مكة, قلت لو حججت أو أعمرت, وذلك يجزيء, ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره, وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعاً من الميقات, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري, قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله {وأتموا الحج والعمرة لله} من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الاَخر, وأن تعتمر في غير أشهر الحج, إن الله تعالى يقول: الحج أشهر معلومات, وقال هشام عن ابن عون: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة, فقيل له: فالعمرة في المحرم ؟ قال: كانوا يرونها تامة, وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله, وهذا القول فيه نظر لأنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, اعتمر أربع عمر, كلها في ذي القعدة, عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست, وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع, وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معاً في ذي القعدة سنة عشر وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته, ولكن قال لأم هانىء: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي», وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه عليه السلام, فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر, كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها, والله أعلم.
وقال السدي في قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} أي أقيموا الحج والعمرة, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله}, يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل, حتى يتمهما تمام الحج, يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة, وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل. وقال قتادة عن زرارة, عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة, والعمرة الطواف, وكذا روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة في قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله}, قال: هي قراءة عبد الله وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لا يجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير, فقال كذلك قال ابن عباس. وقال سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أنه قال: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت, وكذاروى الثوري أيضاً, عن إبراهيم عن منصور عن إبراهيم, أنه قرأ: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. وقرأ الشعبي: {وأتموا الحج والعمرة لله} برفع العمرة, وقال: ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك, وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة, عن أنس وجماعة من الصحابة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, جمع في إحرامه بحج وعمرة, وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: «من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة», وقال في الصحيح أيضاً: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الاَية حديثاً غريباً, فقال: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا أبو عبد الله الهروي, حدثنا غسان الهروي, حدثنا إبراهيم ابن طهمان, عن عطاء عن صفوان بن أمية, أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم متضمخ بالزعفران, عليه جبة, فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي قال: فأنزل الله {وأتموا الحج والعمرة لله} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أين السائل عن العمرة» ؟ فقال: ها أنا ذا, فقال له «ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت, ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك» هذا حديث غريب وسياق عجيب, والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة, فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم جاءه الوحي ثم رفع رأسه فقال: أين السائل ؟ فقال ها أنا ذا, فقال «أما الجبة فانزعها, وأما الطيب الذي بك فاغسله, ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك» ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق, ولا ذكر نزول هذه الاَية, وهو عن يعلى بن أمية لا صفوان بن أمية, فالله أعلم.
وقوله {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ذكروا أن هذه الاَية نزلت في سنة ست, أي عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت, وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها, وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي, وكان سبعين بدنة, وأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا من إحرامهم, فعند ذلك أمرهم عليه السلام أن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا, فلم يفعلوا انتظاراً للنسخ, حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس, وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه, فلذلك قال صلى الله عليه وسلم «رحم الله المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ فقال في الثالثة «والمقصرين», وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة, وكانوا ألفاً وأربعمائة, وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم, وقيل بل كانوا على طرف الحرم, فالله أعلم, ولهذا اختلف العلماء: هل يختص الحصر بالعدو فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره على قولين, فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري, حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس, وابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس, وابن أبي نجيح عن ابن عباس, أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو, فأما من أصابه مرض أو وضع أو ضلال فليس عليه شيء, إنما قال الله تعالى: {فإذا أمنتم} فليس الأمن حصراً, قال: وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك, والقول الثاني: إن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال, وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك, قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا حجاج بن الصواف عن يحيى بن أبي كثير, عن عكرمة, عن الحجاج بن عمرو الأنصاري, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من كسر أو وجع أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى» قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق, وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به, وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: من عرج أو كسر أو مرض, فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة, عن إسماعيل بن علية, عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف به, ثم قال: وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان الإحصار من عدو أو مرض أو كسر وقال الثوري الإحصار من كل شيء آذاه وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب, فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية, فقال «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله, فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث, وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث, قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد صح ولله الحمد.
وقوله {فما استيسر من الهدي} قال الإمام مالك: عن جعفر بن محمد عن أبيه, عن علي بن أبي طالب, أنه كان يقول: {فما استيسر من الهدي} شاة, وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن, وقال الثوري عن حبيب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله {فما استيسر من الهدي} قال: شاة, وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وأبو العالية ومحمد بن علي بن الحسين وعبد الرحمن بن القاسم والشعبي والنخعي والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم: مثل ذلك, وهو مذهب الأئمة الأربعة, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر. قال: وروي عن سالم والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير نحو ذلك (قلت) والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية, فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة, وإنما ذبحوا الإبل والبقر, ففي الصحيحين عن جابر, قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الابل والبقر كل سبعة منا في بقرة, وقال عبد الرزاق: أخبرنامعمر عن ابن طاوس عن أبيه, عن ابن عباس في قوله {فما استيسر من الهدي} قال: بقدر يسارته, وقال العوفي, عن ابن عباس: إن كان موسراً فمن الإبل, وإلا فمن البقر, وإلا فمن الغنم. وقال هشام بن عروة عن أبيه {فما استيسر من الهدي} قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء, والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي أي مهما تيسر مما يسمى هدياً, والهدي من بهيمة الأنعام, وهي الإبل والبقر والغنم, كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة غنماً.
وقوله {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} معطوف على قوله {وأتموا الحج والعمرة لله} وليس معطوفاً على قوله {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} كما زعمه ابن جرير رحمه الله, لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم, حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم, فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق {حتى يبلغ الهدي محله} ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارناً, أو من فعل أحدهما إن كان منفرداً أو متمتعاً, كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله, ما شأن الناس حلوا من العمرة, ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فقال «إني لبدت رأسي وقلدت هديي, فلا أحل حتى أنحر».
وقوله {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} قال البخاري: حدثنا آدم, حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني, سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ فسألته عن فدية من صيام, فقال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم, والقمل يتناثر على وجهي, فقال «ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا, أما تجد شاة» ؟ قلت: لا, قال: «صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين, لكل مسكين نصف صاع من طعام, واحلق رأسك» فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل, حدثنا أيوب عن مجاهد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن كعب بن عجرة, قال: أتى عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أُوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي, أو قال حاجبي, فقال «يؤذيك هوام رأسك» ؟ قلت: نعم, قال «فاحلقه, وصم ثلاثة أيام, أو أطعم ستة مساكين, أو أنسك نسيكة» قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ, وقال أحمد أيضاً: حدثنا هشيم, حدثنا أبو بشر عن مجاهد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن كعب بن عجرة, قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون وقد حصره المشركون, وكانت لي وفرة, فجعلت الهوام تساقط على وجهي, فمر عليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أيؤذيك هوام رأسك» ؟ فأمره أن يحلق قال: ونزلت هذه الاَية {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} وكذا رواه عفان عن شعبة عن أبي بشر وهو جعفر بن إياس به, وعن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به¹ وعن شعبة عن داود عن الشعبي عن كعب بن عجرة نحوه¹ ورواه الإمام مالك عن حميد بن قيس, عن مجاهد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن كعب بن عجرة, فذكره نحوه, وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبان بن صالح, عن الحسن البصري: أنه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة, ورواه ابن مردويه, وروي أيضاً من حديث عمر بن قيس وهو ضعيف عن عطاء عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «النسك شاة, والصيام ثلاثة أيام, والطعام فرق بين ستة» وكذا روي عن علي ومحمد بن كعب وعكرمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والسدي والربيع بن أنس, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن عبد الكريم بن مالك الجزري, عن مجاهد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذاه القمل في رأسه, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه, وقال: «صم ثلاثة أيام, أو أطعم ستة مساكين, مدين مدين لكل إنسان, أو أنسك شاة, أي ذلك فعلت أجزأ عنك» وهكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} قال: إذا كان أو فأيه أخذت أجزأ عنك, قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والحسن وحميد الأعرج وإبراهيم والنخعي والضحاك نحو ذلك. (قلت) وهو مذهب الأئمة الأربعة, وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام, إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق, وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان, وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أيّ ذلك فعل أجزأه, ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك, أرشده إلى الأفضل فالأفضل, فقال: أنسك شاة, أو أطعم ستة مساكين, أو صم ثلاثة أيام, فكل حسن في مقامه, ولله الحمد والمنة. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو بكر بن عياش, قال: ذكر الأعمش, قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الاَية {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} فأجابه بقول يحكم عليه طعام, فإن كان عنده اشترى شاة, وإن لم يكن قومت الشاة دراهم وجعل مكانها طعام فتصدق, وإلا صام لكل نصف صاع يوماً, قال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر, قال: لما قال لي سعيد بن جبير: من هذا ما أظرفه ؟ قال: قلت: هذا إبراهيم, فقال: ما أظرفه كان يجالسنا, قال: فذكرت ذلك لإبراهيم قال: فلما قلت: يجالسنا انتفض منها, وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن أبي عمران, حدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه, عن أشعث, عن الحسن في قوله {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه, حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء, والصيام عشرة أيام, والصدقة على عشرة مساكين, كل مسكين مكوكين: مكوكاً من تمر, ومكوكاً من بر, والنسك شاة, وقال قتادة عن الحسن وعكرمة في قوله {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} قال: إطعام عشرة مساكين, وهذان القولان من سعيد بن جبير وعلقمة والحسن وعكرمة, قولان غريبان فيهما نظر, لأنه قد ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة الصيام ثلاثة أيام لا ستة, أو إطعام ستة مساكين, أو نسك شاة, وأن ذلك على التخيير كما دل عليه سياق القرآن, وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا, والله أعلم. وقال هشام: أخبرنا ليث عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو طعام فبمكة, وما كان من صيام فحيث شاء, وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن, وقال هشام: أخبرنا حجاج وعبد الملك وغيرهما عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دم فبمكة, وما كان من طعام وصيام فحيث شاء, وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد, أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر, قال: حج عثمان بن عفان ومعه علي والحسين بن علي فارتحل عثمان, قال أبو أسماء وكنت مع ابن جعفر فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه, قال: فقلت: أيها النائم, فاستيقظ فإذا الحسين بن علي, قال: فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا, قال: فأرسل إلي علي ومعه أسماء بنت عميس, قال: فمرضناه نحواً من عشرين ليلة, قال: قال علي للحسين ما الذي تجد ؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه, قال: فأمر به علي فحلق رأسه, ثم دعا ببدنة فنحرها فإن كانت هذه الناقة عن الحلق, ففيه أنه نحرها دون مكة. وإن كانت عن التحلل فواضح.
وقوله {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} أي فإذا تمكنتم من أداء المناسك فمن كان منكم متمتعاً بالعمرة إلى الحج, وهو يشمل من أحرم بهما, أو أحرم بالعمرة أولاً, فلما فرغ منها أحرم بالحج, وهذا هو التمتع الخاص, وهو المعروف في كلام الفقهاء, والتمتع العام يشمل القسمين, كما دلت عليه الأحاديث الصحاح, فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر يقول: قرن ولا خلاف أنه ساق هدياً, وقال تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} أي فليذبح ما قدر عليه من الهدي, وأقله شاة, وله أن يذبح البقر, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر, وقال الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح البقر عن نسائه وكن متمتعات, رواه أبو بكر بن مردويه, وفي هذا دليل على مشروعية التمتع, كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين, قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم لم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها, حتى مات, قال رجل برأيه ما شاء. قال البخاري يقال إنه عمر, وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحاً به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إن نأخذ بكتاب الله يأمر بالتمام, يعني قوله {وأتموا الحج والعمرة لله} وفي نفس الأمر لم يكن عمر رضي الله عنه ينهى عنها محرماً لها, إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين, كما قد صرح به رضي الله عنه. وقوله {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} يقول تعالى: فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج, أي في أيام المناسك, قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل عرفة في العشر, قاله, عطاء, أو من حين يحرم قاله ابن عباس وغيره لقوله في الحج, ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال, قاله طاوس ومجاهد وغير واحد, وجوز الشعبي صيام يوم عرقة وقبله يومين, وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وعطاء وطاوس والحكم والحسن وحماد وإبراهيم وأبو جعفر الباقر والربيع ومقاتل بن حيان, وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هدياً فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة, فإذا كان يوم عرفة الثالث, فقد تم صومه, وسبعة إذا رجع إلى أهله, وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة عن ابن عمر قال: يصوم يوماً قبل التروية, ويوم التروية, ويوم عرفة وكذا روى جعفر بن محمد عن أبيه, عن علي أيضاً: فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد, فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق ؟ فيه قولان للعلماء وهما للإمام الشافعي أيضاً, القديم منهما: أنه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي هكذا رواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر وقد روي من غير وجه عنهما, ورواه سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي, أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج, صامهن أيام التشريق, وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي عن عكرمة والحسن البصري وعروة بن الزبير, وإنما قالوا ذلك لعموم قوله {فصيام ثلاثة أيام في الحج} والجديد من القولين أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق لما رواه مسلم عن قتيبة الهذلي رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيام التشريق أيام أكل وشرب, وذكر الله عز وجل».
وقوله {وسبعة إذا رجعتم} فيه قولان: (أحدهم) إذا رجعتم إلى رحالكم, ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق, وكذا قال عطاء بن أبي رباح. والقول (الثاني) إذا رجعتم إلى أوطانكم, قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن سالم, سمعت ابن عمر قال: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج, وسبعة إذا رجعتم} قال: إذا رجع إلى أهله, وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والزهري والربيع بن أنس, وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإجماع, وقد قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير, حدثنا الليث عن عقيل, عن ابن شهاب, عن سالم بن عبد الله, أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج, وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة, فأهل بعمرة, ثم أهل بالحج, فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج, فكان من الناس من أهدى فساق الهدي, ومنهم من لم يهد, فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: «من كان منكم أهدىَ فإنه لا يحل بشيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج, فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج, وسبعة إذا رجع إلى أهله» وذكر تمام الحديث, قال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه, والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به, وقوله {تلك عشرة كاملة} قيل: تأكيد, كما تقول العرب: رأيت بعيني, وسمعت بأذني, وكتبت بيدي, وقال الله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه} وقال {ولا تخطه بيمينك} وقال {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} وقيل: معنى كاملة الأمر بإكمالها وإتمامها, اختاره ابن جرير, وقيل معنى كاملة أي مجزئة عن الهدي, قال هشيم عن عباد بن راشد عن الحسن البصري في قوله {تلك عشرة كاملة} قال: من الهدي.
وقوله {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا متعة لهم, فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم, حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الرحمن, حدثنا سفيان هو الثوري قال: ابن عباس: هم أهل الحرم, وكذا روى ابن المبارك عن الثوري, وزاد الجماعة عليه, وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة, لا متعة لكم, أحلت لأهل الاَفاق وحرمت عليكم, إنما يقطع أحدكم وادياً, أو قال: يجعل بينه وبين الحرم وادياً, ثم يهل بعمرة, وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه, قال: المتعة للناس لا لأهل مكة, من لم يكن أهله من الحرم. وكذا قول الله عز وجل {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس, وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت, كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن عطاء, قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع, وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول في قوله {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: من كان دون الميقات وقال ابن جريج عن عطاء ذلك لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال: عرفة ومزدلفة وعرفة والرجيع, وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر سمعت الزهري يقول من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع, وفي رواية عنه: اليوم واليومين, واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم, ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة, لأن من كان كذلك يعد حاضراً لا مسافراً, والله أعلم.
وقوله: {واتقوا الله} أي فيما أمركم ونهاكم {واعلموا أن الله شديد العقاب} أي لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره.


** الْحَجّ أَشْهُرٌ مّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنّ الْحَجّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوّدُواْ فَإِنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَىَ وَاتّقُونِ يَأُوْلِي الألْبَابِ
اختلف أهل العربية في قوله {الحج أشهر معلومات} فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات, فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام فيما عداها وإن كان ذاك صحيحاً, والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه, وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد واحتج لهم بقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} وبأنه أحد النسكين, فصح الإحرام به في جميع السنة كالعمرة. وذهب الشافعي رحمه الله, إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره, فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به وهل ينعقد عمرة, فيه قولان عنه. والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر, وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد رحمهم الله, والدليل عليه قوله {الحج أشهر معلومات} وظاهره التقدير الاَخر الذي ذهب إليه النحاة, وهو أن وقت الحج أشهر معلومات فخصصه بها من بين سائر شهور السنة, فدل على أنه لا يصح قبلها كميقات الصلاة, وقال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج, أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة, عن ابن عباس أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: {الحج أشهر معلومات} وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي عن حجاج بن محمد الأعور, عن ابن جريج به, ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة, عن الحاكم بن عتيبة, عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج, وقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو خالد الأحمر عن شعبة, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس, قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج, فإن من سنة الحج أن يحرم في أشهر الحج, وهذا إسناد صحيح, وقول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين, ولا سيما قول ابن عباس تفسيراً للقرآن وهو ترجمانه. وقد ورد فيه حديث مرفوع, قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي, حدثنا نافع, حدثنا الحسن بن المثنى, حدثنا أبو حذيفة, حدثنا سفيان عن أبي الزبير, عن جابر, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج» وإسناده لا بأس به, لكن رواه الشافعي والبيهقي من طرق عن ابن جريج, عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهلّ بالحج قبل أشهر الحج ؟ فقال: لا, وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع, ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس من السنة: أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره, والله أعلم.
وقوله {أشهر معلومات} قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة, وهذا الذي علقه البخاري بصيغة الجزم, رواه ابن جرير موصولاً, حدثنا أحمد بن حازم بن أبي برزة, حدثنا أبو نعيم, حدثنا ورقاء عن عبد الله بن دينار, عن ابن عمر {الحج أشهر معلومات} قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة, إسناد صحيح, وقد رواه الحاكم أيضاً في مستدركه عن الأصم, عن الحسن بن علي بن عفان, عن عبد الله بن نمير, عن عبد الله عن نافع, عن ابن عمرو فذكره وقال: هو على شرط الشيخين, (قلت) وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان, وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وأبي ثور رحمهم الله, واختار هذا القول ابن جرير, قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب, كما يقول العرب: رأيته العام ورأيته اليوم, وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} وإنما تعجل في يوم ونصف يوم, وقال الإمام مالك بن أنس والشافعي في القديم: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله, وهو رواية عن ابن عمر أيضاً, قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق, حدثنا أبو أحمد, حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد, عن ابن عمر, قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة, وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, حدثنا ابن وهب, أخبرني ابن جريج, قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج . قال: نعم, كان عبد الله يسمي شوالا وذا القعدة وذا الحجة, قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج, وقد حكى هذا أيضاً عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير والربيع بن أنس وقتادة, وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع, رواه الحافظ بن مردويه من طريق حصين بن مخارق, وهو متهم بالوضع, عن يونس بن عبيد عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحج أشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة» وهذا كما رأيت لا يصح رفعه والله أعلم, وفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج, فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة, لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر, قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: الحج أشهر معلومات, ليس فيها عمرة, وهذا إسناد صحيح, قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة إنما هي للحج وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى, كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج, وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج فقال: كانوا لا يرونها تامة. (قلت) وقد ثبت عن عمر وعثمان رضي الله عنهما, أنهما كان يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج وينهيان عن ذلك في أشهر الحج, والله أعلم.
وقوله {فمن فرض فيهنّ الحج} أي أوجب بإحرامه حجاً, فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه, قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {فمن فرض فيهنّ الحج} يقول: من أحرم بحج أو عمرة, وقال عطاء: الفرض الإحرام. وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم. وقال ابن جرير: أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة, عن ابن عباس أنه قال {فمن فرض فيهنّ الحج} فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض. قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وعكرمة والضحاك وقتادة وسفيان الثوري والزهري ومقاتل بن حيان: نحو ذلك, وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية. وقوله {فلا رفث} أي من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث, وهو الجماع, كما قال تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك, كذلك التكلم به بحضرة النساء, قال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني يونس: أن نافعاً أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواهم, قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب مثله, قال ابن جرير: وحدثنا محمد بن بشار, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن قتادة, عن رجل, عن أبي العالية الرياحي, عن ابن عباس, أنه كان يحدو وهو محرم, وهو يقول:
وهنّ يمشين بنا هميساإن يصدق الطير ننك لميسا

وقال أبوالعالية: فقلت: تكلم بالرفث وأنت محرم ؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. ورواه الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس فذكره. وقال ابن جرير أيضاً, حدثني أبي حصين بن قيس, قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج, وكنت خليله, فلما كان بعد إحرامنا وقال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه ويرتجز ويقول:
وهن يمشين بنا هميساإن تصدق الطير ننك لميسا



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 07:46 PM   #23
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
قال فقلت: أترفث وأنت محرم ؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. وقال عبد الله بن طاوس عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله عز وجل: {فلا رفث ولا فسوق} ؟ قال: الرفث التعريض بذكر الجماع, وهي العرابة في كلام العرب, وهو أدنى الرفث, وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش وكذا قال عمرو بن دينار وقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة, وهو التعريض وهو محرم. وقال طاوس: هو أن يقول للمرأة إذا حللت أصبتك, وكذا قال أبو العالية, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز, وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك, وقال ابن عباس أيضاً وابن عمر: الرفث غشيان النساء وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم وأبو العالية عن عطاء ومكحول وعطاء الخراساني وعطاء بن يسار وعطية وإبراهيم النخعي والربيع والزهري والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.
وقوله {فلا فسوق} قال: مقسم وغير واحد, عن ابن عباس هي المعاصي, وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والزهري والربيع بن أنس وعطاء بن يسار وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان, وقال محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر, قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيداً أو غيره, وكذا روى ابن وهب عن يونس عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم, وقال آخرون: الفسوق ههنا السباب قال ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومجاهد والسدي وإبراهيم النخعي والحسن, وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ولهذا رواه ههنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن زبيد, عن أبي وائل, عن عبد الله, عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال: «سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر», وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه, ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق ههنا الذبح للأصنام, قال الله تعالى: {أو فسقاً أهل لغير الله به}, وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب, والذين قالوا: الفسوق ههنا هو جميع المعاصي الصواب معهم, كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم, وإن كان في جميع السنة منهياً عنه, إلا أنه في الأشهر الحرم آكد, ولهذا قال {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} وقال في الحرم {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا ارتكاب ما نهى عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك, كما تقدم عن ابن عمر, وما ذكرناه أولى, والله أعلم, وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة, قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من حج هذا البيت, فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»
وقوله {ولا جدال في الحج} فيه قولان: (أحدهما) ولا مجادلة في وقت الحج في مناسكه, وقد بينه الله أتم بيان, ووضحه أكمل إيضاح, كما قال وكيع عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهداً يقول {ولا جدال في الحج} قد بين الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد {ولا جدال في الحج} قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في الحج قد تبين ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به. وقال الثوري, عن عبد العزيز بن رفيع, عن مجاهد في قوله {ولا جدال في الحج} قال: قد استقام الحج. فلا جدال فيه, وكذا قال السدي. وقال هشيم: أخبرنا حجاج عن عطاء, عن ابن عباس {ولا جدال في الحج} قال: المراء في الحج. وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: {ولا جدال في الحج} فالجدال في الحج ـ والله أعلم ـ أن قريشاً كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة, وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة, وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب ويقول هؤلاء: نحن أصوب, فهذا فيما نرى, والله أعلم, وقال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم, فقطعه الله حين أعلم نبيه بالمناسك, وقال ابن وهب: عن أبي صخر, عن محمد بن كعب, قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم, وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم, وقال حماد بن سلمة, عن جبير بن حبيب, عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج غداً, ويقول بعضهم: الحج اليوم, وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال, وهو قطع التنازع في مناسك الحج, والله أعلم.
(والقول الثاني) أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير: حدثنا عبد الحميد بن بيان, حدثنا إسحاق عن شريك, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله بن مسعود في قوله {ولا جدال في الحج} قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه, وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق عن التميمي, سألت ابن عباس, عن الجدال, قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه, وكذلك روى مقسم والضحاك عن ابن عباس وكذا قال أبو العالية وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني ومكحول والسدي ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ولا جدال في الحج, المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك فنهى الله عن ذلك, وقال إبراهيم النخعي {ولا جدال في الحج} قال: كانوا يكرهون الجدال, وقال محمد بن إسحاق, عن نافع, عن ابن عمر, قال الجدال في الحج السباب والمنازعة, وكذا روى ابن وهب عن يونس, عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات, وقال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن الزبير والحسن وإبراهيم وطاوس ومحمد بن كعب, قالوا الجدال المراء, وقال عبد الله بن المبارك عن يحيى بن بشر, عن عكرمة {ولا جدال في الحج} والجدال الغضب, أن تغضب عليك مسلماً إلا أن تستعتب مملوكاً فتغضبه من غير أن تضربه, فلا بأس عليك إن شاء الله. (قلت) ولو ضربه لكان جائزاً سائغاً, والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس, حدثنا محمد بن إسحاق, عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه, عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجاً حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست إلى جانب أبي, وكانت زمالة أبي بكر وزمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة مع غلام أبي بكر, فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه, فأطلع وليس مع بعيره, فقال: أين بعيرك ؟ فقال: أضللته البارحة, فقال أبو بكر: بعير تضلله ؟ فطفق يضربه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق, ومن هذاالحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال, ولكن يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر رضي الله عنه «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك, والله أعلم.
وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى, عن موسى بن عبيدة, عن أخيه عبد الله بن عبيد الله, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده, غفر له ما تقدم من ذنبه».
وقوله {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} لما نهاهم عن إتيان القبيح قولاً وفعلاً, حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به, وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة, وقوله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} قال العوفي, عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة, يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا ؟ فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار, عن عكرمة: أن ناساً كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} وكذا رواه ابن جرير عن عمرو وهوالفلاس, عن ابن عيينة, قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء عن عمرو بن دينار, عن عكرمة عن ابن عباس, قال وما يرويه عن ابن عيينة أصح. (قلت) قد وراه النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي, عن سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد, فأنزل الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} وأما حديث ورقاء فأخرجه البخاري عن يحيى بن بشر, عن شبابة, وأخرجه أبو داود عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي ومحمد بن عبد الله المخزومي عن شبابة عن ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس, قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون, فأنزل الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة, ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به, وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار عن نافع, عن ابن عمر, قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زاداً آخر, فأنزل الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الدقيق والسويق والكعك, وكذا قال ابن الزبير وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله وعطاء الخراساني وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان, وقال سعيد بن جبير: فتزودوا الدقيق والسويق والكعك, وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير {وتزودوا} قال الخشكنانج والسويق, قال وكيع أيضاً, حدثنا إبراهيم المكي عن ابن نجيح, عن مجاهد, عن ابن عمر, قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر, وزاد فيه حماد بن سلمة عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة.
وقوله {فإن خير الزاد التقوى} لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الاَخرة, وهو استصحاب التقوى إليها, كما قال {وريشاً ولباس التقوى ذلك خير} لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشداً إلى اللباس المعنوي, وهوالخشوع والطاعة والتقوى, وذكر أنه خير من هذا وأنفع, قال عطاء الخراساني في قوله {فإن خير الزاد التقوى} يعني زاد الاَخرة, وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا مروان بن معاوية عن إسماعيل, عن قيس, عن جرير عن عبد الله, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من يتزود في الدنيا ينفعه في الاَخرة» وقال مقاتل بن حيان لما نزلت هذه الاَية {وتزودوا}: قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله, ما نجد ما نتزوده, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تزود ما تكفّ به وجهك عن الناس, وخير ما تزودتم التقوى» رواه ابن أبي حاتم, وقوله {واتقون يا أولي الألباب} يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري, يا ذوي العقول والأفهام.


** لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّآلّينَ
قال البخاري: حدثنا محمد, أخبرني ابن عيينة عن عمرو, عن ابن عباس, قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية, فتأثموا أن يتجروا في الموسم, فنزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج. وهكذا رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وغير واحد عن سفيان بن عيينة به. ولبعضهم فلماجاء الإسلام تأثموا أن يتجروا, فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, فأنزل الله هذه الاَية, وكذا رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس, قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز, فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الاَية, وروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج, يقولون: أيام ذكر, فأنزل الله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} وقال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا حجاج عن عطاء عن ابن عباس أنه قال {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الاَية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده, وهكذا روى العوفي عن ابن عباس, وقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء, عن ابن عباس أنه كان يقرأ {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج, وقال عبد الرحمن, عن ابن عيينة, عن عبد الله بن أبي يزيد: وهكذا فسرها مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم, وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة, حدثنا شبابة بن سوار, حدثنا شعبة عن أبي أميمة, سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة, فقرأ ابن عمر {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} وهذا موقوف, وهو قوي جيد, وقد روي مرفوعاً, قال أحمد: حدثنا أسباط, حدثنا الحس بن عمرو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي, قال: قلت لابن عمر: إن نكري فهل لنا من حج ؟ قال: أليس تطوفون بالبيت, وتأتون المعرف, وترمون الجمار, وتحلقون رؤوسكم ؟ قال: قلنا: بلى, فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فسأله عن الذي سألتني, فلم يجبه حتى نزل عليه جبرائيل بهذه الاَية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم, فقال «أنتم حجاج». وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن العلاء بن المسيب, عن رجل من بني تميم, قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر, فقال: يا أبا عبد الرحمن, إنا نقوم نكري ويزعمون أنه ليس لنا حج, قال: ألستم تحرمون كا يحرمون, وتطوفون كما يطوفون, وترمون كما يرمون ؟ قال: بلى, قال فأنت حاج, ثم قال ابن عمر جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألت عنه, فنزلت هذه الاَية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق به, وهكذا روى هذا الحديث أبو حذيفة عن الثوري مرفوعاً, وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعاً, فقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة, حدثنا عباد بن العوام عن العلاء بن المسيب عن أبي أمامة التيمي, قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة, وإن أناساً يزعمون أنه لا حج لنا, فهل ترى لنا حجاً ؟ قال: ألستم تحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك ؟ قال: قلت: بلى, قال «فأنتم حجاج» ثم قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه, أو قال: فلم يرد شيئاً حتى نزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} فدعا الرجل فتلاها عليه, وقال «أنتم حجاج» وكذا رواه مسعود بن سعد وعبد الواحد بن زياد وشريك القاضي عن العلاء بن المسيب مرفوعاً وقال ابن جرير: حدثني طليق بن محمد الواسطي, حدثنا أسباط هو ابن محمد, أخبرنا الحسن بن عمرو هو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي, قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري, فهل لنا حج ؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت, وتأتون المعرف, وترمون الجمار, وتحلقون رؤوسكم ؟ قلنا: بلى, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه, فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الاَية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} إلى آخر الاَية, وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أنتم حجاج» وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق, حدثنا أبو أحمد, حدثنا غندر عن عبد الرحمن بن المهاجر عن أبي صالح مولى عمرو قال: قلت: يا أمير المؤمنين, كنتم تتجرون في الحج ؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج ؟
وقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} إنما صرف عرفات وإن كان علماً على مؤنث, لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات, سمي به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف, اختاره ابن جرير, وعرفة موضع الوقوف في الحج, وهي عمدة أفعال الحج, ولهذا روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن الثوري عن بكير عن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحج عرفات ـ ثلاثاً ـ فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك, وأيام منى ثلاثة, فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه, ومن تأخر فلا إثم عليه» ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر, لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس, وقال «لتأخذوا عني مناسككم» وقال في هذا الحديث «فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي, رحمهم الله, وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة, واحتجوا بحديث الشعبي عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي, قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله, إني جئت من جبل طيء, أكللت راحلتي, وأتعبت نفسي, والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه, فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد صلاتنا هذه, فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً, فقد تم حجه وقضى تفثه» رواه الإمام أحمد وأهل السنن, وصححه الترمذي, ثم قيل: إنما سميت عرفات لمارواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج, قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل عليه السلام إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فحج به, حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت, وكان قد أتاها مرة قبل ذلك, فلذلك سميت عرفة وقال ابن المبارك عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء, قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك فيقول: عرفت عرفت, فسميت عرفات, وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمر وأبي مجلز, فالله أعلم, وتسمى عرفات المشعر الحرام, والمشعر الأقصى, وإلال على وزن هلال, ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة, قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا لهإلال إلى تلك الشراج القوابل
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة, حدثنا أبو عامر عن زمعة هو ابن صالح, عن سلمة بن وهرام, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا, فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة وصلى الفجر بغلس, حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الاَخر, دفع, وهذا حسن الإسناد, وقال ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة, قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات, فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال «أما بعد ـ وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد ـ فإن هذا اليوم الحج الأكبر, ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجهها, وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس, وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها, وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفاً هدينا هدي أهل الشرك», هكذا رواه ابن مردويه, وهذا لفظه, والحاكم في مستدركه, كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي عن عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج, وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا كما يتوهمه بعض أصحابنا أنه من له رؤية بلا سماع, وقال وكيع, عن شعبة, عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي, عن المعرور بن سويد, قال: رأيت عمر رضي الله عنه حين دفع عن عرفة كأني أنظر إليه رجل أصلع على بعير له يوضع وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع, وفي حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي في صحيح مسلم, قال فيه: فلم يزل واقفاً ـ يعني بعرفة ـ حتى غربت الشمس, وبدت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص, وأردف أسامة خلفه, ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله, ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس السكينة السكينة» كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد حتى أتىَ المزدلفة, فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين, ولم يسبح بينهما شيئاً, ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر, حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة, ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام, فاستقبل القبلة, فدعا الله وكبره وهلله ووحده, فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً, فدفع قبل أن تطلع الشمس, وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه سئل: كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفع ؟ قال: كان يسير العنق, فإذا وجد فجوة نص. والعنق هو انبساط السير, والنص فوقه, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه, عن سفيان بن عيينة قوله {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} وهي الصلاتين جميعاً, وقال أبو إسحاق السبيعي, عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام, فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة, قال: أين السائل عن المشعر الحرام, هذا المشعر الحرام, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر, عن الزهري, عن سالم, قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها. وقال هشيم, عن حجاج, عن نافع, عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} قال: فقال: هذا الجبل وما حوله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن المغيرة, عن إبراهيم, قال: فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح, فقال: على ما يزدحم هؤلاء, كل ههنا مشعر. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة ؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر, قال: وليس المأزمان عرفة من المزدلفة, ولكن مفاضاهما, قال: فقف بينهما إن شئت, قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس. (قلت) والمشاعر هي المعالم الظاهرة, وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام, لأنها داخل الحرم, وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به, كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي منهم القفال وابن خزيمة لحديث عروة بن مضرس ؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم ؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الاَخر ؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا, والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك, عن سفيان الثوري, عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «عرفة كلها موقف, وارفعوا عن عرنة, وجمع كلها موقف إلا محسراً» هذا حديث مرسل, وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة, حدثنا سعيد بن عبد العزيز حدثني سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «كل عرفات موقف, وارفعوا عن عرنة, وكل مزدلفة موقف, وارفعوا عن محسر, وكل فجاج مكة منحر, وكل أيام التشريق ذبح» وهذا أيضاً منقطع, فإن سليمان بن موسى هذا, وهو الأشدق, لم يدرك جبير بن مطعم, ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبدالعزيز, عن سليمان, فقال الوليد, عن جبير بن مطعم عن أبيه, وقال سويد عن نافع بن جبير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره, والله أعلم.
وقوله {واذكروه كما هداكم} تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه من الهداية إبراهيم الخليل عليه السلام, ولهذا قال {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} قيل: من قبل هذا الهدى وقبل القرآن وقبل الرسول, والكل متقارب ومتلازم وصحيح.


** ثُمّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
ثم ـ ههنا ـ لعطف خبر على خبر وترتبيه عليه, كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام, وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات, كما كان جمهور الناس يصنعون, يقفون بها إلا قريشاً فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل, ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته, قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا محمد بن حازم, حدثنا هشام, عن أبيه, عن عائشة, قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة, وكانوا يسمون الحمس, وسائر العرب يقفون بعرفات, فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها, فذلك قوله {من حيث أفاض الناس} وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم, واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع, وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن مجاهد عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه, قال: أضللت بعيراً لي بعرفة فذهبت أطلبه, فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف, قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه ههنا ؟ أخرجاه في الصحيحين, ثم رواه البخاري من حديث موسى بن عقبة, عن كريب, عن ابن عباس: ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ههنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار, فالله أعلم, وحكاه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم فقط. قال: والمراد بالناس إبراهيم عليه السلام, وفي رواية عند الإمام, قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
وقوله {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} كثيراً ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات, ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان إذا فرغ من الصلاة يستفغر اللهثلاثاً, وفي الصحيحين أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين. وقد روى ابن جرير ههنا حديث ابن عباس بن مرداس السلمي, في استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته عشية عرفة, وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة, وأورد ابن مردويه ههنا الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي, لا إله إلا أنت, خلقتني وأنا عبدك, وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت, أعوذ بك من شر ما صنعت, أبوء لك بنعمتك عليّ, وأبوء بذنبي, فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت, من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة, ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة», وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله, علمني دعاء أدعو به في صلاتي, فقال «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك, وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» والأحاديث في الاستغفار كثيرة.


** فَإِذَا قَضَيْتُمْ مّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وِمِنْهُمْ مّن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ * أُولَـَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها, وقوله {كذكركم آباءكم} اختلفوا في معناه, فقال ابن جريج عن عطاء: هو كقول الصبي أبه أمه, يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه, فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك, وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس, وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه, وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات, ويحمل الديات, ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم, فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً}, قال ابن أبي حاتم : وروى السدي, عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته, ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك, وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة والله أعلم, والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله عز وجل, ولهذا كان انتصاب قوله, أو أشد ذكراً على التمييز, تقديره كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً, وأو ـ ههنا ـ لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} وقوله {يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} {فأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} {فكان قاب قوسين أو أدنى} فليست ههنا للشك قطعاً, وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه, ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة, وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه, فقال {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الاَخرة من خلاق} أي من نصيب ولا حظ, وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك, قال سعيد بن جبير, عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث, وعام خصب, وعام ولاد حسن, لا يذكرون من أمر الاَخرة شيئاً, فأنزل الله فيهم {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الاَخرة من خلاق} وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ألاَخرة حسنة وقنا عذاب النار} فأنزل الله {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى, فقال: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاَخرة حسنة وقنا عذاب النار} فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر, فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية, ودار رحبة, وزوجة حسنة, ورزق واسع, وعلم نافع, وعمل صالح, ومركب هني, وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين, ولا منافاة بينها, فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا, وأما الحسنة في الاَخرة, فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات, وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الاَخرة الصالحة, وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والاَثام وترك الشبهات والحرام, وقال القاسم بن عبد الرحمن: من أعطي قلباً شاكراً, ولساناً ذاكراً, وجسداً صابراً, فقد أوتي في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, ووقي عذاب النار, ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء, فقال البخاري: حدثنا أبو معمر, حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز, عن أنس بن مالك, قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار» وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, حدثنا عبد العزيز بن صهيب, قال: سأل قتادة أنساً: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: يقول «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار» وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها, وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها ورواه مسلم, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو نعيم,حدثنا عبد السلام بن شداد يعني أبا طالوت, قال: كنت عند أنس بن مالك, فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم, فقال: «اللهم آتنا في الدينا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار» وتحدثوا ساعة, حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة, إن إخوانك يريدون القيام, فادع الله لهم, فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الاَخرة حسنة, ووقاكم عذاب النار, فقد آتاكم الخير كله, وقال أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن ثابت, عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه ؟ قال: نعم, كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الاَخرة فعجله لي في الدنيا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه, فهلا قلت {ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار} قال: فدعاه فشفاه, انفرد بإخراجه مسلم, فرواه من حديث ابن أبي عدي به وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج, عن يحيى بن عبيد مولى السائب, عن أبيه, عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار} ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك, وفي سنده ضعف, والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي, أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور, حدثنا سعيد بن سليمان عن إبراهيم بن سليمان عن عبد الله بن هرمز, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكاً يقول آمين, فإذا مررتم عليه فقولوا {ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار}» وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو زكريا العنبري, حدثنا محمد بن عبد السلام, حدثنا إسحاق بن إبراهيم, أخبرنا جرير عن الأعمش, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال. إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني, ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم, أفيجزي ذلك ؟ فقال: أنت من الذين قال الله: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه.


** وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِيَ أَيّامٍ مّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخّرَ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتّقَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوآ أَنّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق, والأيام المعلومات أيام العشر, وقال عكرمة {واذكرو الله في أيام معدودات} يعني التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات الله أكبر الله أكبر. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا موسى بن علي عن أبيه, قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة, ويوم النحر, وأيام التشريق, عيدنا أهل الإسلام, وهي أيام أكل وشرب», وقال أحمد أيضاً: حدثنا هشيم, أخبرنا خالد, عن أبي المليح, عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» ورواه مسلم أيضاً, وتقدم حديث جبير بن مطعم «عرفة كلها موقف, وأيام التشريق كلها ذبح» وتقدم أيضاً حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي «وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه» وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم قالا: حدثنا هشيم عن عمرو بن أبي سلمة, عن أبيه, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق أيام طعم وذكر الله» وحدثنا خلاد بن أسلم, حدثنا روح, حدثنا صالح, حدثني ابن شهاب عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منىَ: «لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل» وحدثنا يعقوب حدثنا هشيم عن سفيان بن حسين عن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال «إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله إلا من كان عليه صوم من هدى» زيادة حسنة ولكن مرسلة, وبه قال هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عمرو بن دينار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشر بن سحيم فنادى في أيام التشريق فقال: «إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله» وقال هشيم عن ابن أبي ليلى, عن عطاء, عن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق, قال: «وهي أيام أكل وشرب وذكر الله» وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم, عن مسعود بن الحكم الزرقي, عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيها الناس, إنها ليست بأيام صيام, إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله, وقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق أربعة أيام: يوم النحر, وثلاثة بعده, وروي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي ويحيى بن أبي كثير والحسن وقتادة والسدي والزهري والربيع بن أنس والضحاك ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ومالك بن أنس وغيرهم مثل ذلك. وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيهن شئت, وأفضلها أولها, والقول الأول هو المشهور, وعليه دلّ ظاهر الاَية الكريمة حيث قال {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} فدل على ثلاثة بعد النحر ويتعلق بقوله {واذكروا الله في أيام معدودات} ذكر الله الأضاحي وقد تقدم, وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي رحمه الله وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر التشريق ويتعلق به أيضا الذكر المؤقت خلف الصلوات,والمطلق في سائر الأحوال وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق, وهو آخر النفر الاَخر, وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني لكن لا يصح مرفوعاً, والله أعلم وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يكبر في قبته فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منىَ تكبيراً ويتعلق بذلك أيضاً التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل. ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والاَفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف, قال {واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} كما قال {وهوالذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون}.


** وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَىَ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلّىَ سَعَىَ فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي, جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك, وعن ابن عباس, أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم, فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم, وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد, وهو الصحيح,وقال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني الليث بن سعد عن خالد بن أبي هلال, عن القرظي, عن نوف وهوالبكالي وكان ممن يقرأ الكتب, قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين, ألسنتهم أحلى من العسل, وقلوبهم أمرّ من الصبر, يلبسون للناس مسوك الضأن, وقلوبهم قلوب الذئاب, يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون وبي يغترون, حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران, قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها{ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه} الاَية, وحدثني محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح, قال: سمعت سعيداً المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي, فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل, وقلوبهم أمر من الصبر, لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين, يجترئون الدنيا بالدين, قال الله تعالى, عليّ تجترئون وبي تغترون ؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران, فقال محمد بن كعب هذا في كتاب الله, فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله ؟ قال: قول الله {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الاَية, فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الاَية ؟ فقال محمد بن كعب, إن الاَية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد, وهذا الذي قاله القرظي, حسن صحيح, وأما قوله {ويشهد الله على ما في قلبه} فقرأه ابن محيصن {ويشهد الله} بفتح الياء وضم الجلالة {على ما في قلبه} ومعناها أن هذا وإن أظهر لكم الحيل لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يعلم يشهد إن المنافقين لكاذبون} وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة, {يشهد الله على ما في قلبه} ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق كقوله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} الاَية, هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه, وهذا المعنى صحيح, وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد, والله أعلم.
وقوله {وهو ألد الخصام} الاَلد في اللغة الأعوج {وتنذر به قوماً لداً} أي عوجاً, وهكذا المنافق في حال خصومته, يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه, بل يفتري ويفجر, كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر». وقال البخاري: حدثنا قبيصة, حدثنا سفيان عن ابن جريج, عن ابن مليكة عن عائشة ترفعه, قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان, حدثنا ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله {وهو ألد الخصام} عن ابن جريج, عن ابن أبي مليكة, عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».
وقوله {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} أي هو أعوج المقال سيء الفعال, فذلك قوله وهذا فعله, كلامه كذب, واعتقاده فاسد, وأفعاله قبيحة, والسعي ـ ههنا ـ هو القصد, كما قال إخباراً عن فرعون {ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الاَخرة والأولى, إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة, فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون, وأتوها وعليكم السكينة والوقار» فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث, وهومحل نماء الزروع والثمار والنسل, وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما وقال مجاهد: إذا سعي في الأرض إفساداً, منع الله القطر فهلك الحرث والنسل {والله لا يحب الفساد} أي لا يحب من هذه صفته, ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} أي إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله, وقيل له اتق الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق, امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم, أي بسبب ما اشتمل عليه من الاَثام, وهذه الاَية شبيهة بقوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا, قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} ولهذا قال في هذه الاَية {فحسبه جهنم ولبئس المهاد} أي هي كافيته عقوبة في ذلك وقوله {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة, ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة, منعه الناس أن يهاجر بماله,وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل, فتخلص منهم وأعطاهم ماله, فأنزل الله فيه هذه الاَية, فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك ؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الاَية, ويروىَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له «ربح البيع صهيب» قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم, حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة, حدثنا سليمان بن داود, حدثنا جعفر بن سليمان الضبي, حدثنا عوف عن أبي عثمان النهدي عن صهيب, قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش يا صهيب قدمت إلينا, ولا مال لك وتخرج أنت ومالك والله لا يكون ذلك أبداً, فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني ؟ قالوا: نعم, فدفعت إليهم مالي, فخلوا عني, فخرجت حتى قدمت المدينة, فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال «ربح صهيب ربح صهيب» مرتين, وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب, قال: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش, فنزل عن راحلته وأنثل ما في كنانته, ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلاً, وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي, ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء, ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي, قالوا: نعم, فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال «ربح البيع» قال ونزلت {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد} وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله, فيقتلون ويقتلون, وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن, ومن أوفى بعهده من الله ؟ فاسبتشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس, فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما, وتلوا هذه الاَية {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}.


** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ * فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيّنَاتُ فَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه, والعمل بجميع أوامره, وترك جميع زواجره, ما استطاعوا من ذلك, قال العوفي, عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله {ادخلوا في السلم} يعني الإسلام. وقال الضحاك, عن ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس {ادخلوا في السلم} يعني الطاعة. وقال قتادة أيضاً: الموادعة. وقوله {كافة} قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك جميعاً, وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.
وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يسبتوا وأن يقوموا بالتوراة ليلاً, فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها, وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر, إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله {كافة} حالاً من الداخلين أي ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جداً ما استطاعوا منها, كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين, أخبرنا أحمد بن الصباح, أخبرني الهيثم بن يمان, حدثنا إسماعيل بن زكريا, حدثني محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} كذا قرأها بالنصب, يعني مؤمني أهل الكتاب, فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم, فقال الله {ادخلوا في السلم كافة} يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئاً وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها, وقوله {ولاتتبعوا خطوات الشيطان} أي اعملوا بالطاعات واجنتبوا ما يأمركم به الشيطان فـ {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}, و {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} ولهذا قال {إنه لكم عدوّ مبين} قال مطرف: أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان, وقوله: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} أي عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج, فاعلموا أن الله عزيز أي في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه, ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.


** هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ
يقول تعالى مهدداً للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والاَخرين, فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير, وإن شراً فشر, ولهذا قال تعالى: {وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} كما قال الله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملك صفاً صفاً * وجيء يومئذٍ بجهنم يومئذٍ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} وقال {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} الاَية. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ـ ههنا ـ حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم,وفيه: أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحداً واحداً من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم, فإذا جاؤوا إليه قال «أنا لها أنا لها» فيذهب فيسجد لله تحت العرش, ويشفع عند الله في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة, ثم الثانية, ثم الثالثة, إلى السابعة, وينزل حملة العرش والكروبيون, قال: وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة, ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت, سبحان ذي العزة والجبروت, سبحان الحي الذي لا يموت, سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت, سبوح قدوس رب الملائكة والروح, سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى, سبحان ذي السلطان والعظمة, سبحانه سبحانه أبداً أبداً, وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه ـ ههنا ـ أحاديث فيها غرابة, والله أعلم. فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة, عن مسروق, عنابن مسعود, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «يجمع الله الأولين والاَخرين لميقات يوم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء, وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا أبو بكر بن مقدم, حدثنا معتمر بن سليمان, سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} الاَية. قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب, منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب. قال: وحدثنا أبي, حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي, حدثنا الوليد. قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} قال: ظلل من الغمام منظوم من الياقوت, مكلل بالجوهر والزبرجد. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في ظلل من الغمام, قال: هو غير السحاب ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا, وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام, والله تعالى يجيء فيما يشاء, وهي في بعض القراءات {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام} وهي كقوله {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً}.


** سَلْ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * زُيّنَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ اتّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يقول تعالى مخبراً عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة أي حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به, كيده وعصاه وفلقه البحر وضرب الحجر, وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر, ومن إنزال المن والسلوى, وغير ذلك من الاَيات الدالات على وجود الفاعل المختار, وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه, ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله كفراً, أي استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب} كما قال تعالى إخباراً عن كفار قريش {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار} ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها, واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها, مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا, الذين أعرضوا عنها, وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم, وبذلوه ابتغاء وجه الله, فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم, فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم, فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين, وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين, ولهذا قال تعالى: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} أي يزرق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيراً جزيلاً بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والاَخرة, كما جاء في الحديث «ابن آدم أنفق أنفق عليك» وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً» وقال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} وفي الصحيح «أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً, ويقول الاَخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً» وفي الصحيح «يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت, وما لبست فابليت, وما تصدقت فأمضيت, وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «الدنيا دار من لا دار له, ومال من لا مال له, ولها يجمع من لا عقل له».


** كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا أبو داود, أخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون, كلهم على شريعة من الحق, فاختلفوا, فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين, قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا}. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار عن محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه, كذا روى أبو جعفر الرازي عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله {كان الناس أمة واحدة} قال: كانوا على الهدى جميعاً {فاختلفوا فبعث الله النبيين} فكان أول من بعث نوحاً. وهكذا قال مجاهد, كما قال ابن عباس أولاً. وقال العوفي عن ابن عباس {كان الناس أمة واحدة} يقول: كانوا كفاراً {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} والقول الأول عن ابن عباس أصح سنداً ومعنى, لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام, فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام, فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
ولهذا قال تعالى: {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعدما جاءتهم البينات بغياً بينهم} أي من بعد ما قامت الحجج عليهم, وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض {فهدى الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن سليمان الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة في قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} الاَية, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن الاَخرون الأولون يوم القيامة, نحن أول الناس دخولاً الجنة, بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم, فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه, فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له, فالناس لنا فيه تبع فغداً لليهود وبعد غد للنصارى» ثم رواه عبد الرزاق عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه, عن أبي هريرة. وقال ابن وهب, عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه في قوله {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} فاختلفوا في يوم الجمعة, فاتخذ اليهود يوم السبت, والنصارى يوم الأحد, فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى الله أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة, فمنهم من يركع ولا يسجد, ومنهم من يسجد ولا يركع, ومنهم من يصلي وهو يتكلم, ومنهم من يصلي وهو يمشي, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك, واختلفوا في الصيام, فمنهم من يصوم بعض النهار, ومنهم من يصوم عن بعض الطعام, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم عليه السلام, فقالت اليهود: كان يهودياً, وقالت: النصارى كان نصرانياً, وجعله الله حنيفاً مسلماً, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى عليه السلام, فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً, وجعلته النصارى إلهاً وولداً, وجعله الله روحه وكلمته, فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك, وقال الربيع بن أنس في قوله {فهدى الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} أي عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف, أقاموا على الإخلاص لله عز وجل وحده, وعبادته لا شريك له, وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون, أن رسلهم قد بلغوهم, وأنهم قد كذبوا رسلهم, وفي قراءة أبي بن كعب: وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكان أبو العالية يقول في هذه الاَية: المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.
وقوله {بإذنه} أي بعلمه بهم وبما هداهم له, قاله ابن جرير {والله يهدي من يشاء} أي من خلقه {إلى صراط مستقيم} أي وله الحكمة والحجة البالغة, وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» وفي الدعاء المأثور: «اللهم أرنا الحق حقاً, وارزقنا ابتاعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل, واجعلنا للمتقين إماماً».


** أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُم مّثَلُ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مّسّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتّىَ يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىَ نَصْرُ اللّهِ أَلآ إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ
يقول تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم, ولهذا قال {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء} وهي الأمراض والأسقام والاَلام والمصائب والنوائب. قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان {البأساء} الفقر {والضراء} السقم {وزلزلوا} خوفاً من الأعداء زلزالاً شديداً, وامتحنوا امتحاناً عظيماً, كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت, قال: قلنا: يا رسول الله, ألا تستنصر لنا, ألا تدعو الله لنا ؟ فقال: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه, ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه, لا يصرفه ذلك عن دينه» ثم قال «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت, لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه, ولكنكم قوم تستعجلون» وقال الله تعالى: {آلم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون, ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله تعالى عنهم في يوم الأحزاب, كما قال الله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} الاَيات. ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه ؟ قال: نعم. قال فكيف كانت الحرب بينكم ؟ قال سجالاً, يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. وقوله {مثل الذين خلوا من قبلكم} أي سنتهم كما قال تعالى: {فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومضى مثل الأولين} وقوله {وزلزلوا حتى يقول الرسل والذين آمنوا معه متى نصر الله} أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة, قال الله تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} كما قال {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها, ولهذا قال {ألا إن نصر الله قريب} وفي حديث أبي رزين «عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه, فينظر إليهم قنطين, فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب» الحديث.


** يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ
قال مقاتل بن حيان: هذه الاَية في نفقة التطوع. وقال السدي: نسختها الزكاة, وفيه نظر, ومعنى الاَية: يسألونك كيف ينفقون ؟ قاله ابن عباس ومجاهد فبين لهم تعالى ذلك, فقال {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} أي اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء الحديث «أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك» وتلا ميمون بن مهران هذه الاَية, ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلاً ولا مزماراً ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان. ثم قال تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} أي مهما صدر منكم من فعل معروف, فإن الله يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء, فإنه لا يظلم أحداً مثقال ذرة.


** كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام, وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أوقعد, فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين, وإذا استغيث أن يغيث, وإذا استنفر ان ينفر, وإن لم يحتج إليه قعد. (قلت) ولهذا ثبت في الصحيح «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو, مات ميتة جاهلية» وقال عليه السلام يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية, وإذا استنفرتم فانفروا» وقوله {وهو كره لكم} أي شديد عليكم ومشقة وهو كذلك, فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} أي لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. {وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم} وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئاً وليس له فيه خيرة ولا مصلحة, ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. ثم قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم, وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم, فاستجيبوا له وانقادوا لأمره, لعلكم ترشدون.


** يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي, حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه, حدثني الحضرمي عن أبي السوار, عن جندب بن عبد الله, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً, وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح, فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسه فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش, وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا, وقال «لا تكرهن أحداً على السير معك من أصحابك» فلما قرأ الكتاب استرجع, وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله, فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب, فرجع رجلان وبقي بقيتهم, فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه, ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى, فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام, فأنزل الله {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} الاَية, وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح, عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} الاَية, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية, وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي, وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل, وسهيل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب, وكتب لابن جحش كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه «أن سر حتى تنزل بطن نخلة» فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص, فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسار, فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة, أضلا راحلة لهما فتخلفا يطلبانها, سار ابن جحش إلى بطن نخلة, فإذا هو بالحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة, وانفلت وقتل عمرو, قتله واقد بن عبد الله, فكانت أولى غنيمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال, أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين عليه. وقالوا: إن محمداً يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب, فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى, وقتل في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى, وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب, وأنزل الله يعير أهل مكة {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} لا يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر من القتل عند الله.
وقال العوفي عن ابن عباس {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردوه عن المسجد في شهر حرام, قال: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل, فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام, فقال الله {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} من القتال فيه, وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث سرية, فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب, ولم يشعروا, فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه, وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك, فقال الله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه} إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, والشرك أشد منه, وهكذا روى أبو سعيد البقال عن عكرمة, عن ابن عباس, أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي, وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح, عن ابن عباس, وقال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} إلى آخر الاَية, وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة, عن زياد بن عبد الله البكائي, عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني رحمه الله, في كتاب السيرة له, إنه قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى, وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد, وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين, ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به, ولا يستكره من أصحابه أحداً, وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين, ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف, ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش, وهو أمير القوم, وعكاشة بن محصن أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم, ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم ومن بني زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص ومن بني كعب عدي بن عامر بن ربيعة, حليف لهم, من غير ابن وائل, وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع, أحد بني تميم حليف لهم, وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم, ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء, فلما سار عبد الله بن جحش يومين, فتح الكتاب فنظر فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي في هذا, فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم, فلما نظر عبد الله بن جحش الكتاب, قال: سمعاً وطاعة, ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم, أن امضي إلى نخلة أرصد بها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر, وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم, فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق, ومن كره ذلك فليرجع, فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد, فسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له نُجران, أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يتعقبانه فتخلفا عليه في طلبه, ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة, فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة قريش, فيها عمرو بن الحضرمي, واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصدف وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة, فلما رآهم القوم هابوهم, وقد نزلوا قريباً منهم, فأشرف لهم عكاشة بن محصن, وكان قد حلق رأسه, فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم, وتشاور القوم فيهم, وذلك في آخر يوم من رجب, فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم, فليمتنعن منكم, ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام, فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم, ثم شجعوا أنفسهم عليهم, وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم, فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله, واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان, وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم, وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس, وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم, فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير, وقسم سائرها بين أصحابه, قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير والأسيرين, وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً, فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, أسقط في أيدي القوم, وظنوا أنهم قد هلكوا, وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا, وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام, وسفكوا فيه الدم, وأخذوا فيه الأموال, وأسروا فيه الرجال¹ فقال من يرد عليه من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت اليهود: تفاءلوا بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله, عمرو عمرت الحرب, والحضرمي حضرت الحرب, وواقد بن عبد الله وقدت الحرب, فجعل الله عليهم ذلك لا لهم, فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام, فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به, وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله {أكبر عند الله} من قتل من قتلتم منهم {والفتنة أكبر من القتل} أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه, فذلك أكبر عند الله من القتل {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم عن استطاعوا} أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه, غير تائبين ولا نازعين, قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشدة, قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم العير والأسيرين, وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا» يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان, فإنا نخشاكم عليهما, فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم, فقدم سعد وعتبة, ففداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم, فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه, وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً, وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافراً, قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كان حين نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول الله, أنطمع ان تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عز وجل: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} فوضع الله من ذلك على أعظم الرجاء, قال ابن إسحاق, والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان, عن عروة, وقد روى يونس بن بكير, عن محمد بن إسحاق, عن يزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير قريباً من هذا السياق, وروى موسى بن عقبة, عن الزهري نفسه نحو ذلك, وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة بن الزبير نحواً من هذا أيضاً, وفيه فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين, فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة, فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل لله {يسألونك عن الشهر الحرام} الاَية, وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة, ثم قال ابن هشام, عن زياد, عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن عبد الله قسم الفيء بين أهله, فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه, وخمساً على الله ورسوله, فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير, قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون, وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون, وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون, قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن جحش, ويقال: بل عبد الله بن حجش قالها حين قالت



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 07:57 PM   #24
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
قال فقلت: أترفث وأنت محرم ؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. وقال عبد الله بن طاوس عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله عز وجل: {فلا رفث ولا فسوق} ؟ قال: الرفث التعريض بذكر الجماع, وهي العرابة في كلام العرب, وهو أدنى الرفث, وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش وكذا قال عمرو بن دينار وقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة, وهو التعريض وهو محرم. وقال طاوس: هو أن يقول للمرأة إذا حللت أصبتك, وكذا قال أبو العالية, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز, وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك, وقال ابن عباس أيضاً وابن عمر: الرفث غشيان النساء وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم وأبو العالية عن عطاء ومكحول وعطاء الخراساني وعطاء بن يسار وعطية وإبراهيم النخعي والربيع والزهري والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.
وقوله {فلا فسوق} قال: مقسم وغير واحد, عن ابن عباس هي المعاصي, وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والزهري والربيع بن أنس وعطاء بن يسار وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان, وقال محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر, قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيداً أو غيره, وكذا روى ابن وهب عن يونس عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم, وقال آخرون: الفسوق ههنا السباب قال ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومجاهد والسدي وإبراهيم النخعي والحسن, وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ولهذا رواه ههنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن زبيد, عن أبي وائل, عن عبد الله, عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال: «سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر», وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه, ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق ههنا الذبح للأصنام, قال الله تعالى: {أو فسقاً أهل لغير الله به}, وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب, والذين قالوا: الفسوق ههنا هو جميع المعاصي الصواب معهم, كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم, وإن كان في جميع السنة منهياً عنه, إلا أنه في الأشهر الحرم آكد, ولهذا قال {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} وقال في الحرم {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا ارتكاب ما نهى عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك, كما تقدم عن ابن عمر, وما ذكرناه أولى, والله أعلم, وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة, قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من حج هذا البيت, فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»
وقوله {ولا جدال في الحج} فيه قولان: (أحدهما) ولا مجادلة في وقت الحج في مناسكه, وقد بينه الله أتم بيان, ووضحه أكمل إيضاح, كما قال وكيع عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهداً يقول {ولا جدال في الحج} قد بين الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد {ولا جدال في الحج} قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في الحج قد تبين ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به. وقال الثوري, عن عبد العزيز بن رفيع, عن مجاهد في قوله {ولا جدال في الحج} قال: قد استقام الحج. فلا جدال فيه, وكذا قال السدي. وقال هشيم: أخبرنا حجاج عن عطاء, عن ابن عباس {ولا جدال في الحج} قال: المراء في الحج. وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: {ولا جدال في الحج} فالجدال في الحج ـ والله أعلم ـ أن قريشاً كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة, وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة, وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب ويقول هؤلاء: نحن أصوب, فهذا فيما نرى, والله أعلم, وقال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم, فقطعه الله حين أعلم نبيه بالمناسك, وقال ابن وهب: عن أبي صخر, عن محمد بن كعب, قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم, وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم, وقال حماد بن سلمة, عن جبير بن حبيب, عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج غداً, ويقول بعضهم: الحج اليوم, وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال, وهو قطع التنازع في مناسك الحج, والله أعلم.
(والقول الثاني) أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير: حدثنا عبد الحميد بن بيان, حدثنا إسحاق عن شريك, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله بن مسعود في قوله {ولا جدال في الحج} قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه, وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق عن التميمي, سألت ابن عباس, عن الجدال, قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه, وكذلك روى مقسم والضحاك عن ابن عباس وكذا قال أبو العالية وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني ومكحول والسدي ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ولا جدال في الحج, المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك فنهى الله عن ذلك, وقال إبراهيم النخعي {ولا جدال في الحج} قال: كانوا يكرهون الجدال, وقال محمد بن إسحاق, عن نافع, عن ابن عمر, قال الجدال في الحج السباب والمنازعة, وكذا روى ابن وهب عن يونس, عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات, وقال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن الزبير والحسن وإبراهيم وطاوس ومحمد بن كعب, قالوا الجدال المراء, وقال عبد الله بن المبارك عن يحيى بن بشر, عن عكرمة {ولا جدال في الحج} والجدال الغضب, أن تغضب عليك مسلماً إلا أن تستعتب مملوكاً فتغضبه من غير أن تضربه, فلا بأس عليك إن شاء الله. (قلت) ولو ضربه لكان جائزاً سائغاً, والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس, حدثنا محمد بن إسحاق, عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه, عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجاً حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست إلى جانب أبي, وكانت زمالة أبي بكر وزمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة مع غلام أبي بكر, فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه, فأطلع وليس مع بعيره, فقال: أين بعيرك ؟ فقال: أضللته البارحة, فقال أبو بكر: بعير تضلله ؟ فطفق يضربه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق, ومن هذاالحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال, ولكن يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر رضي الله عنه «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك, والله أعلم.
وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى, عن موسى بن عبيدة, عن أخيه عبد الله بن عبيد الله, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده, غفر له ما تقدم من ذنبه».
وقوله {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} لما نهاهم عن إتيان القبيح قولاً وفعلاً, حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به, وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة, وقوله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} قال العوفي, عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة, يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا ؟ فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار, عن عكرمة: أن ناساً كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} وكذا رواه ابن جرير عن عمرو وهوالفلاس, عن ابن عيينة, قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء عن عمرو بن دينار, عن عكرمة عن ابن عباس, قال وما يرويه عن ابن عيينة أصح. (قلت) قد وراه النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي, عن سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد, فأنزل الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} وأما حديث ورقاء فأخرجه البخاري عن يحيى بن بشر, عن شبابة, وأخرجه أبو داود عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي ومحمد بن عبد الله المخزومي عن شبابة عن ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس, قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون, فأنزل الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة, ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به, وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار عن نافع, عن ابن عمر, قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زاداً آخر, فأنزل الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الدقيق والسويق والكعك, وكذا قال ابن الزبير وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله وعطاء الخراساني وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان, وقال سعيد بن جبير: فتزودوا الدقيق والسويق والكعك, وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير {وتزودوا} قال الخشكنانج والسويق, قال وكيع أيضاً, حدثنا إبراهيم المكي عن ابن نجيح, عن مجاهد, عن ابن عمر, قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر, وزاد فيه حماد بن سلمة عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة.
وقوله {فإن خير الزاد التقوى} لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الاَخرة, وهو استصحاب التقوى إليها, كما قال {وريشاً ولباس التقوى ذلك خير} لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشداً إلى اللباس المعنوي, وهوالخشوع والطاعة والتقوى, وذكر أنه خير من هذا وأنفع, قال عطاء الخراساني في قوله {فإن خير الزاد التقوى} يعني زاد الاَخرة, وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا مروان بن معاوية عن إسماعيل, عن قيس, عن جرير عن عبد الله, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من يتزود في الدنيا ينفعه في الاَخرة» وقال مقاتل بن حيان لما نزلت هذه الاَية {وتزودوا}: قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله, ما نجد ما نتزوده, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تزود ما تكفّ به وجهك عن الناس, وخير ما تزودتم التقوى» رواه ابن أبي حاتم, وقوله {واتقون يا أولي الألباب} يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري, يا ذوي العقول والأفهام.


** لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّآلّينَ
قال البخاري: حدثنا محمد, أخبرني ابن عيينة عن عمرو, عن ابن عباس, قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية, فتأثموا أن يتجروا في الموسم, فنزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج. وهكذا رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وغير واحد عن سفيان بن عيينة به. ولبعضهم فلماجاء الإسلام تأثموا أن يتجروا, فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, فأنزل الله هذه الاَية, وكذا رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس, قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز, فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الاَية, وروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج, يقولون: أيام ذكر, فأنزل الله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} وقال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا حجاج عن عطاء عن ابن عباس أنه قال {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الاَية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده, وهكذا روى العوفي عن ابن عباس, وقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء, عن ابن عباس أنه كان يقرأ {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج, وقال عبد الرحمن, عن ابن عيينة, عن عبد الله بن أبي يزيد: وهكذا فسرها مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم, وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة, حدثنا شبابة بن سوار, حدثنا شعبة عن أبي أميمة, سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة, فقرأ ابن عمر {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} وهذا موقوف, وهو قوي جيد, وقد روي مرفوعاً, قال أحمد: حدثنا أسباط, حدثنا الحس بن عمرو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي, قال: قلت لابن عمر: إن نكري فهل لنا من حج ؟ قال: أليس تطوفون بالبيت, وتأتون المعرف, وترمون الجمار, وتحلقون رؤوسكم ؟ قال: قلنا: بلى, فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فسأله عن الذي سألتني, فلم يجبه حتى نزل عليه جبرائيل بهذه الاَية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم, فقال «أنتم حجاج». وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن العلاء بن المسيب, عن رجل من بني تميم, قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر, فقال: يا أبا عبد الرحمن, إنا نقوم نكري ويزعمون أنه ليس لنا حج, قال: ألستم تحرمون كا يحرمون, وتطوفون كما يطوفون, وترمون كما يرمون ؟ قال: بلى, قال فأنت حاج, ثم قال ابن عمر جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألت عنه, فنزلت هذه الاَية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق به, وهكذا روى هذا الحديث أبو حذيفة عن الثوري مرفوعاً, وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعاً, فقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة, حدثنا عباد بن العوام عن العلاء بن المسيب عن أبي أمامة التيمي, قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة, وإن أناساً يزعمون أنه لا حج لنا, فهل ترى لنا حجاً ؟ قال: ألستم تحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك ؟ قال: قلت: بلى, قال «فأنتم حجاج» ثم قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه, أو قال: فلم يرد شيئاً حتى نزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} فدعا الرجل فتلاها عليه, وقال «أنتم حجاج» وكذا رواه مسعود بن سعد وعبد الواحد بن زياد وشريك القاضي عن العلاء بن المسيب مرفوعاً وقال ابن جرير: حدثني طليق بن محمد الواسطي, حدثنا أسباط هو ابن محمد, أخبرنا الحسن بن عمرو هو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي, قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري, فهل لنا حج ؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت, وتأتون المعرف, وترمون الجمار, وتحلقون رؤوسكم ؟ قلنا: بلى, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه, فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الاَية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} إلى آخر الاَية, وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أنتم حجاج» وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق, حدثنا أبو أحمد, حدثنا غندر عن عبد الرحمن بن المهاجر عن أبي صالح مولى عمرو قال: قلت: يا أمير المؤمنين, كنتم تتجرون في الحج ؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج ؟
وقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} إنما صرف عرفات وإن كان علماً على مؤنث, لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات, سمي به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف, اختاره ابن جرير, وعرفة موضع الوقوف في الحج, وهي عمدة أفعال الحج, ولهذا روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن الثوري عن بكير عن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحج عرفات ـ ثلاثاً ـ فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك, وأيام منى ثلاثة, فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه, ومن تأخر فلا إثم عليه» ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر, لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس, وقال «لتأخذوا عني مناسككم» وقال في هذا الحديث «فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي, رحمهم الله, وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة, واحتجوا بحديث الشعبي عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي, قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله, إني جئت من جبل طيء, أكللت راحلتي, وأتعبت نفسي, والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه, فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد صلاتنا هذه, فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً, فقد تم حجه وقضى تفثه» رواه الإمام أحمد وأهل السنن, وصححه الترمذي, ثم قيل: إنما سميت عرفات لمارواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج, قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل عليه السلام إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فحج به, حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت, وكان قد أتاها مرة قبل ذلك, فلذلك سميت عرفة وقال ابن المبارك عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء, قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك فيقول: عرفت عرفت, فسميت عرفات, وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمر وأبي مجلز, فالله أعلم, وتسمى عرفات المشعر الحرام, والمشعر الأقصى, وإلال على وزن هلال, ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة, قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا لهإلال إلى تلك الشراج القوابل
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة, حدثنا أبو عامر عن زمعة هو ابن صالح, عن سلمة بن وهرام, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا, فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة وصلى الفجر بغلس, حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الاَخر, دفع, وهذا حسن الإسناد, وقال ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة, قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات, فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال «أما بعد ـ وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد ـ فإن هذا اليوم الحج الأكبر, ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجهها, وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس, وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها, وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفاً هدينا هدي أهل الشرك», هكذا رواه ابن مردويه, وهذا لفظه, والحاكم في مستدركه, كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي عن عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج, وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا كما يتوهمه بعض أصحابنا أنه من له رؤية بلا سماع, وقال وكيع, عن شعبة, عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي, عن المعرور بن سويد, قال: رأيت عمر رضي الله عنه حين دفع عن عرفة كأني أنظر إليه رجل أصلع على بعير له يوضع وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع, وفي حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي في صحيح مسلم, قال فيه: فلم يزل واقفاً ـ يعني بعرفة ـ حتى غربت الشمس, وبدت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص, وأردف أسامة خلفه, ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله, ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس السكينة السكينة» كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد حتى أتىَ المزدلفة, فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين, ولم يسبح بينهما شيئاً, ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر, حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة, ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام, فاستقبل القبلة, فدعا الله وكبره وهلله ووحده, فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً, فدفع قبل أن تطلع الشمس, وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه سئل: كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفع ؟ قال: كان يسير العنق, فإذا وجد فجوة نص. والعنق هو انبساط السير, والنص فوقه, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه, عن سفيان بن عيينة قوله {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} وهي الصلاتين جميعاً, وقال أبو إسحاق السبيعي, عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام, فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة, قال: أين السائل عن المشعر الحرام, هذا المشعر الحرام, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر, عن الزهري, عن سالم, قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها. وقال هشيم, عن حجاج, عن نافع, عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} قال: فقال: هذا الجبل وما حوله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن المغيرة, عن إبراهيم, قال: فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح, فقال: على ما يزدحم هؤلاء, كل ههنا مشعر. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة ؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر, قال: وليس المأزمان عرفة من المزدلفة, ولكن مفاضاهما, قال: فقف بينهما إن شئت, قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس. (قلت) والمشاعر هي المعالم الظاهرة, وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام, لأنها داخل الحرم, وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به, كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي منهم القفال وابن خزيمة لحديث عروة بن مضرس ؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم ؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الاَخر ؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا, والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك, عن سفيان الثوري, عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «عرفة كلها موقف, وارفعوا عن عرنة, وجمع كلها موقف إلا محسراً» هذا حديث مرسل, وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة, حدثنا سعيد بن عبد العزيز حدثني سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «كل عرفات موقف, وارفعوا عن عرنة, وكل مزدلفة موقف, وارفعوا عن محسر, وكل فجاج مكة منحر, وكل أيام التشريق ذبح» وهذا أيضاً منقطع, فإن سليمان بن موسى هذا, وهو الأشدق, لم يدرك جبير بن مطعم, ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبدالعزيز, عن سليمان, فقال الوليد, عن جبير بن مطعم عن أبيه, وقال سويد عن نافع بن جبير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره, والله أعلم.
وقوله {واذكروه كما هداكم} تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه من الهداية إبراهيم الخليل عليه السلام, ولهذا قال {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} قيل: من قبل هذا الهدى وقبل القرآن وقبل الرسول, والكل متقارب ومتلازم وصحيح.


** ثُمّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
ثم ـ ههنا ـ لعطف خبر على خبر وترتبيه عليه, كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام, وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات, كما كان جمهور الناس يصنعون, يقفون بها إلا قريشاً فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل, ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته, قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا محمد بن حازم, حدثنا هشام, عن أبيه, عن عائشة, قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة, وكانوا يسمون الحمس, وسائر العرب يقفون بعرفات, فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها, فذلك قوله {من حيث أفاض الناس} وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم, واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع, وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن مجاهد عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه, قال: أضللت بعيراً لي بعرفة فذهبت أطلبه, فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف, قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه ههنا ؟ أخرجاه في الصحيحين, ثم رواه البخاري من حديث موسى بن عقبة, عن كريب, عن ابن عباس: ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ههنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار, فالله أعلم, وحكاه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم فقط. قال: والمراد بالناس إبراهيم عليه السلام, وفي رواية عند الإمام, قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
وقوله {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} كثيراً ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات, ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان إذا فرغ من الصلاة يستفغر اللهثلاثاً, وفي الصحيحين أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين. وقد روى ابن جرير ههنا حديث ابن عباس بن مرداس السلمي, في استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته عشية عرفة, وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة, وأورد ابن مردويه ههنا الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي, لا إله إلا أنت, خلقتني وأنا عبدك, وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت, أعوذ بك من شر ما صنعت, أبوء لك بنعمتك عليّ, وأبوء بذنبي, فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت, من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة, ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة», وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله, علمني دعاء أدعو به في صلاتي, فقال «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك, وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» والأحاديث في الاستغفار كثيرة.


** فَإِذَا قَضَيْتُمْ مّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وِمِنْهُمْ مّن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ * أُولَـَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها, وقوله {كذكركم آباءكم} اختلفوا في معناه, فقال ابن جريج عن عطاء: هو كقول الصبي أبه أمه, يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه, فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك, وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس, وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه, وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات, ويحمل الديات, ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم, فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً}, قال ابن أبي حاتم : وروى السدي, عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته, ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك, وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة والله أعلم, والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله عز وجل, ولهذا كان انتصاب قوله, أو أشد ذكراً على التمييز, تقديره كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً, وأو ـ ههنا ـ لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} وقوله {يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} {فأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} {فكان قاب قوسين أو أدنى} فليست ههنا للشك قطعاً, وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه, ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة, وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه, فقال {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الاَخرة من خلاق} أي من نصيب ولا حظ, وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك, قال سعيد بن جبير, عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث, وعام خصب, وعام ولاد حسن, لا يذكرون من أمر الاَخرة شيئاً, فأنزل الله فيهم {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الاَخرة من خلاق} وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ألاَخرة حسنة وقنا عذاب النار} فأنزل الله {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى, فقال: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاَخرة حسنة وقنا عذاب النار} فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر, فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية, ودار رحبة, وزوجة حسنة, ورزق واسع, وعلم نافع, وعمل صالح, ومركب هني, وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين, ولا منافاة بينها, فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا, وأما الحسنة في الاَخرة, فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات, وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الاَخرة الصالحة, وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والاَثام وترك الشبهات والحرام, وقال القاسم بن عبد الرحمن: من أعطي قلباً شاكراً, ولساناً ذاكراً, وجسداً صابراً, فقد أوتي في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, ووقي عذاب النار, ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء, فقال البخاري: حدثنا أبو معمر, حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز, عن أنس بن مالك, قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار» وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, حدثنا عبد العزيز بن صهيب, قال: سأل قتادة أنساً: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: يقول «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار» وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها, وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها ورواه مسلم, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو نعيم,حدثنا عبد السلام بن شداد يعني أبا طالوت, قال: كنت عند أنس بن مالك, فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم, فقال: «اللهم آتنا في الدينا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار» وتحدثوا ساعة, حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة, إن إخوانك يريدون القيام, فادع الله لهم, فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الاَخرة حسنة, ووقاكم عذاب النار, فقد آتاكم الخير كله, وقال أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن ثابت, عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه ؟ قال: نعم, كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الاَخرة فعجله لي في الدنيا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه, فهلا قلت {ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار} قال: فدعاه فشفاه, انفرد بإخراجه مسلم, فرواه من حديث ابن أبي عدي به وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج, عن يحيى بن عبيد مولى السائب, عن أبيه, عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار} ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك, وفي سنده ضعف, والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي, أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور, حدثنا سعيد بن سليمان عن إبراهيم بن سليمان عن عبد الله بن هرمز, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكاً يقول آمين, فإذا مررتم عليه فقولوا {ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار}» وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو زكريا العنبري, حدثنا محمد بن عبد السلام, حدثنا إسحاق بن إبراهيم, أخبرنا جرير عن الأعمش, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال. إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني, ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم, أفيجزي ذلك ؟ فقال: أنت من الذين قال الله: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه.


** وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِيَ أَيّامٍ مّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخّرَ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتّقَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوآ أَنّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق, والأيام المعلومات أيام العشر, وقال عكرمة {واذكرو الله في أيام معدودات} يعني التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات الله أكبر الله أكبر. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا موسى بن علي عن أبيه, قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة, ويوم النحر, وأيام التشريق, عيدنا أهل الإسلام, وهي أيام أكل وشرب», وقال أحمد أيضاً: حدثنا هشيم, أخبرنا خالد, عن أبي المليح, عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» ورواه مسلم أيضاً, وتقدم حديث جبير بن مطعم «عرفة كلها موقف, وأيام التشريق كلها ذبح» وتقدم أيضاً حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي «وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه» وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم قالا: حدثنا هشيم عن عمرو بن أبي سلمة, عن أبيه, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق أيام طعم وذكر الله» وحدثنا خلاد بن أسلم, حدثنا روح, حدثنا صالح, حدثني ابن شهاب عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منىَ: «لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل» وحدثنا يعقوب حدثنا هشيم عن سفيان بن حسين عن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال «إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله إلا من كان عليه صوم من هدى» زيادة حسنة ولكن مرسلة, وبه قال هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عمرو بن دينار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشر بن سحيم فنادى في أيام التشريق فقال: «إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله» وقال هشيم عن ابن أبي ليلى, عن عطاء, عن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق, قال: «وهي أيام أكل وشرب وذكر الله» وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم, عن مسعود بن الحكم الزرقي, عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيها الناس, إنها ليست بأيام صيام, إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله, وقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق أربعة أيام: يوم النحر, وثلاثة بعده, وروي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي ويحيى بن أبي كثير والحسن وقتادة والسدي والزهري والربيع بن أنس والضحاك ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ومالك بن أنس وغيرهم مثل ذلك. وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيهن شئت, وأفضلها أولها, والقول الأول هو المشهور, وعليه دلّ ظاهر الاَية الكريمة حيث قال {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} فدل على ثلاثة بعد النحر ويتعلق بقوله {واذكروا الله في أيام معدودات} ذكر الله الأضاحي وقد تقدم, وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي رحمه الله وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر التشريق ويتعلق به أيضا الذكر المؤقت خلف الصلوات,والمطلق في سائر الأحوال وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق, وهو آخر النفر الاَخر, وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني لكن لا يصح مرفوعاً, والله أعلم وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يكبر في قبته فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منىَ تكبيراً ويتعلق بذلك أيضاً التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل. ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والاَفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف, قال {واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} كما قال {وهوالذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون}.


** وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَىَ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلّىَ سَعَىَ فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي, جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك, وعن ابن عباس, أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم, فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم, وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد, وهو الصحيح,وقال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني الليث بن سعد عن خالد بن أبي هلال, عن القرظي, عن نوف وهوالبكالي وكان ممن يقرأ الكتب, قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين, ألسنتهم أحلى من العسل, وقلوبهم أمرّ من الصبر, يلبسون للناس مسوك الضأن, وقلوبهم قلوب الذئاب, يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون وبي يغترون, حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران, قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها{ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه} الاَية, وحدثني محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح, قال: سمعت سعيداً المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي, فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل, وقلوبهم أمر من الصبر, لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين, يجترئون الدنيا بالدين, قال الله تعالى, عليّ تجترئون وبي تغترون ؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران, فقال محمد بن كعب هذا في كتاب الله, فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله ؟ قال: قول الله {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الاَية, فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الاَية ؟ فقال محمد بن كعب, إن الاَية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد, وهذا الذي قاله القرظي, حسن صحيح, وأما قوله {ويشهد الله على ما في قلبه} فقرأه ابن محيصن {ويشهد الله} بفتح الياء وضم الجلالة {على ما في قلبه} ومعناها أن هذا وإن أظهر لكم الحيل لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يعلم يشهد إن المنافقين لكاذبون} وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة, {يشهد الله على ما في قلبه} ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق كقوله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} الاَية, هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه, وهذا المعنى صحيح, وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد, والله أعلم.
وقوله {وهو ألد الخصام} الاَلد في اللغة الأعوج {وتنذر به قوماً لداً} أي عوجاً, وهكذا المنافق في حال خصومته, يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه, بل يفتري ويفجر, كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر». وقال البخاري: حدثنا قبيصة, حدثنا سفيان عن ابن جريج, عن ابن مليكة عن عائشة ترفعه, قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان, حدثنا ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله {وهو ألد الخصام} عن ابن جريج, عن ابن أبي مليكة, عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».
وقوله {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} أي هو أعوج المقال سيء الفعال, فذلك قوله وهذا فعله, كلامه كذب, واعتقاده فاسد, وأفعاله قبيحة, والسعي ـ ههنا ـ هو القصد, كما قال إخباراً عن فرعون {ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الاَخرة والأولى, إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة, فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون, وأتوها وعليكم السكينة والوقار» فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث, وهومحل نماء الزروع والثمار والنسل, وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما وقال مجاهد: إذا سعي في الأرض إفساداً, منع الله القطر فهلك الحرث والنسل {والله لا يحب الفساد} أي لا يحب من هذه صفته, ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} أي إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله, وقيل له اتق الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق, امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم, أي بسبب ما اشتمل عليه من الاَثام, وهذه الاَية شبيهة بقوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا, قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} ولهذا قال في هذه الاَية {فحسبه جهنم ولبئس المهاد} أي هي كافيته عقوبة في ذلك وقوله {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة, ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة, منعه الناس أن يهاجر بماله,وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل, فتخلص منهم وأعطاهم ماله, فأنزل الله فيه هذه الاَية, فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك ؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الاَية, ويروىَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له «ربح البيع صهيب» قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم, حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة, حدثنا سليمان بن داود, حدثنا جعفر بن سليمان الضبي, حدثنا عوف عن أبي عثمان النهدي عن صهيب, قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش يا صهيب قدمت إلينا, ولا مال لك وتخرج أنت ومالك والله لا يكون ذلك أبداً, فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني ؟ قالوا: نعم, فدفعت إليهم مالي, فخلوا عني, فخرجت حتى قدمت المدينة, فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال «ربح صهيب ربح صهيب» مرتين, وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب, قال: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش, فنزل عن راحلته وأنثل ما في كنانته, ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلاً, وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي, ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء, ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي, قالوا: نعم, فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال «ربح البيع» قال ونزلت {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد} وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله, فيقتلون ويقتلون, وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن, ومن أوفى بعهده من الله ؟ فاسبتشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس, فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما, وتلوا هذه الاَية {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}.


** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ * فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيّنَاتُ فَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه, والعمل بجميع أوامره, وترك جميع زواجره, ما استطاعوا من ذلك, قال العوفي, عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله {ادخلوا في السلم} يعني الإسلام. وقال الضحاك, عن ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس {ادخلوا في السلم} يعني الطاعة. وقال قتادة أيضاً: الموادعة. وقوله {كافة} قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك جميعاً, وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.
وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يسبتوا وأن يقوموا بالتوراة ليلاً, فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها, وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر, إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله {كافة} حالاً من الداخلين أي ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جداً ما استطاعوا منها, كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين, أخبرنا أحمد بن الصباح, أخبرني الهيثم بن يمان, حدثنا إسماعيل بن زكريا, حدثني محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} كذا قرأها بالنصب, يعني مؤمني أهل الكتاب, فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم, فقال الله {ادخلوا في السلم كافة} يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئاً وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها, وقوله {ولاتتبعوا خطوات الشيطان} أي اعملوا بالطاعات واجنتبوا ما يأمركم به الشيطان فـ {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}, و {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} ولهذا قال {إنه لكم عدوّ مبين} قال مطرف: أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان, وقوله: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} أي عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج, فاعلموا أن الله عزيز أي في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه, ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.


** هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ
يقول تعالى مهدداً للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والاَخرين, فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير, وإن شراً فشر, ولهذا قال تعالى: {وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} كما قال الله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملك صفاً صفاً * وجيء يومئذٍ بجهنم يومئذٍ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} وقال {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} الاَية. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ـ ههنا ـ حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم,وفيه: أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحداً واحداً من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم, فإذا جاؤوا إليه قال «أنا لها أنا لها» فيذهب فيسجد لله تحت العرش, ويشفع عند الله في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة, ثم الثانية, ثم الثالثة, إلى السابعة, وينزل حملة العرش والكروبيون, قال: وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة, ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت, سبحان ذي العزة والجبروت, سبحان الحي الذي لا يموت, سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت, سبوح قدوس رب الملائكة والروح, سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى, سبحان ذي السلطان والعظمة, سبحانه سبحانه أبداً أبداً, وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه ـ ههنا ـ أحاديث فيها غرابة, والله أعلم. فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة, عن مسروق, عنابن مسعود, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «يجمع الله الأولين والاَخرين لميقات يوم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء, وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا أبو بكر بن مقدم, حدثنا معتمر بن سليمان, سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} الاَية. قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب, منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب. قال: وحدثنا أبي, حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي, حدثنا الوليد. قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} قال: ظلل من الغمام منظوم من الياقوت, مكلل بالجوهر والزبرجد. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في ظلل من الغمام, قال: هو غير السحاب ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا, وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام, والله تعالى يجيء فيما يشاء, وهي في بعض القراءات {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام} وهي كقوله {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً}.


** سَلْ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * زُيّنَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ اتّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يقول تعالى مخبراً عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة أي حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به, كيده وعصاه وفلقه البحر وضرب الحجر, وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر, ومن إنزال المن والسلوى, وغير ذلك من الاَيات الدالات على وجود الفاعل المختار, وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه, ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله كفراً, أي استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب} كما قال تعالى إخباراً عن كفار قريش {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار} ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها, واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها, مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا, الذين أعرضوا عنها, وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم, وبذلوه ابتغاء وجه الله, فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم, فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم, فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين, وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين, ولهذا قال تعالى: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} أي يزرق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيراً جزيلاً بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والاَخرة, كما جاء في الحديث «ابن آدم أنفق أنفق عليك» وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً» وقال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} وفي الصحيح «أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً, ويقول الاَخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً» وفي الصحيح «يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت, وما لبست فابليت, وما تصدقت فأمضيت, وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «الدنيا دار من لا دار له, ومال من لا مال له, ولها يجمع من لا عقل له».


** كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا أبو داود, أخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون, كلهم على شريعة من الحق, فاختلفوا, فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين, قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا}. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار عن محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه, كذا روى أبو جعفر الرازي عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله {كان الناس أمة واحدة} قال: كانوا على الهدى جميعاً {فاختلفوا فبعث الله النبيين} فكان أول من بعث نوحاً. وهكذا قال مجاهد, كما قال ابن عباس أولاً. وقال العوفي عن ابن عباس {كان الناس أمة واحدة} يقول: كانوا كفاراً {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} والقول الأول عن ابن عباس أصح سنداً ومعنى, لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام, فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام, فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
ولهذا قال تعالى: {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعدما جاءتهم البينات بغياً بينهم} أي من بعد ما قامت الحجج عليهم, وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض {فهدى الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن سليمان الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة في قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} الاَية, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن الاَخرون الأولون يوم القيامة, نحن أول الناس دخولاً الجنة, بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم, فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه, فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له, فالناس لنا فيه تبع فغداً لليهود وبعد غد للنصارى» ثم رواه عبد الرزاق عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه, عن أبي هريرة. وقال ابن وهب, عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه في قوله {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} فاختلفوا في يوم الجمعة, فاتخذ اليهود يوم السبت, والنصارى يوم الأحد, فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى الله أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة, فمنهم من يركع ولا يسجد, ومنهم من يسجد ولا يركع, ومنهم من يصلي وهو يتكلم, ومنهم من يصلي وهو يمشي, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك, واختلفوا في الصيام, فمنهم من يصوم بعض النهار, ومنهم من يصوم عن بعض الطعام, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم عليه السلام, فقالت اليهود: كان يهودياً, وقالت: النصارى كان نصرانياً, وجعله الله حنيفاً مسلماً, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى عليه السلام, فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً, وجعلته النصارى إلهاً وولداً, وجعله الله روحه وكلمته, فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك, وقال الربيع بن أنس في قوله {فهدى الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} أي عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف, أقاموا على الإخلاص لله عز وجل وحده, وعبادته لا شريك له, وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون, أن رسلهم قد بلغوهم, وأنهم قد كذبوا رسلهم, وفي قراءة أبي بن كعب: وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكان أبو العالية يقول في هذه الاَية: المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.
وقوله {بإذنه} أي بعلمه بهم وبما هداهم له, قاله ابن جرير {والله يهدي من يشاء} أي من خلقه {إلى صراط مستقيم} أي وله الحكمة والحجة البالغة, وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» وفي الدعاء المأثور: «اللهم أرنا الحق حقاً, وارزقنا ابتاعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل, واجعلنا للمتقين إماماً».


** أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُم مّثَلُ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مّسّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتّىَ يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىَ نَصْرُ اللّهِ أَلآ إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ
يقول تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم, ولهذا قال {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء} وهي الأمراض والأسقام والاَلام والمصائب والنوائب. قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان {البأساء} الفقر {والضراء} السقم {وزلزلوا} خوفاً من الأعداء زلزالاً شديداً, وامتحنوا امتحاناً عظيماً, كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت, قال: قلنا: يا رسول الله, ألا تستنصر لنا, ألا تدعو الله لنا ؟ فقال: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه, ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه, لا يصرفه ذلك عن دينه» ثم قال «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت, لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه, ولكنكم قوم تستعجلون» وقال الله تعالى: {آلم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون, ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله تعالى عنهم في يوم الأحزاب, كما قال الله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} الاَيات. ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه ؟ قال: نعم. قال فكيف كانت الحرب بينكم ؟ قال سجالاً, يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. وقوله {مثل الذين خلوا من قبلكم} أي سنتهم كما قال تعالى: {فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومضى مثل الأولين} وقوله {وزلزلوا حتى يقول الرسل والذين آمنوا معه متى نصر الله} أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة, قال الله تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} كما قال {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها, ولهذا قال {ألا إن نصر الله قريب} وفي حديث أبي رزين «عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه, فينظر إليهم قنطين, فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب» الحديث.


** يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ
قال مقاتل بن حيان: هذه الاَية في نفقة التطوع. وقال السدي: نسختها الزكاة, وفيه نظر, ومعنى الاَية: يسألونك كيف ينفقون ؟ قاله ابن عباس ومجاهد فبين لهم تعالى ذلك, فقال {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} أي اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء الحديث «أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك» وتلا ميمون بن مهران هذه الاَية, ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلاً ولا مزماراً ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان. ثم قال تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} أي مهما صدر منكم من فعل معروف, فإن الله يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء, فإنه لا يظلم أحداً مثقال ذرة.


** كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام, وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أوقعد, فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين, وإذا استغيث أن يغيث, وإذا استنفر ان ينفر, وإن لم يحتج إليه قعد. (قلت) ولهذا ثبت في الصحيح «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو, مات ميتة جاهلية» وقال عليه السلام يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية, وإذا استنفرتم فانفروا» وقوله {وهو كره لكم} أي شديد عليكم ومشقة وهو كذلك, فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} أي لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. {وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم} وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئاً وليس له فيه خيرة ولا مصلحة, ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. ثم قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم, وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم, فاستجيبوا له وانقادوا لأمره, لعلكم ترشدون.


** يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي, حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه, حدثني الحضرمي عن أبي السوار, عن جندب بن عبد الله, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً, وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح, فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسه فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش, وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا, وقال «لا تكرهن أحداً على السير معك من أصحابك» فلما قرأ الكتاب استرجع, وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله, فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب, فرجع رجلان وبقي بقيتهم, فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه, ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى, فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام, فأنزل الله {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} الاَية, وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح, عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} الاَية, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية, وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي, وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل, وسهيل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب, وكتب لابن جحش كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه «أن سر حتى تنزل بطن نخلة» فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص, فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسار, فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة, أضلا راحلة لهما فتخلفا يطلبانها, سار ابن جحش إلى بطن نخلة, فإذا هو بالحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة, وانفلت وقتل عمرو, قتله واقد بن عبد الله, فكانت أولى غنيمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال, أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين عليه. وقالوا: إن محمداً يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب, فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى, وقتل في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى, وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب, وأنزل الله يعير أهل مكة {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} لا يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر من القتل عند الله.
وقال العوفي عن ابن عباس {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردوه عن المسجد في شهر حرام, قال: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل, فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام, فقال الله {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} من القتال فيه, وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث سرية, فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب, ولم يشعروا, فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه, وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك, فقال الله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه} إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, والشرك أشد منه, وهكذا روى أبو سعيد البقال عن عكرمة, عن ابن عباس, أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي, وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح, عن ابن عباس, وقال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} إلى آخر الاَية, وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة, عن زياد بن عبد الله البكائي, عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني رحمه الله, في كتاب السيرة له, إنه قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى, وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد, وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين, ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به, ولا يستكره من أصحابه أحداً, وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين, ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف, ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش, وهو أمير القوم, وعكاشة بن محصن أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم, ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم ومن بني زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص ومن بني كعب عدي بن عامر بن ربيعة, حليف لهم, من غير ابن وائل, وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع, أحد بني تميم حليف لهم, وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم, ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء, فلما سار عبد الله بن جحش يومين, فتح الكتاب فنظر فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي في هذا, فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم, فلما نظر عبد الله بن جحش الكتاب, قال: سمعاً وطاعة, ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم, أن امضي إلى نخلة أرصد بها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر, وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم, فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق, ومن كره ذلك فليرجع, فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد, فسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له نُجران, أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يتعقبانه فتخلفا عليه في طلبه, ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة, فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة قريش, فيها عمرو بن الحضرمي, واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصدف وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة, فلما رآهم القوم هابوهم, وقد نزلوا قريباً منهم, فأشرف لهم عكاشة بن محصن, وكان قد حلق رأسه, فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم, وتشاور القوم فيهم, وذلك في آخر يوم من رجب, فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم, فليمتنعن منكم, ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام, فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم, ثم شجعوا أنفسهم عليهم, وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم, فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله, واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان, وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم, وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس, وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم, فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير, وقسم سائرها بين أصحابه, قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير والأسيرين, وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً, فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, أسقط في أيدي القوم, وظنوا أنهم قد هلكوا, وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا, وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام, وسفكوا فيه الدم, وأخذوا فيه الأموال, وأسروا فيه الرجال¹ فقال من يرد عليه من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت اليهود: تفاءلوا بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله, عمرو عمرت الحرب, والحضرمي حضرت الحرب, وواقد بن عبد الله وقدت الحرب, فجعل الله عليهم ذلك لا لهم, فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام, فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به, وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله {أكبر عند الله} من قتل من قتلتم منهم {والفتنة أكبر من القتل} أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه, فذلك أكبر عند الله من القتل {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم عن استطاعوا} أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه, غير تائبين ولا نازعين, قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشدة, قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم العير والأسيرين, وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا» يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان, فإنا نخشاكم عليهما, فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم, فقدم سعد وعتبة, ففداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم, فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه, وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً, وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافراً, قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كان حين نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول الله, أنطمع ان تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عز وجل: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} فوضع الله من ذلك على أعظم الرجاء, قال ابن إسحاق, والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان, عن عروة, وقد روى يونس بن بكير, عن محمد بن إسحاق, عن يزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير قريباً من هذا السياق, وروى موسى بن عقبة, عن الزهري نفسه نحو ذلك, وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة بن الزبير نحواً من هذا أيضاً, وفيه فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين, فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة, فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل لله {يسألونك عن الشهر الحرام} الاَية, وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة, ثم قال ابن هشام, عن زياد, عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن عبد الله قسم الفيء بين أهله, فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه, وخمساً على الله ورسوله, فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير, قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون, وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون, وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون, قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن جحش, ويقال: بل عبد الله بن حجش قالها حين قالت



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 08:05 PM   #25
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال, قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش.
تعدون قتلا في الحرام عظيمةوأعظم منه لو يرى الرشد راشدصدودكم عما يقول محمدوكفر به والله راء وشاهدوإخراجكم من مسجد الله أهلهلئلا يرى لله في البيت ساجدفإنا وإن عيرتمونا بقتلهوأرجف بالإسلام باغ وحاسدسقينا من ابن الحضرمي رماحنابنخلة لما أوقد الحرب واقددما وابن عبد الله عثمان بينناينازعه غلّ من القيد عائد)



** يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيّنُ اللّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ * فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىَ قُلْ إِصْلاَحٌ لّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد, حدثنا إسرائيل عن أبي ميسرة, عن عمر أنه قال: لما أنزل تحريم الخمر, قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً, فنزلت هذه الاَية التي في البقرة {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} فدعي عمر, فقرئت عليه فقال. اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً, فنزلت الاَية التي في النساء {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران, فدعي عمر, فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً, فنزلت الاَية التي في المائدة, فدعي عمر, فقرئت عليه فلما بلغ {فهل أنتم منتهون ؟} قال عمر: انتهينا انتهينا. هكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل عن أبي إسحاق, وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري عن أبي إسحاق, عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي, عن عمر وليس له عنه سواه, لكن قد قال أبو زرعة: لم يسمع منه, والله أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صالح صحيح, وصححه الترمذي, وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله انتهينا, إنها تذهب المال وتذهب العقل, وسيأتي هذا الحديث أيضاً مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضاً عند قوله في سورة المائدة {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} الاَيات, فقوله {يسألونك عن الخمر والميسر} أما الخمر, فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كل ما خامر العقل, كما سيأتي بيانه في سورة المائدة, وكذا الميسر وهو القمار.
وقوله {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} أما إثمهما فهو في الدين, وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن وتهضيم الطعام وإخراج الفضلات وتشحيذ بعض الأذهان ولذة الشدة المطربة التي فيها, كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربها فتتركنا ملوكاًوأسداً لا ينهنهنا اللقاء

وكذا بيعها والانتفاع بثمنها, وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله, ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة, لتعلقها بالعقل والدين, ولهذا قال الله تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما}, ولهذا كانت هذه الاَية ممهدة لتحريم الخمر على البتات, ولم تكن مصرحة بل معرضة, ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً, حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} ويأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وبه الثقة, قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن هذه أول آية نزلت في الخمر {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير}, ثم نزلت الاَية التي في سورة النساء, ثم نزلت الاَية التي في المائدة فحرمت الخمر.
قوله {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} قرىء بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا أبان, حدثنا يحيى, أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالا: يا رسول الله, إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا فأنزل الله {يسألونك ماذا ينفقون} وقال الحكم عن مقسم عن ابن عباس {ويسألونك ماذ ينفقون قل العفو} قال: ما يفضل عن أهلك, كذا روي عن ابن عمر ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن أنس وغير واحد, أنهم قالوا في قوله {قل العفو} يعني الفضل, وعن طاوس: اليسير من كل شيء. وعن الربيع أيضاً: أفضل مالك وأطيبه والكل يرجع إلى الفضل. وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هوذة بن خليفة, عن عوف, عن الحسن, في الاَية {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} قال, ذلك ألا يجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس, ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير: حدثنا علي بن مسلم, حدثنا أبو عاصم عن ابن عجلان, عن المقبري, عن أبي هريرة, قال: قال رجل: يا رسول الله, عندي دينار, قال «أنفقه على نفسك» قال: عندي آخر, قال:«أنفقه على أهلك» قال: عندي آخر: قال «أنفقه على ولدك» قال: عندي آخر, قال «فأنت أبصر»¹ وقد رواه مسلم في صحيحه وأخرجه مسلم أيضاً عن جابر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل «ابدأ بنفسك فتصدق عليها, فإن فضل شيء فلأهلك, فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك, فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا». وعنده عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى, واليد العليا خير من اليد السفلى, وابدأ بمن تعول» وفي الحديث أيضاً «ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك, وإن تمسكه شر لك, ولا تلام على كفاف» ثم قد قيل إنها منسوخة بآية الزكاة, كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس, وقاله عطاء الخراساني والسدي, وقيل مبينة بآية الزكاة, قاله مجاهد وغيره, وهو أوجه.
وقوله {كذلك يبين الله لكم الاَيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والاَخرة} أي كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها كذلك يبين لكم سائر الاَيات في أحكامه ووعده ووعيده, لعلكم تتفكرون في الدنيا والاَخرة. قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: يعني في زوال الدنيا وفنائها, وإقبال الاَخرة وبقائها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن محمد الطنافسي, حدثنا أبو أسامة عن الصعق العيشي, قال: شهدت الحسن وقرأ هذه الاَية من البقرة {لعلكم تتفكرون في الدنيا والاَخرة} قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء, وليعلم أن الاَخرة دار جزاء ثم دار بقاء, وهكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما, وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: لتعلموا فضل الاَخرة على الدنيا. وفي رواية عن قتادة: فآثروا الاَخرة على الأولى.
وقوله {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم} الاَية, قال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع, حدثنا جرير عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما نزلت {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن} و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه, فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد, فاشتد ذلك عليهم, فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب به. وكذا رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس, وكذا رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح, عن ابن عباس, وعن مرة عن ابن مسعود بمثله, وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الاَية كمجاهد وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف, قال وكيع بن الجراح: حدثنا هشام صاحب الدستوائي, عن حماد, عن إبراهيم, قال: قالت عائشة رضي الله عنها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة, حتى أخلط طعامه بطعامي, وشرابه بشرابي, فقوله {قل إصلاح لهم خير} أي على حدة, {وإن تخالطوهم فإخوانكم} أي وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم, لأنهم إخوانكم في الدين, ولهذا قال {والله يعلم المفسد من المصلح} أي يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح, وقوله {ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم} أي ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم, ولكنه وسع عليكم, وخفف عنكم, وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن, قال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف, إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر, أو مجاناً كما سيأتي بيانه في سورة النساء, إن شاء الله وبه الثقة.


** وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتّىَ يُؤْمِنّ وَلأمَةٌ مّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتّىَ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيّنُ آيَاتِهِ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ
هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين, أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان, ثم إن كان عمومها مراداً, وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية, فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين} قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب, وهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول والحسن والضحاك وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وغيرهم. وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان, ولم يرد أهل الكتاب بالكلية, والمعنى قريب من الأول, والله أعلم. فأما ما رواه ابن جرير: حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني, حدثنا أبي, حدثني عبد الحميد بن بهرام الفزاري, حدثنا شهر بن حوشب, قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء, إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام. قال الله عز وجل: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} وقد نكح طلحة بن عبد الله يهودية, ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية, فغضب, عمر بن الخطاب غضباً شديداً حتى هم أن يسطو عليهما فقالا نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن, ولكني أنتزعهن منكم صغرة قمأة, فهو حديث غريب جداً, وهذا الأثر غريب عن عمر أيضاً, قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات, وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني. كما حدثنا أبو كريب, حدثنا ابن إدريس, حدثنا الصلت بن بهرام عن شقيق, قال: تزوج حذيفة يهودية, فكتب إليه عمر: خلّ سبيلها, فكتب إليه: أتزعم أنها حرام, فأخلي سبيلها ؟ فقال: لا أزعم أنها حرام, ولكني أخاف أن تعاطوا المؤمنات منهن, وهذا إسناد صحيح, وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل, عن وكيع, عن الصلت, نحوه, وقال ابن جرير: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي, حدثنا محمد بن بشر, حدثنا سفيان بن سعيد عن يزيد بن أبي زياد, عن زيد بن وهب, قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية, ولا يتزوج النصراني المسلمة, قال: وهذا أصح إسناداً من الأول, ثم قال: وقد حدثنا تميم بن المنتصر, أخبرنا إسحاق الأزرقي عن شريك, عن أشعث بن سوار, عن الحسن, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه, فالقول به لإجماع الجميع من الأمة عليه, كذا قال ابن جرير رحمه الله. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي, حدثنا وكيع عن جعفر بن برقان, عن ميمون بن مهران, عن ابن عمر, أنه كره نكاح أهل الكتاب, وتأول {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ}. وقال البخاري: وقال ابن عمر: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول: ربها عيسى, وقال أبو بكر الخلال الحنبلي: حدثنا محمد بن هارون, حدثنا إسحاق بن إبراهيم وأخبرني محمد بن علي, حدثنا صالح بن أحمد, أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ} قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام. وقوله {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة, كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها, ثم فزع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهما, فقال له «ماهي ؟» قال: تصوم وتصلي, وتحسن الوضوء, وتشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله, فقال «يا أبا عبد الله هذه مؤمنة». فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها, ففعل, فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمته وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين, وينكحوهم رغبة في أحسابهم, فأنزل الله {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم * ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} وقال عبد بن حميد: حدثنا جعفر بن زياد الإفريقي عن عبد الله بن يزيد, عن عبد الله بن عمرو, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن, ولا تنكحوهن عن أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن, وأنكحوهن على الدين, فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل» والإفريقي ضعيف, وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها, فاظفر بذات الدين, تربت يداك» ولمسلم عن جابر مثله, وله عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الدنيا متاع, وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» وقوله {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} أي لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات, كما قال تعالى: {لا هن حلّ لهم, ولا هم يحلون لهن} ثم قال تعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} أي ولرجل مؤمن ـ ولو كان عبداً حبشياً ـ خير من مشرك, وإن كان رئيساً سرياً {أولئك يدعون إلى النار} أي معاشرتهم ومخالطتهم, تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الاَخرة, وعاقبة ذلك وخيمة {والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه} أي بشرعه وما أمر به وما نهى عنه {ويبين الله آياته للناس لعلهم يتذكرون}.


** وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنّىَ شِئْتُمْ وَقَدّمُواْ لأنْفُسِكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوَاْ أَنّكُمْ مّلاَقُوهُ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت, عن أنس, أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله عز وجل {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} حتى فرغ من الاَية, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً, إلا خالفنا فيه, فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر, فقالا: يا رسول الله, إن اليهود قالت: كذا وكذا, أفلا نجامعهن ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما, فخرجا فاستقبلنهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما, رواه مسلم من حديث حماد بن زيد بن سلمة, فقوله {فاعتزلوا النساء في المحيض} يعني الفرج, لقوله «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم, إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج, قال أبو داود أيضاً: حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد عن أيوب, عن عكرمة, عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, كان إذا أراد من الحائض شيئاً يلقي على فرجها ثوباً, وقال أبو داود أيضاً: حدثنا القعنبي, حدثنا عبد الله يعني ابن عمر بن غانم, عن عبد الرحمن يعني ابن زياد, عن عمارة بن غراب أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة قال: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد, قالت: أخبرك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم, دخل فمضى إلى مسجده, قال أبو داود: تعني مسجد بيتها فما انصرف حتى غلبتني عيني فأوجعه البرد فقال «ادني مني» فقلت: إني حائض, فقال «اكشفي عن فخذيك» فكشفتُ فخذي, فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفىء ونام صلى الله عليه وسلم, وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا عبد الوهاب, حدثنا أيوب عن كتاب أبي قلابة, أن مسروقاً ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهله, فقالت عائشة: مرحباً مرحباً, فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي, فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني, فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض ؟ فقالت له: كل شيء إلا فرجها. ورواه أيضاً عن حميد بن مسعدة, عن يزيد بن زريع, عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن, عن مروان الأصفر, عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً ؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. وهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة, وروى ابن جرير أيضاً عن أبي كريب عن ابن أبي زائدة, عن حجاج, عن ميمون بن مهران, عن عائشة, قالت له: ما فوق الإزار. (قلت) ويحل مضاجعتها ومواكلتها بلا خلاف, قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض, وكان يتكىء في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن. وفي الصحيح عنها, قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم, فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه, وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه, وقال أبو داود: حدثنا مسدد, حدثنا يحيى عن جابر بن صبح, سمعت خلاساً الهجري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعار الواحد وأنا حائض طامث, فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يعده وإن أصابه ـ يعني ثوبه ـ شيء غسل مكانه لم يعده وصلى فيه, فأما ما رواه أبو داود حدثنا سعيد بن الجبار, حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد, عن أبي اليمان, عن أم ذرة, عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير, فلم نقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندن منه حتى نطهر, فهو محمول على التنزه والاحتياط. وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار, كما ثبت في الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض, وهذا لفظ البخاري, ولهما عن عائشة نحوه, وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث العلاء, عن حزام بن حكيم, عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال: ما فوق الإزار. ولأبي داود أيضاً عن معاذ بن جبل, قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال: ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل» وهو رواية عن عائشة كما تقدم وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح. فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل ما فوق الإزار منها, وهو أحد القولين في مذهب الشافعي رحمه الله, الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم, ومأخذهم أنه حريم الفرج فهو حرام لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله عز وجل الذي أجمع العلماء على تحريمه وهو المباشرة في الفرج, ثم من فعل ذلك فقد أثم, فيستغفر الله ويتوب إليه, وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا ؟ فيه قولان: (أحدهما) نعم, لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض, يتصدق بدينار أو نصف دينار, وفي لفظ للترمذي «إذا كان دماً أحمر فدينار, وإن كان دماً أصفر فنصف دينار» وللإمام أحمد أيضاً عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, جعل في الحائض تصاب ديناراً, فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل, فنصف دينار. (والقول الثاني) وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في ذلك, بل يستغفر الله عز وجل لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث, فإنه قد روي مرفوعاً كما تقدم, وموقوفاً وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث, فقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} تفسير قوله {فاعتزلوا النساء في المحيض} ونهى عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجوداً, ومفهومه حله إذا انقطع. قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث} الاَية, الطهر يدل على أن يقربها, فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتزرت ودخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعاره, دل ذلك على أنه إنما أراد الجماع.
وقوله {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} وليس له في ذلك مستند, لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول منهم من يقول إنه على الوجوب كالمطلق, هؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم, ومنهم من يقول: إنه للإباحة, ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له من الوجوب, وفيه نظر, والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي, فإن كان واجباً, فواجب كقوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} أو مباحاً فمباح كقوله {وإذا حللتم فاصطادوا} {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} وعلى هذا القول تجتمع الأدلة, وقد حكاه الغزالي وغيره, فاختاره بعض أئمة المتأخرين وهو الصحيح, وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه, إلا أن أبا حنيفة رحمه الله يقول, فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده: أنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل, والله أعلم, وقال ابن عباس {حتى يطهرن} أي من الدم {فإذا تطهرن} أي بالماء, وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن ومقاتل بن حيان والليث بن سعد وغيرهم.
وقوله {من حيث أمركم الله} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني الفرج. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {فأتوهن من حيث أمركم الله} يقول: في الفرج ولا تعدوه إلى غيره, فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة {من حيث أمركم الله} أي تعتزلوهن, وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر, كما سيأتي تقريره قريباً إن شاء الله تعالى. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد {فأتوهن من حيث أمركم الله} يعني طاهرات غير حيّض, ولهذا قال {إن الله يحب التوابين} أي من الذنب وإن تكرر غشيانه {ويحب المتطهرين} أي المتنزهين عن الأقذار والأذى, وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتى.
وقوله {نساؤكم حرث لكم} قال ابن عباس: الحرث موضع الولد {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي كيف شئتم, قال: سمعت جابراً قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول, فنزلت {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} ورواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان الثوري به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, أخبرني مالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري: أن محمد بن المنكدر حدثهم: أن جابر بن عبد الله أخبره أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج» وفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري, عن أبيه, عن جده, أنه قال: يا رسول الله, نساؤنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال «حرثك ائت حرثك أنى شئت, غير أن لا تضرب الوجه, ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت» الحديث, رواه أحمد وأهل السنن.
(حديث آخر) ـ قال ابن أبي حاتم حدثنا يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب, عن عامر بن يحيى, عن حنش بن عبد الله, عن عبد الله بن عباس, قال: أتى ناس من حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسألوه عن أشياء, فقال له رجل: إني أحب النساء فكيف ترى في ؟ فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} ورواه الإمام أحمد, حدثنا يحيى بن غيلان, حدثنا رشدين, حدثني الحسن بن ثوبان عن عامر بن يحيى المغافري عن حنش, عن ابن عباس, قال: أنزلت هذه الاَية {نساؤكم حرث لكم} في أناس من الأنصار أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ائتها على كل حال إذا كان في الفرج».
(حديث آخر) ـ قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى, حدثنا يعقوب بن كاسب, حدثنا عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخدري, أن رجلاً أصاب امرأة في دبرها, فأنكر الناس عليه ذلك, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم} الاَية, ورواه ابن جرير عن يونس, عن يعقوب, ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن الحارث بن شريح, عن عبد الله بن نافع به.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا وهيب, حدثنا عبيد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الله بن سابط, قال: دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر, فقلت: إني لسائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك, قالت: فلا تستحي يا ابن أخي, قال: عن إتيان النساء في أدبارهن ؟ قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا يحبون النساء وكانت اليهود تقول: إنه من أحبى امرأته, كان ولده أحول, فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فأحبوهن, فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك, فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, استحت الأنصارية أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فخرجت فسألته أم سلمة, فقال: ادعي «الأنصارية» فدعتها, فتلا عليها هذه الاَية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} «صماماً واحداً». ورواه الترمذي عن بندار, عن ابن مهدي, عن سفيان, عن أبي خثيم به, وقال حسن. (قلت) وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة عن أبيه, عن ابن خثيم, عن يوسف بن ماهك, عن حفصة أم المؤمنين ان امرأة أتتها, فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة فكرهته, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال «لا بأس إذا كان في صمام واحد».
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا يعقوب يعني القمي, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله هلكت, قال ما الذي أهلكك ؟ قال: حولت رحلي البارحة, قال, فلم يرد عليه شيئاً. قال: فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاَية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} «أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة». ورواه الترمذي عن عبد بن حميد, عن حسن بن موسى الأشيب به, وقال: حسن غريب. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن شريح, حدثنا عبد الله بن نافع, حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد, قال: أثفر رجل امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أثفر فلان امرأته, فأنزل الله عز وجل: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ, قال: حدثني محمد يعني ابن سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن أبان بن صالح, عن مجاهد عن ابن عباس, قال: إن ابن عمر قال ـ والله يغفر له ـ أوهم وإنما كان الحي من الأنصار, وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود, وهم أهل كتاب, وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم, فكانوا يقتدون كثيراً من فعلهم, وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة, فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم, وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً, ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات, فلما قدم المهاجرون المدينة, تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار, فذهب يصنع بها ذلك, فأنكرته عليه, وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف, فأصنع ذلك, وإلا فاجتنبني, فسرى أمرهما فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضوع الولد, تفرد به أبو داود, ويشهد له بالصحة ما تقدم له من الأحاديث ولا سيما رواية أم سلمة, فإنها مشابهة لهذا السياق, وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني من طريق محمد بن إسحاق, عن أبان بن صالح, عن مجاهد, قال, عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته, أوقفه عند كل آية منه, وأسأله عنها, حتى انتهيت إلى هذه الاَية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهن, فذكر القصة بتمام سياقها, وقول ابن عباس إن ابن عمر ـ والله يغفر له ـ أوهم, كأنه يشير إلى ما رواه البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا النضر بن شميل, أخبرنا ابن عون عن نافع, قال, كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه, فأخذت عنه يوماً فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت ؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا, ثم مضى, وعن عبد الصمد قال, حدثني أبي, حدثنا أيوب عن نافع, عن ابن عمر {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: أن يأتيها في... هكذا رواه البخاري, وقد تفرد به من هذا الوجه. وقال ابن جرير, حدثني يعقوب, حدثنا ابن عون عن نافع, قال قرأت ذات يوم {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال ابن عمر أتدري فيم نزلت ؟ قلت: لا. قال: نزلت في إيتان النساء في أدبارهن. وحدثني أبو قلابة. حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث, حدثني أبي عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: في الدبر. وروي من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر ولا يصح. وروى النسائي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, عن أبي بكر بن أبي أويس, عن سليمان بن بلال, عن زيد بن أسلم, عن ابن عمر, أن رجلاً أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. قال أبو حاتم الرازي, لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر, لما أولع الناس بنافع, وهذا تعليل منه لهذا الحديث. وقد رواه عبد الله بن نافع عن داود بن قيس, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن ابن عمر, فذكره, وهذا الحديث محمول على ما تقدم وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها, لما رواه النسائي عن علي بن عثمان النفيلي عن سعيد بن عيسى, عن الفضل بن فضالة عن عبد الله بن سليمان الطويل, عن كعب بن علقمة, عن أبي النضر, أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر, أنه قد أكثر عليك القول, أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن, قال: كذبوا عليّ, ولكن سأحدثك كيف كان الأمر, إن ابن عمر عرض المصحف يوماً وأنا عنده حتى بلغ {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال: يا نافع, هل تعلم من أمر هذه الاَية ؟ قلت: لا. قال, إنا كنا معشر قريش نجبي النساء, فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردن منها مثل ما كنا نريد, فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} وهذا إسناد صحيح, وقد رواه ابن مردويه عن الطبراني, عن الحسين بن إسحاق, عن زكريا بن يحيى الكاتب العمري, عن مفضل بن فضالة, عن عبد الله بن عياش, عن كعب بن علقمة, فذكره, وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحاً, وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي, وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم, وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب السر, وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك رحمه الله. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه, فقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش عن سهيل بن أبي صالح, عن محمد بن المنكدر, عن جابر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «استحيوا إن الله لا يستحي من الحق, لا يحل أن تأتوا النساء في حشوشهن». وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن, حدثنا سفيان عن عبد الله بن شداد, عن خزيمة بن ثابت, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها.
(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا يعقوب, سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد, أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه أن عبد الله الواقفي, حدثه أن خزيمة بن ثابت الخطمي, حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «استحيوا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن» رواه النسائي وابن ماجه من طريق عن خزيمة بن ثابت وفي إسناده اختلاف كثير.
(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي والنسائي: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان, عن مخرمة بن سليمان عن كريب, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب, وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه, وصححه ابن حزم أيضاً, ولكن رواه النسائي أيضاً عن هناد, عن وكيع, عن الضحاك به موقوفاً. وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن ابن طاوس, عن أبيه, أن رجلاً سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها, قال: تسألني عن الكفر, إسناده صحيح, وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك عن معمر به نحوه, وقال عبد أيضاً في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحاكم عن أبيه عن عكرمة, قال, جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها, وسمعت قول الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فظننت أن ذلك لي حلال, فقال: يا لكع إنما قوله: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن لا تعدوا ذلك إلى غيره.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا قتادة عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى» وقال عبد الله بن أحمد: حدثني هدبة, حدثنا همام, قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها, فقال قتادة: أخبرنا عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده, أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «هي اللوطية الصغرى». قال قتادة: وحدثني عقبة بن سعيد القطان عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن أبي أيوب, عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله, وهذا أصح, والله أعلم. وكذلك رواه عبد بن حميد عن يزيد بن هارون, عن حميد الأعرج, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن عبد الله بن عمرو موقوفاً من قوله.
(طريق أخرى) قال جعفر الفريابي: حدثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم, عن أبي عبد الرحمن الحبلي, عن عبد الله بن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة, ولا يزكيهم, ويقول ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل, والمفعول به, والناكح يده, وناكح البهيمة, وناكح المرأة في دبرها, وجامع بين المرأة وابنتها, والزاني بحليلة جاره, ومؤذي جاره حتى يلعنه» ابن لهيعة وشيخه ضعيفان.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا سفيان عن عاصم, عن عيسى بن حطان, عن مسلم بن سلام, عن علي بن طلق, قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤتى النساء في أدبارهن, فإن الله لا يستحي من الحق, وأخرجه أحمد أيضاً عن أبي معاوية وأبي عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضاً, عن عاصم الأحول به, وفيه زيادة, وقال: هو حديث حسن, ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل, والصحيح أنه علي بن طلق.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح, عن الحارث بن مخلد, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه». وقال أحمد أيضاً حدثنا عفان, حدثنا وهيب, حدثنا سهيل عن الحارث بن مخلد, عن أبي هريرة يرفعه, قال «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها», وكذا رواه ابن ماجه من طريق سهيل وقال أحمد أيضاً: حدثنا وكيع عن سهيل بن أبي صالح. عن الحارث بن مخلد, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ملعون من أتى امرأته في دبرها», وهكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق وكيع به.
(طريق أخرى) قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: أخبرنا أحمد بن القاسم بن الريان, حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي, حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل واللفظ له, قالا: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ملعون من أتى امرأة في دبرها» ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي, وإنما الذي فيه عن سهيل عن الحارث بن مخلد كما تقدم, قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند, وهم منه وقد ضعفوه.
(طريق أخرى) ـ رواها مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ملعون من أتى النساء في أدبارهن» ومسلم بن خالد فيه كلام, والله أعلم.
(طريق أخرى) ـ رواها الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم, عن أبي تميمة الهجيمي, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه, فقد كفر بما أنزل على محمد» وقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث, والذي قاله البخاري في حديثالترمذي عن أبي تيمية: لا يتابع على حديثه.
(طريق أخرى) ـ قال النسائي: حدثنا عثمان بن عبد الله, حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه عن عبد الملك بن محمد الصنعاني, عن سعيد بن عبد العزيز, عن الزهري, عن أبي سلمة رضي الله عنه, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «استحيوا من الله حق الحياء لا تأتوا النساء في أدبارهن» تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري ومن حديث أبي سلمة ومن حديث سعيد فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد, فإنما سمعه بعد الاختلاف, وقد رواه الترمذي عن أبي سلمة أنه كان ينهي عن ذلك, فأما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم, فلا, انتهى كلامه, وقد أجاد وأحسن الانتقاد, إلا أن عبد الملك بن محمد الصنعاني لا يعرف أنه اختلط, ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة عن الكناني وهو ثقة, ولكن تكلم فيه دحيم وأبو حاتم وابن حبان, وقال: لا يجوز الاحتجاج به, والله أعلم. وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد عن سعيد بن عبد العزيز. وروي من طريقين آخرين عن أبي سلمة, ولا يصح منها كل شيء.
(طريق أخرى) ـ قال النسائي: حدثنا إسحاق بن منصور, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, عن سفيان الثوري, عن ليث بن أبي سليم, عن مجاهد, عن أبي هريرة, قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهن كفر, ثم رواه النسائي من طريق الثوري عن ليث, عن مجاهد, عن أبي هريرة مرفوعاً, وكذا رواه من طريق علي بن نديمة عن مجاهد, عن أبي هريرة موقوفاً, ورواه بكر بن خنيس عن ليث, عن مجاهد, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «من أتى شيئاً من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر» والموقف أصح, وبكر بن خنيس ضعفه غير واحد من الأئمة, وتركه آخرون.
(حديث آخر) ـ قال محمد بن أبان البلخي: حدثنا وكيع, حدثني زمعة بن صالح عن ابن طاوس, عن أبيه, وعن عمرو بن دينار, عن عبيد الله بن يزيد بن الهاد, قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله لا يستحي من الحق, لا تأتوا النساء في أدبارهن» وقد رواه النسائي, حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني عن عثمان بن اليمان عن زمعة بن صالح, عن ابن طاوس عن أبيه, عن ابن الهاد, عن عمر, قال: لا تأتوا النساء في أدبارهن وحدثنا إسحاق بن إبراهيم, حدثنا يزيد بن أبي حكيم عن زمعة بن صالح, عن عمرو بن دينار, عن طاوس, عن عبد الله بن الهاد الليثي, قال: قال عمر رضي الله عنه: استحيوا من الله فإن الله لا يستحي من الحق, لا تأتوا النساء في أدبارهن, والموقوف أصح.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا غندر ومعاذ بن معاذ, قالا: حدثنا شعبة عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان, عن مسلم بن سلام, عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله لا يستحي من الحق, لا تأتوا النساء في أستاههن» وكذا رواه غير واحد عن شعبة, ورواه عبد الرزاق عن معمر, عن عاصم الأحول, عن عيسى بن حطان, عن مسلم بن سلام, عن طلق بن علي, والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم, والله أعلم.
(حديث آخر) ـ قال أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا أبو مسلم الحرمي, حدثنا أخو أنيس بن إبراهيم, أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره عن أبيه أبي القعقاع, عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «محاش النساء حرام» وقد رواه إسماعيل بن عليه وسفيان الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي عبد الله الشقري واسمه سلمة بن تمام ثقة, عن أبي القعقاع عن ابن مسعود موقوفاً وهو أصح.
(طريق أخرى) ـ قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي, حدثنا سعيد بن يحيى الثوري, حدثنا محمد بن حمزة, عن زيد بن رفيع, عن أبي عبيدة, عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تأتوا النساء في أعجازهن» محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال. وقد روي من حديث أبي بن كعب والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وأبي ذر وغيرهم, وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث, والله أعلم. وقال الثوري, عن الصلت بن بهرام, عن أبي المعتمر, عن أبي جويرية, قال: سأل رجل علياً عن إتيان المرأة في دبرها, فقال: سفلت, سفل الله بك, ألم تسمع قول الله عز وجل: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين}. وقد تقدم قول ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه يحرمه. قال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح, حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب, عن سعيد بن يسار أبي الحباب, قال: قلت: لابن عمر: ما تقول في الجواري أيحمض لهن ؟ قال: وما التحميض ؟ فذكر الدبر, فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين ؟ وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث به وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك. فكل ما ورد عنه مما يحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم. قال ابن جرير: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم, حدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي العمر, حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس, أنه قيل له: يا أبا عبد الله, إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج علي أبي عبد الله قال مالك أشهد علىَ يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال له يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن ؟ فقال وما التحميض ؟ فذكر له الدبر, فقال: ابن عمر: أف أف! وهل يفعل ذلك مؤمن, أو قال مسلم ؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع. وروى النسائي عن الربيع بن سليمان, عن أصبغ بن الفرج الفقيه, حدثنا عبد الرحمن بن القاسم, قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن ؟ قال: وما التحميض ؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن فقال أف أف أو يعمل هذا مسلم فقال لي مالك فأشهد على سعيد بن يسار, أنه سأل ابن عمر, فقال: لا بأس به. وروى النسائي أيضاً من طريق يزيد بن رومان, عن عبيد الله بن عبد الله: أن ابن عمر كان لا يرى بأساً أن يأتي الرجل المرأة في دبرها. وروى معمر بن عيسى عن مالك أن ذلك حرام. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حسين, حدثني إسرائيل بن روح, سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن ؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب, هل يكون الحرث إلا موضع الزرع, لا تعدوا الفرج, قلت: يا أبا عبد الله, إنهم يقولون إنك تقول ذلك. قال: يكذبون علي يكذبون علي, فهذا هو الثابت عنه, وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة, وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعكرمة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف, أنهم أنكروا ذلك أشد الأنكار, ومنهم من يطلق على فعله الكفر وهو مذهب جمهور العلماء, وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة حتى حكوه عن الإمام مالك, وفي صحته نظر, قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم, قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك أنه حلال, يعني وطء المرأة في دبرها, ثم قرأ {نساؤكم حرث لكم} ثم قال: فأي شيء أبين من هذا ؟ هذه حكاية الطحاوي, وقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك, ولكن في الأسانيد ضعف شديد, وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك, والله أعلم. وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي عن أبي العباس الأصم سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول, فذكره, قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله لا إله إلا هو, لقد كذب ـ يعني ابن عبد الحكم ـ على الشافعي في ذلك, لأن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه, والله أعلم.
وقوله {وقدموا لأنفسكم} أي من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات, ولهذا قال {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} أي فيحاسبكم على أعمالكم جميعها {وبشر المؤمنين} أي المطيعين الله فيما أمرهم, التاركين ما عنه زجرهم. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثني محمد بن عبد الله بن واقد, عن عطاء, قال: أراه عن ابن عباس {وقدموا لأنفسكم} قال: تقول باسم الله التسمية عند الجماع, وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله, قال: باسم الله, اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا, فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك, لن يضره الشيطان أبداً».


** وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَن تَبَرّواْ وَتَتّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * لاّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِالّلغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَـَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها, كقوله تعالى: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يعفر الله لكم} فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير, كما قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم, أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن همام بن منبه, قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «نحن الاَخرون السابقون يوم القيامة» وقال رسول صلى الله عليه وسلم «والله لأن يلجّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه» وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به, ورواه أحمد عنه به, ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور, حدثنا يحيى بن صالح, حدثنا معاوية هو ابن سلام, عن يحيى وهو ابن أبي كثير, عن عكرمة عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من استلجّ في أهله بيمين فهو أعظم إثماً, ليس تغني الكفارة» وقال علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} قال: لا تجعلن عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير, ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير, وكذا قال مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهري والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي رحمهم الله, ويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني والله إن شاء الله, لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» وثبت فيهما أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال لعبد الرحمن بن سمرة «يا عبد الرحمن بن سمرة, لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها, وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها, إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير, وكفر عن يمينك» وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه, وليفعل الذي هو خير» وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم, حدثنا خليفة بن خياط, حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها, فتركها كفارتها» ورواه أبو داود من طريق أبي عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ولا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم, ولا في معصية الله, ولا في قطيعة رحم, ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليدعها وليأت الذي هو خير, فإن تركها كفارتها» ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها «فليكفر عن يمينه» وهي الصحاح.
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سعيد الكندي, حدثنا علي بن مسهر عن حارثة بن محمد, عن عمرة, عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حلف على يمين قطيعة رحم ومعصية فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه» وهذا حديث ضعيف, ثم روى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ومسروق والشعبي أنهم قالوا: لا يمين في معصية ولا كفارة عليها.
وقوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} أي لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية, وهي التي لا يقصدها الحالف بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد, كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى, فليقل لا إله إلا الله» فهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية, قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد, فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد لتكون هذه بهذه, ولهذا قال تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} الاَية, وفي الاَية الأخرى {بما عقدتم الأيمان}. قال أبوداود (باب لغو اليمين) حدثنا حميد بن مسعدة الشامي, حدثنا حيان يعني ابن إبراهيم, حدثنا إبراهيم يعني الصائغ, عن عطاء: في اللغو في اليمين, قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا والله, وبلى والله» ثم قال أبو داود: رواه دواد بن الفرات عن إبراهيم الصائغ, عن عطاء عن عائشة موقوفاً, ورواه الزهري وعبد الملك ومالك بن مغول كلهم عن عطاء عن عائشة موقوفاً أيضاً. (قلت) وكذا رواه ابن جريج وابن ليلى عن عطاء عن عائشة موقوفاً, ورواه ابن جرير عن هناد عن وكيع وعبدة وأبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} لا والله وبلى والله, ثم رواه عن محمد بن حميد عن سلمة, عن ابن إسحاق, عن هشام, عن أبيه عنها, وبه عن ابن إسحاق عن الزهري عن القاسم عنها, وبه عن سلمة عن ابن أبي نجيح عن عطاء عنها, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة في قوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} قالت: هم القوم يتدارؤون في الأمر, فيقول هذا: لا والله, بلى والله, وكلا والله, يتدارؤون في الأمرلا تعقد عليه قلوبهم, وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني, حدثنا عبدة يعني ابن سليمان, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة في قول الله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} قالت: هو قول الرجل: لا والله, وبلى والله. وحدثنا أبي, حدثنا أبو صالح كاتب الليث, حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة, قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل, وهو قول الرجل: لا والله, وبلى والله, فذاك لا كفارة فيه, إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله, ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وابن عباس في أحد قوليه, والشعبي وعكرمة في أحد قوليه, وعروة بن الزبير وأبي صالح والضحاك في أحد قوليه, وأبي قلابة والزهري نحو ذلك. (الوجه الثاني) قرىء على يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, أخبرني الثقة عن ابن شهاب عن عروة, عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الاَية, يعني قوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} وتقول: هو الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه, ثم قال: وروي عن أبي هريرة وابن عباس في أحد قوليه, وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد في أحد قوليه, وإبراهيم النخعي في أحد قوليه, والحسن وزرارة بن أوفى وأبي مالك وعطاء الخراساني وبكر بن عبد الله, وأحد قولي عكرمة وحبيب بن أبي ثابت والسدي ومكحول ومقاتل وطاوس وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن سعيد وربيع نحو ذلك. وقال ابن جرير حدثنا محمد بن موسى الحرشي, حدثنا عبد الله بن ميمون المرادي, حدثنا عوف الأعرابي عن الحسن بن أبي الحسن قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون, يعني يرمون, ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه, فقام رجل من القوم فقال: أصبت والله, وأخطأت والله, فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم للنبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله, قال «كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» هذا مرسل حسن عن الحسن. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعاً, حدثنا عصام بن رواد, أنبأنا آدم, حدثنا شيبان عن جابر, عن عطاء بن أبي رباح, عن عائشة, قالت: هو قوله: لا والله, وبلى والله, وهو يرى أنه صادق ولا يكون كذلك. (أقوال أخر) ـ قال عبد الرزاق, عن هشيم عن مغيرة, عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه. وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا, أخرجني الله من مالي إن لم آتك غداً, فهو هذا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا مسدد بن خالد, حدثنا خالد, حدثنا عطاء عن طاوس, عن ابن عباس, قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وأخبرني أبي: حدثنا أبو الجماهر, حدثنا سعيد بن بشير, حدثني أبو بشر عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك فذلك ما ليس عليك فيه كفارة, وكذا روي عن سعيد بن جبير. وقال أبو داود (باب اليمين في الغضب) حدثنا محمد بن المنهال, أنبأنا يزيد بن زريع, حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب, عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث, فسأل أحدهما صاحبه القسمة, فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل ما لي في رتاج الكعبة, فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك, كفر عن يمينك, وكلم أخاك, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل, ولا في قطيعة الرحم, ولا فيما لا تملك». وقوله {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب, قال مجاهد وغيره, وهي كقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} الاَية. {والله غفور حليم} أي غفور لعباده حليم عليهم.


** لّلّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَآئِهِمْ تَرَبّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطّلاَقَ فَإِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
الإيلاء الحلف, فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة, فلا يخلو إما أن يكون أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها, فإن كانت أقل, فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته, وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة, وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, آلى من نسائه شهراً فنزل لتسع وعشرين, وقال «الشهر تسع وعشرون» ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه, فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر, إما أن يفيء أي يجامع, وإما أن يطلق فيجبره الحاكم على هذا, وهذا لئلا يضر بها, ولهذا قال تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} أي يحلفون على ترك الجماع عن نسائهم, فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور {تربص أربعة أشهر} أي ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف, ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق, ولهذا قال {فإن فاءوا} أي رجعوا إلى ما كانوا عليه وهو كناية عن الجماع, قاله ابن عباس ومسروق والشعبي وسعيد بن جبير وغير واحد ومنهم ابن جرير رحمه الله {فإن الله غفور رحيم} لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين, قوله {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} فيه دلالة لأحد قولي العلماء, وهو القديم عن الشافعي أن المولى إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه, ويعتضد بما تقدم في الحديث عند الاَية التي قبلها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراُ منها, فتركها كفارتها» كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي, والذي عليه الجمهور وهو الجديد من مذهب الشافعي أن عليه التكفير لعموم وجوب التكفير على كل حالف, كما تقدم أيضاً في الأحاديث الصحاح, والله أعلم.
وقوله {وإن عزموا الطلاق} فيه دلالة على أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر, كقول الجمهور من المتأخرين, وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي أربعة أشهر تطليقة, وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت, وبه يقول ابن سيرين ومسروق والقاسم وسالم والحسن وأبو سلمة وقتادة وشريح القاضي وقبيصة بن ذؤيب وعطاء وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن طرخان التيمي وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس والسدي, ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية, قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومكحول وربيعة والزهري ومروان بن الحكم, وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة, روي عن علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت, وبه يقول عطاء وجابر بن زيد ومسروق وعكرمة والحسن وابن سيرين ومحمد بن الحنفية وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب وأبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح, فكل من قال: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عيها العدة, إلا ما روي عن ابن عباس وأبي الشعثاء: أنها إن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدة عليها, وهو قول الشافعي, والذي عليه الجمهور من المتأخرين أن يوقف فيطالب إما بهذا وإما بهذا ولا يقع عليها بمجرد مضيها طلاق, وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف, فإما أن يطلق وإما أن يفيء, وأخرجه البخاري. وقال الشافعي رحمه الله: أخبرنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد, عن سليمان بن يسار, قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يوقف المولى, قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر, ورواه الشافعي عن علي رضي الله عنه أنه يوقف المولى, ثم قال: وهكذا نقول, وهو موافق لما رويناه عن عمر وابن عمر وعائشة وعثمان وزيد بن ثابت وبضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, هكذا قال الشافعي رحمه الله. قال ابن جرير: حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا يحيى بن أيوب, عن عبيد الله بن عمر, عن سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, قال: سألت اثني عشر رجلاً من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته, فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة أشهر فيوقف, فإن فاء وإلا طلق, ورواه الدارقطني من طريق سهيل. (قلت) وهو يروى عن عمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة أم المؤمنين وابن عمر وابن عباس, وبه يقول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وطاوس ومحمد بن كعب والقاسم, وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم رحمهم الله, وهو اختيار ابن جرير أيضاً, وهو قول الليث وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور وداود, وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفىء ألزم بالطلاق, فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم, والطلقة تكون رجعية, لها رجعتها في العدة, وانفرد مالك بأن قال, لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة وهذا غريب جداً.
قد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر, الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ, عن عبد الله بن دينار, قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل, فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبهوأرقني أن لا خليل ألا عبهفو الله لولا الله أني أراقبهلحرك من هذا السرير جوانبه

فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المراة عن زوجها ؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر, فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك وقال محمد بن إسحاق, عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, قال: ما زلت أسمع حديث عمرأنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة, وكان يفعل ذلك كثيراً إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها, تقول:
تطاول هذا الليل وازور جانبهوأرّقني أن لا ضجيع ألا عبه) ألا عبه طوراً وطوراً كأنمابدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه) يسر به من كان يلهو بقربهلطيف الحشا لا يحتويه أقاربه) فو الله لولا الله لا شيء غيرهلنقض من هذا السرير جوانبه) ولكنني أخشى رقيباً موكلابأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه) مخافة ربي والحياء يصدنيوإكرام بعلي أن تنال مراكبه) ثم ذكر بقية ذلك, كما تقدم أو نحوه, وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات.

** وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلّ لَهُنّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِيَ أَرْحَامِهِنّ إِن كُنّ يُؤْمِنّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَبُعُولَتُهُنّ أَحَقّ بِرَدّهِنّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوَاْ إِصْلاَحاً وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ
هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء, بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء, أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء, ثم تتزوج إن شاءت, وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت, فإنها تعتد عندهم بقرأين لأنها على نصف من الحرة, والقرء لا يتبعض فكمل لها قرآن, ولما رواه ابن جرير عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني, عن القاسم, عن عائشة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «طلاق الأمة تطليقتان, وعدتها حيضتان» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه, ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية, وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح أنه من قول القاسم بن محمد نفسه, ورواه ابن ماجه من طريق عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعاً, قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع عن ابن عمر قوله, وهكذا روي عن عمر بن الخطاب. قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف, وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 08:13 PM   #26
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
الحرة لعموم الاَية, ولأن هذا أمر جبلي, فكان الحرائر والإماء في هذا سواء, حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر, عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر وضعفه. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان, حدثنا إسماعيل, يعني ابن عياش, عن عمرو بن مهاجر, عن أبيه, أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية, قالت: طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يكن للمطلقة عدة, فأنزل الله عز وجل حين طلقت أسماء العدة للطلاق, فكانت من هذا الوجه فيها العدة للطلاق يعني {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}, وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين: حدهما) أن المراد بها الأطهار, وقال مالك في الموطأ عن ابن شهاب, عن عروة, عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة, فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن, فقالت: صدق عروة, وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه {ثلاثة قروء}. فقالت عائشة: صدقتم, وتدرون ما الأقراء ؟ إنما الأقراء الأطهار, وقال مالك, عن ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك, يريد قول عائشة, وقال مالك عن نافع, عن عبد الله بن عمر, أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته, فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرىء منها, وقال مالك: وهو الأمر عندنا وروى مثله عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار, وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وبقية الفقهاء السبعة وهو مذهب مالك والشافعي وغير واحد وداود وأبي ثور, وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} أي في الأطهار ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسباً , دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها ولهذا قال هؤلاء: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة, وأقل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان, واستشهد أبو عبيد وغيره على ذلك بقول الشاعر وهو الأعشى:
ففي كل عام أنت جاشم غزوةتشد لأقصاها عزيم عزائكا) مورثة مالاً وفي الأصل رفعةلما ضاع فيها من قروء نسائكا) يمدح أميراً من أمراء العرب آثر الغزو على المقام, حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيه. القول الثاني) ـ أن المراد بالأقراء, الحيض, فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة, زاد آخرون: وتغتسل منها, وأقل وقت تصدق فيه المرأة في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يوماً ولحظة, قال الثوري: عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين فجاءني وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي, فقال عمر لعبد الله بن مسعود: أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة قال: وأنا أرى ذلك, وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وابن مسعود ومعاذ, وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وابن عباس وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وإبراهيم ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة والشعبي والربيع ومقاتل بن حيان والسدي ومكحول والضحاك وعطاء الخراساني أنهم قالوا: الأقراء الحيض وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأصح الروايتين عن الإمام. أحمد بن حنبل, وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: الأقراء الحيض, وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح ابن حي وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه, ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من طريق المنذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها «دعي الصلاة أيام أقرائك» فهذا لو صح لكان صريحاً في أن القرء هو الحيض, ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات, وقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركاً بين هذا وهذا, وقد ذهب إليه بعض الأصوليين, والله أعلم. وهذا قول الأصمعي أن القرء هو الوقت. وقال أبو عمرو بن العلاء: العرب تسمي الحيض قرءاً, وتسمي الطهر قرءاً وتسمي الطهر والحيض جميعاً قرءاً. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض, ويراد به الطهر, وإنما اختلفوا في المراد من الاَية ما هو على قولين. ـ وقوله: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} أي من حبل أو حيض, قاله ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي والحكم بن عيينة والربيع بن أنس والضحاك وغير واحد, وقوله: {إن كن يؤمن بالله واليوم الاَخر} تهديد لهن على خلاف الحق, دل هذا على أن المرجع في هذا إليهن لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن ويتعذر إقامة البينة غالباً على ذلك, فرد الأمر إليهن وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق, إما استعجالاً منها لانقضاء العدة أو رغبة منها في تطويلها لما لها في ذلك من المقاصد, فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان. ـ وقوله: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً} أي وزوجها الذي طلقها أحق بردها, ما دامت في عدتها, إذا كان مراده بردها الإصلاح والخير, وهذا في الرجعيات, فأما المطلقات البوائن, فلم يكن حال نزول هذه الاَية مطلقة بائن, وإنما كان ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث, فأما حال نزول هذه الاَية, فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة, فلما قصروا في الاَية التي بعدها على ثلاث تطليقات, صار للناس مطلقة بائن, وغير بائن وإذا تأملت هذا, تبين لك ضعف ما سلكه بعض الأصوليين من استشهادهم على مسألة عود الضمير, هل يكون مخصصاً لما تقدمه من لفظ العموم أم لا بهذه الاَية الكريمة, فإن التمثيل بها غير مطابق لما ذكروه, الله أعلم. ـ وقوله {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن, فليؤد كل واحد منهما إلى الاَخر, ما يجب عليه بالمعروف, كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال في خطبته في حجة الوداع «فاتقوا الله في النساء, فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله, ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه, فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح, ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا ؟ قال «أن تطعمها إذا طعمت, وتكسوها إذا اكتسيت, ولا تضرب الوجه, ولا تقبح, ولا تهجر إلا في البيت» وقال وكيع, عن بشير بن سليمان, عن عكرمة عن ابن عباس, قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة, لأن الله يقول {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم, وقوله {وللرجال عليهن درجة} أي في الفضيلة في الخلق والخلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والاَخرة, كما قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}. وقوله {والله عزيز حكيم} أي عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره, حكيم في أمره وشرعه وقدره.

** الطّلاَقُ مَرّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمّآ آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئاً إِلاّ أَن يَخَافَآ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ * فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

هذه الاَية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة, فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طلقات, وأباح الرجعة في المرة والثنتين, وأبانها بالكلية في الثالثة, فقال {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} قال أبو داود رحمه الله في سننه (باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث). حدثنا أحمد بن محمد المروزي, حدثني علي بن الحسين بن واقد عن أبيه, عن يزيد النحوي, عن عكرمة, عن ابن عباس {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} الاَية, ودل أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً, فنسخ ذلك فقال {الطلاق مرتان} الاَية, ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم عن علي بن الحسين به, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق, حدثنا عبدة يعني ابن سليمان, عن هشام بن عروة, عن أبيه, أن رجلاً قال لامرأته: لا أطلقك أبداً ولا آويك أبداً, قالت: كيف ذلك ؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك, فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكرت ذلك له, فأنزل الله عز وجل {الطلاق مرتان}, وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس, ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون, كلهم عن هشام عن أبيه, قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء ما دامت في العدة, وإن رجلاً من الأنصار غضب على امرأته, فقال: والله لا آويك ولا أفارقك, قالت: وكيف ذلك ؟ قال: أطلقك, فإذا دنا أجلك راجعتك, ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله عز وجل {الطلاق مرتان} قال: فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق. وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان عن يعلىَ بن شبيب مولى الزبير, عن هشام, عن أبيه, عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة, عن يعلى بن شبيب به, ثم رواه عن أبي كريب, عن ابن إدريس, عن هشام. عن أبيه مرسلاً, وقال: هذا أصح. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب عن يعلى بن شبيب به, وقال: صحيح الإسناد. ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا إسماعيل بن عبد الله, حدثنا محمد بن حميد, حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق, عن هشام بن عروة, عن عائشة, قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة, وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس, فقال: والله لأتركنك لا أيماً ولا ذات زوج, فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها, ففعل ذلك مراراً, فأنزل الله عز وجل فيه {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فوقت الطلاق ثلاثاً لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجاً غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلاً, ذكره السدي وابن زيد وابن جرير كذلك, واختار أن هذا تفسير هذه الاَية. وقوله {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} أي إذا طلقتها واحدة أو اثنتين, فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية بين أن تردها إليك ناوياً الإصلاح بها والإحسان إليها, وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك وتطلق سراحها محسناً إليها, لا تظلمها من حقها شيئاً ولا تضار بها. وقال علي بن أبي طلحة. عن ابن عباس, قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين, فليتق الله في ذلك, أي في الثالثة, فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها, أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئاً. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة, أخبرنا ابن وهب, أخبرني سفيان الثوري, حدثني إسماعيل بن سميع, قال: سمعت أبا رزين يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, أرأيت قول الله عز وجل {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} أين الثالثة ؟ قال: «التسريح بإحسان» ورواه عبد بن حميد في تفسيره ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم عن سفيان عن إسماعيل بن سميع, أن أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله, أرأيت قوله الله {الطلاق مرتان} فأين الثالثة ؟ قال «التسريح بإحسان الثالثة» ورواه الإمام أحمد أيضاً. وهكذا رواه سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله, عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية, عن إسماعيل بن سميع, عن أبي رزين به وكذا رواه ابن مردويه أيضاً من طريق قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين به مرسلاً ورواه ابن مردويه أيضاً من طريق عبد الواحد بن زياد, عن إسماعيل بن سميع, عن أنس بن مالك, عن النبي صلى الله عليه وسلم, فذكره, ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم, حدثنا أحمد بن يحيى, حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة, حدثنا ابن عائشة, حدثنا حماد بن سلمة بن قتادة, عن أنس بن مالك, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, ذكر الله الطلاق مرتين, فأين الثالثة ؟ قال: {إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.
وقوله: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن, ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه, كما قال تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} فأما إن وهبته المرأة شيئاً عن طيب نفس منها, فقد قال تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} وأما إذا تشاقق الزوجان, ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته, فلها أن تفتدي منه بما أعطاها, ولا حرج عليها في بذلها له, ولا حرج عليه في قبول ذلك منها, ولهذا قال تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} الاَية, فأما إذا لم يكن لها عذر, وسألت الافتداء منه, فقد قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الوهاب ح وحدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية, قالا جميعاً: حدثنا أيوب عن أبي قلابة, عمن حدثه عن ثوبان, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس, فحرام عليها رائحة الجنة». وهكذا رواه الترمذي عن بندار, عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به, وقال حسن: قال ويروى عن أيوب, عن أبي قلابة, عن أبي أسماء, عن ثوبان, ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإسناد ولم يرفعه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن, حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة, قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة». وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه وابن جرير من حديث حماد بن زيد به.
(طريق أخرى) ـ قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا المعتمر بن سليمان, عن ليث بن أبي إدريس, عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس حرم الله عليها رائحة الجنة» وقال: «المختلعات هن المنافقات». ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعاً, عن أبي كريب, عن مزاحم بن داود بن علية, عن أبيه, عن ليث هو ابن أبي سليم, عن أبي الخطاب, عن أبي زرعة, عن أبي إدريس, عن ثوبان, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المختلعات هن المنافقات». ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي.
(حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا أيوب, حدثنا حفص بن بشر, حدثنا قيس بن الربيع, عن أشعث بن سوار, عن الحسن, عن ثابت بن يزيد, عن عقبة بن عامر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات» غريب من هذا الوجه ضعيف.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا وهيب, حدثنا أيوب عن الحسن, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «المختلعات والمنتزعات هن المنافقات».
(حديث آخر) ـ قال ابن ماجه: حدثنا بكر بن خلف أبو بشر, حدثنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى بن ثوبان, عن عمه عمارة بن ثوبان, عن عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه, فتجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً». ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية, واحتجوا بقوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة, فلا يجوز في غيرها إلا بدليل, والأصل عدمه, ممن ذهب إلى هذا ابن عباس وطاوس وإبراهيم وعطاء والحسن والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئاً وهو مضار لها, وجب رده إليها, وكان الطلاق رجعياً قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه, وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى, وهذا قول جميع أصحابه قاطبة, وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستذكار له عن بكر بن عبد الله المزني, أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: {وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} ورواه ابن جرير عنه, وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله, وقد ذكر ابن جرير رحمه الله أن هذه الاَية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت عبد الله بن أبي بن سلول, ولنذكر طرق حديثها واختلاف ألفاظه, قال الإمام مالك في موطئه, عن يحيى بن سعيد, عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة: أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية, أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم, خرج إلى الصبح, فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من هذه ؟» قالت: أنا حبيبة بنت سهل. «فقال ما شأنك» ؟ فقال: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها, فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر» فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خذ منها» فأخذ منها وجلست في أهلها. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بإسناده مثله, ورواه أبو داود عن القعنبي عن مالك والنسائي عن محمد بن مسلمة عن ابن القاسم عن مالك.
(حديث آخر) ـ عن عائشة, قال أبو داود وابن جرير: حدثنا محمد بن معمر, حدثنا أبو عامر, حدثنا عمرو السدوسي عن عبد الله بن أبي بكر, عن عمرة, عن عائشة, أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فضربها فانكسر بعضها, فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكته إليه, فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتاً, فقال «خذ بعض مالها وفارقها» قال: ويصلح ذلك يا رسول الله ؟ قال «نعم» قال إني أصدقتها حديقتين فهما بيدها, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «خذهما وفارقها» ففعل, وهذا لفظ ابن جرير وأبو عمرو السدوسي هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام.
(حديث آخر) فيه, عن ابن عباس رضي الله عنه, قال البخاري: حدثنا أزهر بن جميل, أخبرنا عبد الوهاب الثقفي, حدثنا خالد عن عكرمة, عن ابن عباس, أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس, أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ما أعيب عليه في خلق ولا دين, ولكن أكره الكفر في الإسلام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتردين إليه حديقته» ؟ قالت: نعم, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة». وكذا رواه النسائي عن أزهر بن جميل بإسناده مثله, ورواه البخاري أيضاً به, عن إسحاق الواسطي, عن خالد هو ابن عبد الله الطحان, عن خالد هو ابن مهران الحذاء, عن عكرمة, به نحوه, وهكذا رواه البخاري أيضاً من طرق عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه يعني بغضاً. وهذا الحديث من إفراد البخاري من هذا الوجه, ثم قال: حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا حماد بن زيد عن أيوب, عن عكرمة أن جميلة رضي الله عنها ـ كذا قال ـ والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم, لكن قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثني أبو يوسف يعقوب بن يوسف الطباخ, حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي, حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري, حدثني عبد الأعلى, حدثنا سعيد عن قتادة, عن عكرمة, عن ابن عباس, أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم, فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق, ولكنني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضاً, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم «تردين عليه حديقته ؟». قالت: نعم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ما ساق ولا يزداد, وقد رواه ابن مردويه في تفسيره عن موسى بن هارون, حدثنا أزهر بن مروان, حدثنا عبد الأعلى مثله, وهكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان بإسناد مثله سواء, وهو إسناد جيد مستقيم, وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا يحيى بن واضح, حدثنا الحسين بن واقد عن ثابت, عن عبد الله بن رباح, عن جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول, أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه, فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال «يا جميلة ما كرهت من ثابت ؟». قالت: والله ما كرهت منه ديناً ولا خلقاً, إلا أني كرهت دمامته, فقال لها, «أتردين عليه الحديقة ؟». قالت: نعم, فردت الحديقة, وفرق بينهما. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنامحمد بن عبد الأعلى, حدثنا المعتمر بن سليمان, قال: قرأت على فضيل عن أبي جرير, أنه سأل عكرمة هل كان للخلع أصل ؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي, أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبداً, إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة, فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامة, وأقبحهم وجهاً, فقال زوجها: يارسول الله, إني قد أعطيتها أفضل مالي حديقة لي, فإن ردت علي حديقتي, قال «ما تقولين» ؟ قالت: نعم وإن شاء زدته, قال: ففرق بينهما.
(حديث آخر) ـ قال ابن ماجه: حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس, وكان رجلاً دميماً, فقالت يارسول الله, والله لولا مخافة الله إذا دخل عليّ بصقت في وجهه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتردين إليه حديقته» ؟ قالت: نعم, فردت عليه حديقته, قال: ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها, فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية, أخبرنا أيوب عن كثير مولى ابن سمرة أن عمر أتى بامرأة ناشز, فأمر بها إلى بيت كثير الزبل, ثم دعا بها فقال: كيف وجدت ؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني, فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها, ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن كثير مولى ابن سمرة فذكر مثله, وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام, قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة, عن حميد بن عبد الرحمن: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب, فشكت زوجها, فأباتها في بيت الزبل, فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك ؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها, وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر, عن عبد الله بن عقيل, أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته, قالت: كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني, ويحرمني إذا غاب عني, قالت: فكانت مني زلة يوماً فقلت له: أختلع منك بكل شيء أملكه, قال: نعم, قالت: ففعلت, قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان, فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه, أو قالت: ما دون عقاص الرأس, ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير ولا يترك لها سوى عقاص شعرها, وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب والحسن بن صالح وعثمان البتي, وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور, واختاره ابن جرير, وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها, جاز أن يأخذ منها ما أعطاها, ولا يجوز الزيادة عليه, فإن ازداد جاز في القضاء, وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئاً, فإن أخذ, جاز في القضاء. وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها, وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وطاوس والحسن والشعبي وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس, وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها, وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها. (قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة, عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد, وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء, أن النبي صلى الله عليه وسلم, كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها, يعني المختلعة, وحملوا معنى الاَية على معنى {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} أي من الذي أعطاها لتقدم قوله: {ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} أي من ذلك, وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس {فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه} رواه ابن جرير, لهذا قال بعده {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون}.
(فصل) قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع, فأخبرنا سفيان عن عمر بن دينار, عن طاوس, عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد, يتزوجها إن شاء, لأن الله تعالى يقول: {الطلاق مرتان ـ قرأ إلى ـ أن يتراجعا} قال الشافعي: وأخبرنا سفيان عن عمرو, عن عكرمة, قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق, وروى غير الشافعي عن سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن طاوس, عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله قال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه, أيتزوجها ؟ قال: نعم, ليس الخلع بطلاق, ذكر الله الطلاق في أول الاَية وآخرها, والخلع فيما بين ذلك, فليس الخلع بشيء, ثم قرأ {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} وقرأ: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد, حتى تنكح زوجاً غيره} وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما من أن الخلع ليس بطلاق وإنما هو فسخ, هو روايه عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وابن عمر, وهو قول طاوس وعكرمة, وبه يقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبو ثور وداود بن علي الظاهري, وهو مذهب الشافعي في القديم, وهو ظاهر الاَية الكريمة, والقول الثاني في الخلع: أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك, قال مالك, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن جهمان مولى الأسلميين, عن أم بكر الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله خالد بن أسيد فأتيا عثمان بن عفان في ذلك, فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئاً فهو ما سميت, قال الشافعي: ولا أعرف جهمان, وكذا ضعف أحمد بن جنبل هذا الأثر, والله أعلم. وقد روي نحوه عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر, وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد, وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبو عثمان البتي والشافعي في الجديد, غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع تطليقة أو اثنتين أو أطلق, فهو واحدة بائنة, وإن نوى ثلاثا فثلاث, وللشافعي قول آخر في الخلع, وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق, وعري عن البينة, فليس هو بشيء بالكلية.
(مسألة) وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه في رواية عنهما, وهي المشهورة, إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء, إن كانت ممن تحيض, وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر, وبه يقول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة وسالم وأبو سلمة وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وأبو عياض وخلاس بن عمر وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبو العبيد. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم, ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق, فتعتد كسائر الملطقات, والقول الثاني أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرى بها رحمها. قال ابن أبي شيبة. حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع, عن ابن عمر: أن الربيع اختلعت من زوجها, فأتى عمها عثمان رضي الله عنه, فقال: تعتد بحيضة. قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض, حتى قال هذا عثمان, فكان ابن عمر يفتي به, ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا. وحدثنا عبدة عن عبيد الله, عن نافع , عن ابن عمر, قال: عدة المختلعة حيضة. وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن ليث, عن طاوس, عن ابن عباس, قال: عدتها حيضة, وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان وكل من تقدم ذكره ممن يقول أن الخلع فسخ يلزمه القول بهذا واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي حيث قال: كل منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي, حدثنا علي بن بحر, أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر, عن عمرو بن مسلم, عن عكرمة, عن ابن عباس, أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم, فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة, ثم قال الترمذي: حسن غريب, وقد رواه عبد الرزاق عن معمر, عن عمرو بن مسلم عن عكرمة مرسلاً.
(حديث آخر) ـ قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان, حدثنا الفضل بن موسى عن سفيان, حدثنا محمد بن عبد الرحمن, وهو مولى آل طلحة, عن سليمان بن يسار, عن الربيع بنت معوذ بن عفراء, أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم, أو أمرت أن تعتد بحيضة قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة.
(طريق أخرى) ـ قال ابن ماجه: حدثنا علي بن سلمة النيسابوري, حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد, حدثنا أبي عن ابن إسحاق, أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الرّبَيّع بنت معوذ بن عفراء, قال: قلت لها: حدثيني حديثك, قالت: اختلعت من زوجي, ثم جئت عثمان فسألت عثمان: ماذا علي من العدة ؟ قال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك, فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة, قالت: وإنما اتبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية, وكانت تحت ثابت بن قيس, فاختلعت منه¹ وقد روى ابن لهيعة عن ابن الأسود, عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن الربيع بنت معوذ, قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة. (مسألة) وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عن الأئمة الأربعة وجمهور العلماء, لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى وماهان الحنفي وسعيد بن المسيب والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها, وهو اختيار أبي ثور رحمه الله. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها, وإن كان يسمى طلاقاً فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة, وبه يقول داود بن علي الظاهري, واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة, وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فرقة: أنه لا يجوز له ذلك كما لا يجوز لغيره, وهو قول شاذ مردود.
(مسألة) وهل له أن يوقع عليها طلاقاً آخر في العدة ؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها) ليس له ذلك, لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه, وبه يقول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. (والثاني) قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقاً من غير سكوت بينهما, وقع, وإن سكت بينهما, لم يقع, قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما وري عن عثمان رضي الله عنه. (والثالث) أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة, وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي, وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وإبراهيم والزهري والحاكم والحكم وحماد بن أبي سليمان, وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء, وقال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
وقوله {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون} أي هذه الشرائع التي شرعها لكم. هي حدوده فلا تتجاوزوها, كما ثبت في الحديث الصحيح «إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها, وفرض فرائض فلا تضيعوها, وحرم محارم فلا تنتهكوها, وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها». وقد يستدل بهذه الاَية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام, كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم, وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة لقوله {الطلاق مرتان} ثم قال {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون} ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال: حدثنا سليمان بن داود, أخبرنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير, عن أبيه, عن محمود بن لبيد, قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً, فقام غضبان ثم قال «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم» ؟ حتى قام رجل فقال: يارسول الله, ألا أقتله ـ فيه انقطاع ـ.
وقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} أي أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين, فإنها تحرم عليه {حتى تنكح زوجاً غيره}, أي حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح, فلو وطئها واطىء في غير نكاح ولو في ملك اليمين, لم تحل للأول, لأنه ليس بزوج, وهكذا لو تزوجت ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول, واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب رحمه الله أنه يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني, وفي صحته عنه نظر, على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البرقد حكاه عنه في الاستذكار, والله أعلم. وقد قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة, عن علقمة بن مرثد, عن سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله, عن سعيد بن المسيب, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم, في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة, فيتزوجها زوج آخر, فيطلقها قبل أن يدخل بها, أترجع إلى الأول ؟ قال «لا, حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها» هكذا وقع في رواية ابن جرير, وقد رواه الإمام أحمد فقال: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد, قال: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله يعني ابن عمر, عن سعيد بن المسيب, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم, في الرجل تكون له المرأة فيطلقها ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها, فترجع إلى زوجها الأول, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حتى تذوق العسيلة» وهكذا رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس وابن ماجه, عن محمد بن بشار بندار, كلاهما عن محمد بن جعفر غندر, عن شعبة به, كذلك فهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمرو مرفوعاً على خلاف ما يحكى عنه, فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند, والله أعلم. وقد روى أحمد أيضاً والنسائي وابن جرير هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد, عن رزين بن سليمان الأحمدي, عن ابن عمر, قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً, فيتزوجها آخر, فيغلق الباب, ويرخي الستر, ثم يطلقها قبل أن يدخل بها, هل تحل للأول ؟ قال «لا, حتى تذوق العسيلة», وهذا لفظ أحمد, وفي رواية لأحمد سليمان بن رزين.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا محمد بن دينار, حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس بن مالك, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً, فتزوجت بعده رجلاً فطلقها قبل أن يدخل بها, أتحل لزوجها الأول ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا, حتى يكون الاَخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته». وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن إبراهيم الأنماطي عن هشام بن عبد الملك, حدثنا محمد بن دينار, فذكره (قلت) ومحمد بن دينار بن صندل أبو بكر الأزدي ثم الطاحي البصري ويقال له ابن أبي الفرات, اختلفوا فيه, فمنهم من ضعفه, ومنهم من قواه وقبله وحسن له, وذكر أبو داود أنه قبل موته, فالله أعلم,
(حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس العسقلاني, حدثنا أبي, حدثنا شيبان, حدثنا يحيى بن أبي كثير, عن أبي الحارث الغفاري عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, في المرأة يطلقها زوجها ثلاثاً, فتتزوج غيره فيطلقها قبل أن يدخل بها, فيريد الأول أن يراجعها. قال «لا, حتى يذوق الاَخر عسيلتها» ثم رواه من وجه آخر عن شيبان وهو ابن عبد الرحمن به ـ وأبو الحارث غير معروف ـ.
(حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا يحيى عن عبيد الله, حدثنا القاسم عن عائشة: أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً, فتزوجت زوجاً, فطلقها قبل أن يمسها, فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول ؟ فقال «لا, حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول» أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن عبد الله بن عمر العمري عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عمته عائشة به.
(طريق أخرى) ـ قال ابن جرير: حدثنا عبيد الله بن إسماعيل الهباري وسفيان بن وكيع وأبو هشام الرفاعي, قالوا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن إبراهيم, عن الأسود, عن عائشة قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته, فتزوجت رجلاً غيره, فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها, أتحل لزوجها الأول ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الاَخر عسيلتها وتذوق عسيلته», وكذا رواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن أبي كريب, كلاهما عن أبي معاوية وهو محمد بن حازم الضرير به.
(طريق أخرى) ـ قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني, حدثنا أبو أسامة عن هشام, عن أبيه, عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها, فتتزوج رجلاً فيطلقها قبل أن يدخل بها, أتحل لزوجها الأول ؟ قال «لا حتى يذوق عسيلتها», قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا أبو فضيل, وحدثنا أبو كريب, حدثنا أبو معاوية جميعاً عن هشام بهذا الإسناد, وقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية محمد بن حازم عن هشام به, وتفرد به مسلم من الوجهين الاَخرين, وهكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة مرفوعاً بنحوه أو مثله ـ وهذا إسناد جيد ـ, وكذا ورواه ابن جرير أيضاً من طريق علي بن زيد بن جدعان عن امرأة أبيه أمينة أم محمد, عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله, وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري, حدثنا عمرو بن علي, حدثنا يحيى عن هشام بن عروة, حدثني أبي عن عائشة مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم, وحدثنا عثمان بن أبي شيبة, حدثنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه, عن عائشة, أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها, فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له إنه لا يأيتها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب, فقال «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» تفرد به من هذا الوجه.
(طريق أخرى) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الأعلى عن معمر, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة, قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم, فقالت: إن رفاعة طلقني البتة, وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني, وإنما عنده مثل الهدبة, وأخذت هدبة من جلبابها, وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له, فقال: يا أبا بكر, ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبسم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة, لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك», وهكذا رواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك ومسلم من حديث عبد الرزاق والنسائي من حديث يزيد بن زريع, ثلاثتهم عن معمر به, وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم, أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات, وقد رواه الجماعة إلا أبو داود من طريق سفيان بن عيينة والبخاري من طريق عقيل ومسلم من طريق يونس بن يزيد, وعنده آخر ثلاث تطليقات, والنسائي من طريق أيوب بن موسى, ورواه صالح بن أبي الأخضر, كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة به. وقال مالك, عن المسور بن رفاعة القرظي, عنالزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً, فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها, فأراد رفاعة بن سموأل أن ينكحها وهو زوجها الأول الذي كان طلقها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن تزوجها, وقال «لا تحل لك حتى تذوق العسيلة» هكذا رواه أصحاب الموطأ عن مالك, وفيه انقطاع وقد رواه إبراهيم بن طهمان وعبد الله بن وهب عن مالك, عن رفاعة, عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير, عن أبيه فوصله.
(فصل) والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغباً في المرأة, قاصداً لدوام عشرتها, كما هو المشروع من التزويج, واشترط الإمام مالك مع ذلك, أن يطأها الثاني وطأً مباحاً, فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء أو الزوج صائم أو محرم أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء, وكذا لو كان الزوج الثاني ذمياً لم تحل للمسلم بنكاحه, لأن أنكحة الكفار باطلة عنده, واشترط الحسن البصري فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ينزل الزوج الثاني وكأنه تمسك بما فهمه من قوله عليه الصلاة والسلام «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ويلزم على هذا أن تنزل المرأة أيضاً, وليس المراد بالعسيلة المني, لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن العسيلة الجماع» فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول, فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة.

ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
(الحديث الأول) عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين, حدثنا سفيان عن أبي قيس عن الهزيل عن عبد الله قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والمحَلّل والمحَلّل له وآكل الربا وموكله. ثم رواه أحمد والترمذي والنسائي من غير وجه عن سفيان وهو الثوري عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي عن هزيل بن شرحبيل الأودي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم به, ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة منهم عمر وعثمان وابن عمر, وهو قول الفقهاء من التابعين, ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس.
(طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي, حدثنا عبيد الله عن عبد الكريم عن أبي الواصل عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله المحَلّل والمحَلّل له».
(طريق أخرى) ـ روى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث الأعور عن عبد الله بن مسعود, قال: آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به, والواصلة والمستوصلة, ولاوي الصدقة والمعتدي فيها, والمرتد على عقبيه أعرابياً بعد هجرته, والمحَلِل والمحَلّل له, ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
(الحديث الثاني) عن علي رضي الله عنه, قال الإمام أحمد, حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن جابر عن الشعبي عن الحارث عن علي قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه, والواشمة والمستوشمة للحسن, ومانع الصدقة, والمحَلّل والمحلّل له, وكان ينهى عن النوح. وكذا رواه عن غندر عن شعبة عن جابر وهو ابن يزيد الجعفي عن الشعبي عن الحارث عن علي به, وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد وابن عون, عن عامر الشعبي به, وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الشعبي به. ثم قال أحمد: أخبرنا محمد بن عبد الله, أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي, قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الربا وآكله وكاتبه وشاهده, والمحَلّل والمحَلَل له.
(الحديث الثالث) عن جابر رضي الله عنه. قال الترمذي: أخبرنا أبو سعيد الأشج, أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن يزيد الأيامي, حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله, وعن الحارث عن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحَلّل والمحَلَل له, ثم قال: وليس إسناده بالقائم. ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل, قال: ورواه ابن نمير عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن علي, قال: وهذا وهم من ابن نمير, والحديث الأول أصح.
(الحديث الرابع) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه, حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري, أخبرنا أبي, سمعت الليث بن سعد يقول: أبو المصعب مشرح وهو ابن هاعان, قال عقبة بن عامر, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم بالتيس المستعار» ؟ قالوا: بلى يا رسول صلى الله عليه وسلم, قال: «هو المحَلّل, لعن الله المحَلّل والمحَلَل له» تفرد به ابن ماجه, كذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن عثمان بن صالح عن الليث به, ثم قال: كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكاراً شديداً. (قلت) عثمان هذا أحد الثقات, روى عنه البخاري في صحيحه ثم قد تابعه غيره, فرواه جعفر الفريابي عن العباس المعروف بابن فريق, عن أبي صالح عبد الله بن صالح, عن الليث به فبرىء من عهدته, والله أعلم.
(الحديث الخامس) عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا أبو عامر عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس, قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحَلّل والمحَلَل له.
(طريق أخرى) ـ قال الإمام الحافظ خطيب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي: حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حنيفة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحَلّل, قال: «لا, إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة, ولا استهزاء بكتاب الله ثم يذوق عسيلتها» ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن حميد عن عبد الرحمن عن موسى بن أبي الفرات عن عمرو بن دينار عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه من هذا, فيتقوى كل من هذا المرسل والذي قبله بالاَخر, والله أعلم.
(الحديث السادس) عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر, حدثنا عبد الله هو ابن جعفر عن عثمان بن محمد المقبري عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحَلّل والمحَلَل له, وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني البيهقي من طريق عبد الله بن جعفر القرشي وقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم, وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين عن سعيد المقبري وهو متفق عليه.
(الحديث السابع) عن ابن عمر رضي الله عنهما. قال الحاكم في مستدركه, حدثنا أبو العباس الأصم, حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني, حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو يمان محمد بن مطرف المدني عن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه, هل تحل للأول ؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه, وقد رواه الثوري عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر به, وهذه الصيغة مشعرة بالرفع وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني وحرب الكرماني وأبو بكر الأثرم من حديث الأعمش عن المسيب بن رافع عن قبيصة بن جابر, عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحَلّل ولا محَلَل له إلا رجمتهما, وروى البيهقي من حديث ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار, أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما وكذا روي عن علي وابن عباس وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم.
وقوله {فإن طلقها} أي الزوج الثاني بعد الدخول بها {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} أي المرأة والزوج الأول {إن ظنا أن يقيما حدود الله} أي يتعاشرا بالمعروف. قال مجاهد إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة {وتلك حدود الله} أي شرائعه وأحكامه {يبينها} أي يوضحها {لقوم يعلمون}.
وقد اختلف الأئمة رحمهم الله فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين وتركها حتى انقضت عدتها, ثم تزوجت بآخر, فدخل بها ثم طلقها فانقضت عدتها, ثم تزوجها الأول, هل تعود إليه بما بقي من الثلاث, كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل, وهو قول طائفة من الصحابة رضي الله عنهم, أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق, فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث, كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله, وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى, والله أعلم.


** وَإِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَأَمْسِكُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنّ ضِرَاراً لّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
هذا أمر من الله, عز وجل للرجال, إذا طلق أحدهم المرأة طلاقاً له عليها فيه رجعة, أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها, ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها, فإما أن يمسكها, أي يرتجعها, إلى عصمة نكاحه, بمعروف وهو أن يشهد على رجعتها, وينوي عشرتها بالمعروف, أو يسرحها, أي يتركها حتى تنقضي عدتها ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن, من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح, قال الله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}, قال ابن عباس, ومجاهد ومسروق والحسن وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة, فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها, ضراراً لئلا تذهب إلى غيره, ثم يطلقها فتعتد, فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة, فنهاهم الله عن ذلك, وتوعدهم عليه, فقال: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} أي بمخالفته أمر الله تعالى.
وقوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} قال ابن جرير عند هذه الاَية: أخبرنا أبو كريب, أخبرنا إسحاق بن منصور عن عبد السلام بن حرب, عن يزيد بن عبد الرحمن, عن أبي العلاء الأودي, عن حميد بن الرحمن, عن أبي موسى, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب على الأشعريين, فأتاه أبو موسى قال: يا رسول الله, أغضبت على الأشعريين ؟ فقال: «يقول أحدكم قد طلقت, قد راجعت, ليس هذا طلاق المسلمين, طلقوا المرأة في قبل عدتها» ثم رواه من وجه آخر عن أبي خالد الدلال وهو يزيد بن عبد الرحمن, وفيه كلام. وقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كنهه, ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها لتطول عليها العدة, وقال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعباً, أو يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعباً, فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} فألزم الله بذلك, وقال ابن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد, حدثنا أبو أحمد الصيرفي, حدثني جعفر بن محمد السمسار, عن إسماعيل بن يحيى عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب لا يريد الطلاق, فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} فألزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد, حدثنا آدم, حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن هو البصري, قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعباً ويعتق ويقول: كنت لاعباً, وينكح ويقول: كنت لاعباً, فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً}, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلق أو أعتق أو نكح أو أنكح, جاداً أو لاعباً, فقد جاز عليه» وكذا رواه ابن جرير, من طريق الزهري, عن سليمان بن أرقم, عن الحسن مثله, وهذا مرسل, وقد رواه ابن مردويه, عن طريق عمرو ابن عبيد, عن الحسن, عن أبي الدرداء موقوفاً عليه. وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب, حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب, حدثنا يحيى بن عبد الحميد, حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سلمة عن الحسن عن عبادة بن الصامت في قول الله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزواً}. قال: كان الرجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقول للرجل: زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعباً, ويقول: قد أعتقت, ويقول: كنت لاعباً, فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً}, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من قالهن لاعباً أو غير لاعب, فهن جائزات عليه: الطلاق والعتاق والنكاح» والمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك عن عطاء عن ابن ماهك عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جدهن جد, وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» وقال الترمذي: حسن غريب.
وقوله {واذكروا نعمة الله عليكم}, أي في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة}, أي السنة {يعظكم به} أي يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم, {واتقوا الله}, أي فيما تأتون وفيما تذرون, {واعلموا أن الله بكل شيء عليم} أي فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية وسيجازيكم على ذلك.


** وَإِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَىَ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: نزلت هذه الاَية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين, فتنقضي عدتها, ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها, وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك, فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي عنه عن ابن عباس أيضاً, وكذا قال مسروق وإبراهيم النخعي والزهري والضحاك: إنها أنزلت في ذلك, وهذا الذي قالوه ظاهر من الاَية, وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها, وأنه لابد في النكاح من ولي, كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الاَية, كما جاء في الحديث «لا تزوج المرأة المرأة, ولا تزوج المرأة نفسها, فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» وفي الأثر الاَخر «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل» وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء, محرر في موضعه من كتب الفروع, وقد قررنا ذلك في كتاب الأحكام, ولله الحمد والمنة.
وقد روي أن هذه الاَية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته, فقال البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح عند تفسير هذه الاَية: حدثنا عبيد الله بن سعيد, حدثنا أبو عامر العقدي, حدثنا عباد بن راشد, حدثنا الحسن, قال: حدثني معقل بن يسار, قال: كانت لي أخت تخطب إلي, قال البخاري: وقال إبراهيم عن يونس, عن الحسن, حدثني معقل بن يسار, وحدثنا أبو معمر, وحدثنا عبد الوارث, حدثنا يونس عن الحسن, أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها, فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها, فأبى معقل, فنزلت {ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه من طرق متعددة عن الحسن, عن معقل بن يسار به, وصححه الترمذي أيضاً, ولفظه عن معقل بن يسار, أنه زوج أخته رجلاً من المسلمين, على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده ما كانت, ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها, فهويها وهويته, ثم خطبها مع الخطاب, فقال له: يا لكع بن لكع! أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها, والله لا ترجع إليك إبداً آخر ما عليك, قال: فعلم الله حاجته إليها, وحاجتها إلى بعلها, فأنزل الله {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} إلى قوله {وأنتم لا تعلمون} فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة ثم دعاه, فقال: أزوجك وأكرمك, زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني. وروى ابن جرير, عن ابن جريج, قال: هي جُمْل بنت يسار, كانت تحت أبي البداح. وقال سفيان الثوري, عن أبي إسحاق السبيعي, قال: هي فاطمة بنت يسار. وهكذا ذكر غير واحد من السلف, أن هذه الاَية نزلت في معقل بن يسار وأخته. وقال السدي: نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عم له والصحيح الأول والله أعلم.
وقوله {ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الاَخر} أي هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به, ويتعظ به, وينفعل له {من كان منكم} أيها الناس {يؤمن بالله واليوم الاَخر} أي يؤمن بشرع الله, ويخاف وعيد الله وعذابه, في الدار الاَخرة, وما فيها من الجزاء {ذلكم أزكى لكم وأطهر} أي اتباعكم شرع الله, في رد الموليات إلى أزواجهن, وترك الحمية في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم {والله يعلم} أي من المصالح, فيما يأمر به وينهى عنه {وأنتم لا تعلمون} أي الخيرة فيما تأتون, ولا فيما تذرون.


** وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمّ الرّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنّ وَكِسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوَاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلّمْتُم مّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة, وهي سنتان فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك, ولهذا قال {لمن أراد أن يتم الرضاعة} وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين, فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم. قال الترمذي: (باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين) حدثنا قتيبة, حدثنا أبو عوانة عن هشام بن عروة, عن فاطمة بنت المنذر, عن أم سلمة, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» هذا حديث حسن صحيح, والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم, أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين, وما كان بعد الحولين الكاملين, فإنه لا يحرم شيئاً, وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام, وهي امرأة هشام بن عروة. (قلت) تفرد الترمذي برواية هذا الحديث ورجاله على شرط الصحيحين, ومعنى قوله «إلا ما كان في الثدي» أي في محال الرضاعة قبل الحولين, كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن وكيع, وغندر عن شعبة, عن عدي بن ثابت, عن البراء بن عازب, قال: لما مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «إن ابني مات في الثدي, إن له مرضعاً في الجنة», وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة وإنما قال عليه السلام ذلك, لأن ابنه إبراهيم عليه السلام, مات وله سنة وعشرة أشهر, فقال: إن له مرضعاً, يعني تكمل رضاعه, ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق الهيثم بن جميل عن سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين» ثم قال: ولم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل, وهو ثقة حافظ. (قلت) وقد رواه الإمام مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد, عن ابن عباس مرفوعاً, ورواه الدراوردي عن ثور, عن عكرمة, عن ابن عباس, وزاد «وما كان بعد الحولين فليس بشيء» وهذا أصح.
وقال أبو داود الطيالسي, عن جابر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع بعد فصال, ولا يتم بعد احتلام» وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: {وفصاله في عامين أن اشكر لي}, وقال {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين, يروى عن علي وابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وابن عمر وأم سلمة وسعيد بن المسيب وعطاء والجمهور, وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية, وعنه أن مدته سنتان وشهران, وفي رواية: وثلاثة أشهر. وقال أبو حنيفة: سنتان وستة أشهر. وقال زفر بن الهذيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين, وهذا رواية عن الأوزاعي, قال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين, فأرضعته امرأة بعد فصاله, لم يحرم لأنه قد صار بمنزلة الطعام, وهو رواية عن الأوزاعي, وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال, فيحتمل أنهما أرادا الحولين, كقول الجمهور: سواء فطم أو لم يفطم ويحتمل أنهما أرادا الفعل كقول مالك, والله أعلم, وقد روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها, أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم, وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد, وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها, فترضعه, وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيراً, فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة, وأبى ذلك سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, ورأين ذلك من الخصائص, وهو قول الجمهور, وحجة الجمهور وهم الأئمة الأربعة, والفقهاء السبعة, والأكابر من الصحابة, وسائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم, سوى عائشة ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انظرن من إخوانكم فإنما الرضاعة من المجاعة» وسيأتي الكلام على مسائل الرضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير, عن قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم}.
وقوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} أي وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف, أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار, بحسب قدرته في يساره, وتوسطه وإقتاره, كما قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً} قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد, فأرضعت له ولده, وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.
وقوله: {لا تضار والدة بولدها} أي بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته, ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالباً, ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت, ولكن إن كانت مضارة لأبيه, فلا يحل لها ذلك, كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها, ولهذا قال: {ولا مولود له بولده} أي بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضراراً بها, قاله مجاهد وقتادة والضحاك والزهري والسدي والثوري وابن زيد وغيرهم.
وقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} قيل: في عدم الضرار لقريبه, قاله مجاهد والشعبي والضحاك, وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها, وهو قول الجمهور, وقد استقصى ذلك ابن جرير في تفسيره, وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض, وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف, ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعاً «من ملك ذا رحم محرم, عتق عليه» وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد إما في بدنه أو في عقله. وقال سفيان الثوري, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة: أنه رأى امرأة ترضع بعد الحولين, فقال: لا ترضعيه.
وقوله: {فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} أي فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين, ورأيا في ذلك مصلحة له, وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه, فلا جناح عليهما في ذلك, فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الاَخر لا يكفي, ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الاَخر, قاله الثوري وغيره, وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره, وهو



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 08:37 PM   #27
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما, وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه, كما قال في سورة الطلاق {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهنّ وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى}.
وقوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} أي إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد إما لعذر منها أو العذر له, فلا جناح عليهما في بذله, ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن, واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف, قاله غير واحد. وقوله: {واتقوا الله} أي في جميع أحوالكم {واعلموا أن الله بما تعملون بصير} أي فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم.


** وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن, أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال, وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع, ومستنده في غير المدخول بها عموم الاَية الكريمة, وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها, ولم يدخل بها ولم يفرض لها, فترددوا إليه مراراً في ذلك, فقال أقول فيها برأيي, فإن يك صواباً فمن الله, وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان, والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملاً, وفي لفظ: لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط, وعليها العدة, ولها الميراث, فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, قضى به في بروع بنت واشق ففرح عبد الله بذلك فرحاً شديداً, وفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق. ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها, وهي حامل, فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله: {وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ} وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع, أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الاَيتين, وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي, لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية المخرج في الصحيحين من غير وجه, أنها توفي عنها زوجها سعد بن خولة وهي حامل, فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته, وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال, فلما تعلت من نفاسها, تجملت للخطاب, فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك, فقال لها: ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح ؟ والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك, جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت, فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك, فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي, وأمرني بالتزويج إن بدا لي, قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سبيعة, يعني لما احتج عليه به, قال: ويصحح ذلك عنه, أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة كما هو قول أهل العلم قاطبة. وكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة, فإن عدتها على النصف من عدة الحرة, شهران وخمس ليال على قول الجمهور, لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحد, فكذلك فلتكن على النصف منها في العدة. ومن العلماء كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية من يسوي بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام لعموم الاَية, ولأن العدة من باب الأمور الجبلية التي تستوي فيها الخليقة, وقد ذكر سعيد بن المسيب, وأبو العالية وغيرهما, أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً, لاحتمال اشتمال الرحم على حمل, فإذا انتظر به هذه المدة, ظهر إن كان موجوداً, كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة, ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح» فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر, والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور, ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه, والله أعلم. قال سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر ؟ قال: فيه ينفخ الروح, وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة ؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح, رواهما ابن جرير, ومن ههنا ذهب الإمام أحمد, في رواية عنه, إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة ههنا, لأنها صارت فراشاً كالحرائر, وللحديث الذي رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة عن رجاء بن حيوة, عن قبيصة بن ذؤيب, عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا, عدة أم الولد, إذا توفى عنها سيدها أربعة أشهر وعشر. ورواه أبو داود عن قتيبة, عن غندر, وعن ابن المثنى, عن عبد الأعلى, وابن ماجه عن علي بن محمد, عن الربيع, ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة, عن مطر الوراق, عن رجاء بن حيوة, عن قبيصة, عن عمرو بن العاص, فذكره. وقد روي عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث, وقيل إن قبيصة لم يسمع عمراً, وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف, منهم سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير, والحسن وابن سيرين وأبو عياض والزهري وعمر بن عبد العزيز, وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان, وهو أمير المؤمين, وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه, وقال طاوس وقتادة: عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها نصف عدة الحرة شهران وخمس ليال. وقال أبو حنيفة وأصحابه, والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حيض, وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة, وبه يقول ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور, وقال الليث: ولو مات وهي حائض, أجزأتها. وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض, فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر وثلاثة أحب إليّ, والله أعلم.
وقوله: {فإذا بلغن أجلهنّ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعلمون خبير} يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين عن غير وجه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش أم المؤمنين, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاَخر أن تحد على ميت فوق ثلاث, إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» وفي الصحيحين أيضاً عن أم سملة أن امرأة قالت: يا رسول الله, إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها ؟ فقال «لا» كل ذلك يقول ـ لا ـ مرتين أو ثلاثاً, ثم قال: «إنما هي أربعة أشهر وعشر, وقد كانت إحداكم في الجاهلية تمكث سنة» قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها, دخلت حفشاً ولبست شر ثيابها, ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة, ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها, ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به. فقلما تفتض بشيء إلا مات, ومن ههنا ذهب كثيرون من العلماء إلى أن هذه الاَية ناسخة للاَية التي بعدها, وهي قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج} الاَية, كما قاله ابن عباس وغيره, وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره. والغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك, وهو واجب في عدة الوفاة قولاً واحداً, ولا يجب في عدة الرجعية قولاً واحداً, وهل يجب في عدة البائن فيه قولان. ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن, سواء في ذلك الصغيرة والاَيسة والحرة والأمة والمسلمة والكافرة, لعموم الاَية, وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد على الكافرة, وبه يقول أشهب وابن نافع من أصحاب مالك, وحجة قائل هذه المقالة قوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاَخر أن تحد على ميت فوق ثلاث, إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» قالوا: فجعله تعبداً, وألحق أبو حنيفة وأصحابه والثوري الصغيرة بها لعدم التكليف, وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمة المسلمة لنقصها, ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع, والله الموفق للصواب.
وقوله {فإذا بلغن أجلهن} أي انقضت عدتهن, قاله الضحاك والربيع بن أنس, {فلا جناح عليكم} قال الزهري: أي على أوليائها. {فيما فعلن} يعني النساء اللاتي انقضت عدتهن, قال العوفي عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها, فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج, فذلك المعروف. وروي عن مقاتل بن حيان نحوه, وقال ابن جريج عن مجاهد {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} قال: النكاح الحلال الطيب, وروي عن الحسن والزهري والسدي ونحو ذلك.

** وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيَ أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنّ وَلَـَكِن لاّ تُوَاعِدُوهُنّ سِرّاً إِلاّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُوَاْ عُقْدَةَ النّكَاحِ حَتّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
يقول تعالى: {ولا جناح عليكم} أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح, قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به خطبة النساء} قال: التعريض أن يقول: إني أريد التزويج, وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها ـ يعرض لها بالقول بالمعروف ـ وفي رواية: وددت أن الله رزقني امرأة, ونحو هذا, ولا ينتصب للخطبة, وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله, ولوددت أني وجدت امرأة صالحة, ولا ينتصب لها ما دامت في عدتها ورواه البخاري تعليقاً فقال: وقال لي طلق بن غنام, عن زائدة, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} هو أن يقول: إني أريد التزويج, وإن النساء لمن حاجتي, ولوددت أن ييسر لي امرأة صالحة, وهكذا قال مجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وقتادة والزهري ويزيد بن قسيط ومقاتل بن حيان والقاسم بن محمد وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها بالخطبة, وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات, فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم, وقال لها: فإذا حللت فآذنيني, فلما حلت, خطب عليها أسامة بن زيد مولاه, فزوجها إياه, فأما المطلقة فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها, والله أعلم.
وقوله {أو أكننتم في أنفسكم} أي أضمرتم في أنفسكم من خطبتهن, وهذا كقوله تعالى {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} وكقوله {وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} ولهذا قال {علم الله أنكم ستذكرونهن} أي في أنفسكم, فرفع الحرج عنكم في ذلك. ثم قال: {ولكن لا تواعدوهنّ سراً} قال أبو مجلز وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنا, وهو معنى الزنا, وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس, واختاره ابن جرير, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {ولكن لا تواعدوهن سراً} لا تقل لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري, ونحو هذا, وكذا روي عن سعيد بن جبير والشعبي وعكرمة وأبي الضحى والضحاك والزهري ومجاهد والثوري, هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره. وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك, وقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره, فنهى الله عن ذلك, وقدم فيه وأحل الخطبة, والقول بالمعروف, وقال ابن زيد {ولكن لا تواعدوهن سراً} هو أن يتزوجها في العدة سراً, فإذا حلت أظهر ذلك, وقد يحتمل أن تكون الاَية عامة في جميع ذلك, لهذا قال {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي والثوري وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك, وقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} ؟ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها, يعني لا تزوجها حتى تعلمني, رواه ابن أبي حاتم.
وقوله {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} يعني ولا تعقدوا العقدة بالنكاح حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان والزهري وعطاء الخراساني والسدي والثوري والضحاك: {حتى يبلغ الكتاب أجله} يعني ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة, وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في العدة. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها, فدخل بها, فإنه يفرق بينهما, وهل تحرم عليه أبداً ؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه, بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها. وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد, واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار, أن عمر رضي الله عنه, قال: أيما امرأة نكحت في عدتها, فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما, ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول, وكان خاطباً من الخطاب, وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول, ثم اعتدت من الاَخر, ثم لم ينكحها أبداً وقالوا: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أحل الله, عوقب بنقيض قصده, فحرمت عليه على التأبيد كالقاتل يحرم الميراث. وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم ورجع عنه في الجديد, لقول علي أنها تحل له. (قلت) قال: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روى الثوري عن أشعث, عن الشعبي, عن مسروق, أن عمر رجع عن ذلك, وجعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان.
وقوله: {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}, توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء, وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر, ثم لم يؤيسهم من رحمته, ولم يقنطهم من عائدته, فقال {واعلموا أن الله غفور حليم}.


** لاّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلّقْتُمُ النّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسّوهُنّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنّ فَرِيضَةً وَمَتّعُوهُنّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ
أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها, وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس وإبراهيم والحسن البصري: المس النكاح, بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها, إن كانت مفوضة وإن كان في هذا إنكسار لقلبها, ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله, على الموسع قدره, وعلى المقتر قدره. وقال سفيان الثوري, عن إسماعيل بن أمية عن عكرمة, عن ابن عباس: قال, متعة الطلاق أعلاه الخادم, ودون ذلك الورق, ودون ذلك الكسوة. وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: إن كان موسراً متعها بخادم أو نحو ذلك, وإن كان معسراً أمتعها بثلاثة أثواب. وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب, قال: وكان شريح يمتع بخمسمائه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب بن سيرين, قال: كان يمتع بالخادم أو بالنفقة أو بالكسوة. قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف, ويروى أن المرأة قالت: متاع قليل من حبيب مفارق. وذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها. وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة, وأحب ذلك إليّ اني أستحسن ثلاثين درهماً, كما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقد اختلف العلماء أيضاً: هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها, على أقوال: أحدها أنها تجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} ولقوله تعالى: { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكنّ سراحاً جميلاً} وقد كن مفروضاً لهن ومدخولاً بهن, وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري, وهو أحد قولي الشافعي ومنهم من جعله الجديد الصحيح, والله أعلم.
(والقول الثاني) أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس, وإن كانت مفروضاً لها, لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً} قال شعبة وغيره, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, قال: نسخت هذه الاَية التي في الأحزاب الاَية التي في البقرة. وقد روى البخاري في صحيحه, عن سهل بن سعد وأبي أسيد. أنهما قالا: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شرحبيل, فلما أدخلت عليه, بسط يده إليها, فكأنها كرهت ذلك, فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين أزرقين. (القول الثالث) أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها, فإن كان قد دخل بها, وجب لها مهر مثلها إذا كانت وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول, وجب لها عليه شطره, فإن دخل بها استقر الجميع, وكان ذلك عوضاً لها عن المتعة, وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها, فهذه التي دلت هذه الاَية الكريمة على وجوب متعتها, هذا قول ابن عمر ومجاهد, ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول, وهذا ليس بمنكور, عليه تحمل آية التخيير في الأحزاب, ولهذا قال تعالى: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين * وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} ومن العلماء من يقول: إنها مستحبة مطلقاً. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني, حدثنا محمد بن سعيد بن سابق, حدثنا عمرو ـ يعني ابن أبي قيس ـ عن أبي إسحاق, عن الشعبي, قال: ذكروا له المتعة, أيحبس فيها ؟ فقرأ {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} قال الشعبي: والله ما رأيت أحداً حبس فيها, والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة.


** وَإِن طَلّقْتُمُوهُنّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسّوهُنّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النّكَاحِ وَأَن تَعْفُوَاْ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
وهذه الاَية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الاَية الأولى, حيث إنما أوجب في هذه الاَية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول, فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها لا سيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الاَية, والله أعلم. وتشطير الصداق والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء, لا خلاف بينهم في ذلك, فإنه متى كان قد سمى لها صداقاً ثم فارقها قبل دخوله بها, فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق, إلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج وإن لم يدخل بها, وهو مذهب الشافعي في القديم, وبه حكم الخلفاء الراشدون, لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد, أخبرنا ابن جريج عن ليث بن أبي سليم, عن طاوس, عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق, لأن الله يقول: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} قال الشافعي: بهذا أقول, وهو ظاهر الكتاب. قال البيهقي وليث بن أبي سليم, وإن كان غير محتج به, فقد رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس فهو مقوله.
وقوله: {إلا أن يعفون} أي النساء, عما وجب لها على زوجها, فلا يجب لها عليه شيء, قال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: {إلا أن يعفون} قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها. قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله: روي عن شريح وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والشعبي والحسن ونافع وقتادة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني والضحاك والزهري ومقاتل بن حيان وابن سيرين والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: {إلا أن يعفون} يعني الرجال, وهو قول شاذ لم يتابع عليه, انتهى كلامه.
وقوله: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} قال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة حدثني عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ولي عقد النكاح الزوج» وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة به, وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة, عن عمرو بن شعيب, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ولم يقل عن أبيه عن جده, فالله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب, حدثنا أبو داود, حدثنا جابر يعني ابن أبي حازم, عن عيسى يعني ابن عاصم, قال: سمعت شريحاً يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح, فقلت له: هو ولي المرأة, فقال علي: لا, بل هو الزوج, ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح في أحد قوليه, وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع ومحمد بن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبي مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان, أنه الزوج (قلت) وهذا هو الجديد من قولي الشافعي, ومذهب أبي حنيفة وأصحابه, والثوري وابن شبرمة والأوزاعي, واختاره ابن جرير, ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة الزوج, فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها, وكما أنه لا يجوز للوليّ, أن يهب شيئاً من مال المولية للغير, فكذلك في الصداق, قال: والوجه الثاني حدثنا أبي حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا محمد بن مسلم, حدثنا عمرو بن دينار, عن ابن عباس ـ في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح ـ قال: ذلك أبوها أو أخوها أو من لا تنكح إلا بإذنه. وروي عن علقمة والحسن وعطاء وطاوس والزهري وربيعة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وعكرمة في أحد قوليه, ومحمد بن سيرين في أحد قوليه أنه الولي. وهذا مذهب مالك, وقول الشافعي في القديم, ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه, فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها. وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن الربيع الرازي, حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة, قال: أذن الله في العفو وأمر به, فأي امرأة عفت جاز عفوها, فإن شحت وضنت عفا وليها جاز عفوه, وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة, وهو مروي عن شريح, لكن أنكر عليه الشعبي, فرجع عن ذلك وصار إلى أنه الزوج وكان يباهل عليه.
وقوله: {وأن تعفو أقرب للتقوى}. قال ابن جرير: قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء, حدثني يونس, أنبأنا ابن وهب, سمعت ابن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس {وأن تعفوا أقرب للتقوى} قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو, وكذا روي عن الشعبي وغيره. وقال مجاهد والنخعي والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والثوري: الفضل ـ ههنا ـ أن تعفوا المرأة عن شطرها أو إتمام الرجل الصداق لها, ولهذا قال {ولا تنسوا الفضل بينكم} أي الإحسان, قاله سعيد, وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل المعروف: يعني لا تهملوه بل استعملوه بينكم, وقد قال أبو بكر بن مردويه, حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا موسى بن إسحاق, حدثنا عقبة بن مكرم, حدثنا يونس بن بكير, حدثنا عبد الله بن الوليد الرصافي عن عبد الله بن عبيد, عن علي بن أبي طالب, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليأتين على الناس زمان عضوض, يعض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل, وقد قال الله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} شرار يبايعون كل مضطر» وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وعن بيع الغرر, فإن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكاً إلى هلاكه, فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه. وقال سفيان: عن أبي هارون, قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي, فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء, ويقول صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هماً حين رأيتهم أحسن ثياباً, وأطيب ريحاً, وأحسن مركباً, وجالست الفقراء فاسترحت بهم, وقال {ولا تنسوا الفضل بينكم} إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فليدع له, رواه ابن أبي حاتم {إن الله بما تعملون بصير} أي لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم, وسيجزي كل عامل بعمله.


** حَافِظُواْ عَلَى الصّلَوَاتِ والصّلاَةِ الْوُسْطَىَ وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلّمَكُم مّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
ويأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها, كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود, قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل ؟ قال: «الصلاة في وقتها». قلت: ثم أي ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قلت: ثم أي ؟ قال «برّ الوالدين», قال: حدثني بهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس, حدثنا ليث عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم, عن القاسم بن غنام, عن جدته أم أبيه الدنيا, عن جدته أم فروة, وكانت ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الأعمال, فقال «إن أحب الأعمال إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها» وهكذا رواه أبو داود والترمذي, وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري وليس بالقوي عند أهل الحديث, وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى, وقد اختلف السلف والخلف فيها أي صلاة هي ؟ فقيل: إنها الصبح, حكاه مالك في الموطأ بلاغاً عن علي وابن عباس, وقال هشيم وابن علية وغندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشريك وغيرهم عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي, وقال: صليت خلف ابن عباس الفجر, فقنت فيها ورفع يديه, ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين, رواه ابن جرير, ورواه أيضاً من حديث عوف عن خلاس بن عمرو, عن ابن عباس مثله سواء, وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الوهاب, حدثنا عوف عن أبي المنهال, عن أبي العالية, عن ابن عباس, أنه صلى الغداة في مسجد البصرة, فقنت قبل الركوع, وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه, فقال {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} وقال أيضاً: حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني, أخبرنا ابن المبارك, أخبرنا الربيع بن أنس عن أبي العالية, قال: صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة, فقلت لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى ؟ قال: هذه الصلاة. وروي من طريق أخرى عن الربيع عن أبي العالية, أنه صلى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة فلما فرغوا قال: قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسطى ؟ قالوا: التي قد صليتها قبل. وقال أيضاً: حدثنا ابن بشار, حدثنا ابن عثمة عن سعيد بن بشير, عن قتادة, عن جابر بن عبد الله, قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح, وحكاه ابن أبي حاتم عن ابن عمر وأبي أمامة وأنس وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وعكرمة والربيع بن أنس, ورواه ابن جرير عن عبد الله بن شداد وابن الهاد أيضاً, وهو الذي نص عليه الشافعي رحمه الله, محتجاً بقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} والقنوت عنده في صلاة الصبح, ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر, وهي بين صلاتين ورباعيتين مقصورتين, وترد المغرب, وقيل: لأنها بين صلاتين جهريتين وصلاتي نهار سريتين, وقيل: إنها صلاة الظهر, قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن أبي ذئب عن الزبرقان يعني ابن عمرو, عن زهرة يعني ابن معبد, قال: كنا جلوساً عند زيد بن ثابت, فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى, فقال: هي الظهر, كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير, وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة, حدثني عمرو بن أبي حكيم, سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة, ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها, فنزلت {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به وقال أحمد أيضاً: حدثنا يزيد حدثنا ابن أبي ذئب عن الزبرقان أن رهطاً من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى, فقال: هي صلاة العصر فقام إليه رجلان منهم فسألاه, فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه, فقال: هي الظهر, إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير, فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان, والناس في قائلتهم وفي تجارتهم, فأنزل الله {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم». والزبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري, لم يدرك أحداً من الصحابة, الصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير. وقال شعبة وهمام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن زيد بن ثابت, قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر. وقال أبو داود الطيالسي وغيره, عن شعبة: أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب, قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه عن زيد بن ثابت, قال: الصلاة الوسطى هي الظهر, ورواه ابن جرير, عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة عن عبد الصمد, عن شعبة, عن عمر بن سليمان, عن زيد بن ثابت, قال الصلاة الوسطى هي الظهر, ورواه ابن جرير, عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة عن عبد الصمد, عن شعبة, عن عمر بن سليمان, عن زيد بن ثابت, في حديث رفعه, قال «الصلاة الوسطى صلاة الظهر». وممن روي عنه أنها الظهر ابن عمر, وأبو سعيد وعائشة, على اختلاف عنهم, وهو قول عروة بن الزبير وعبد الله بن شداد بن الهاد, ورواية عن أبي حنيفة رحمهم الله, وقيل: إنها صلاة العصر. قال الترمذي والبغوي رحمهما الله: وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم. وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين: وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره. وهو قول جمهور الناس. وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بكشف المغطى تبيين الصلاة الوسطى, وقد نص فيه: أنها العصر, وحكاه عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب وأبي هريرة وأبي سعيد وحفصة وأم حبيبة وأم سلمة وعن ابن عباس وعائشة على الصحيح عنهم, وبه قال عبيدة وإبراهيم النخعي ورزين وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن مريم وغيرهم, وهو مذهب أحمد بن حنبل. قال القاضي الماوردي والشافعي قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن أبي حنيفة, وأبي يوسف ومحمد, واختاره ابن حبيب المالكي, رحمهم الله.
ذكر الدليل على ذلك ـ قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش, عن مسلم, عن شتير بن شكل, عن علي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى, صلاة العصر, ملأ الله قلوبهم وبيوتهم ناراً» ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء, وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير, والنسائي من طريق عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش, عن مسلم بن صبيح عن أبي الضحى, عن شتير بن شكل بن حميد, عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله, وقد رواه مسلم أيضاً من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة, عن يحيى بن الجزار عن علي بن أبي طالب , وأخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق يطول ذكرها عن عبيدة السلماني, عن علي به, ورواه الترمذي والنسائي من طريق الحسن البصري عن علي به, قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عاصم عن زر, قال: قلت لعبيدة: سل علياً عن الصلاة الوسطى, فسأله, فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح, حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى, صلاة العصر, ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم ناراً» ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي به. وحديث يوم الأحزاب, وشغل المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذ, مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم, وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته, أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضا من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب رضي الله عنهما.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الوسطى صلاة العصر» وحدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا أبان, حدثنا قتادة عن الحسن, عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وسماها لنا أنها هي صلاة العصر, وحدثنا محمد بن جعفر وروح, قالا: حدثنا سعيد عن قتادة, عن الحسن عن سمرة بن جندب, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «هي العصر» قال ابن جعفر: سئل عن صلاة الوسطى, ورواه الترمذي من حديث سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن الحسن, عن سمرة, وقال: حسن صحيح, وقد سمع منه حديث آخر. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منيع, حدثنا عبد الوهاب بن عطاء, عن التيمي, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصلاة الوسطى صلاة العصر». (طريق أخرى بل حديث آخر) قال ابن جرير: وحدثني المثنى, حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي, حدثنا الوليد بن مسلم, قال: أخبرني صدقة بن خالد, حدثني خالد بن دهقان, عن خالد بن سبلان, عن كهيل بن حرملة, قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى, فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها, ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس, فقال: أنا أعلم لكم ذلك, فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدخل عليه ثم خرج إلينا, فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر, غريب من هذا الوجه جداً.
(حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق, حدثنا أبو أحمد, حدثنا عبد السلام عن مسلم مولى أبي جبير, حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي, قال: كنت جالساً عند عبد العزيز بن مروان, فقال: يا فلان اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة الوسطى ؟ فقال رجل جالس: أرسلني أبو بكر وعمر, وأنا غلام صغير, أسأله عن الصلاة الوسطى فأخذ أصبعي الصغيرة, فقال «هذه صلا ة الفجر», وقبض التي تليها, فقال «هذه الظهر», ثم قبض الإبهام, فقال «هذه المغرب», ثم قبض التي تليها, فقال «هذه العشاء», ثم قال «أي أصابعك بقيت ؟» فقلت: الوسطى, فقال «أي الصلاة بقيت ؟» فقلت: العصر, فقال «هي العصر» غريب أيضاً جداً.
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش, حدثني أبي حدثني أبو ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصلاة الوسطى صلاة العصر» إسناده لا بأس به.
(حديث آخر) قال أبو الحاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير, حدثنا الجراح بن مخلد, حدثنا عمرو بن عاصم, حدثنا همام بن مورق العجلي, عن أبي الأحوص, عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلاة الوسطى صلاة العصر». وقد روى الترمذي من حديث محمد بن طلحة بن مصرف عن زبيد اليامي, عن مرة الهمداني, عن ابن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلاة الوسطى صلاة العصر», ثم قال: حسن صحيح, وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق محمد بن طلحة به, ولفظه «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» الحديث, فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئاً, ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها, وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من رواية الزهري عن سالم, عن أبيه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» وفي الصحيح أيضاً من حديث الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي قلابة عن أبي كثير عن أبي المهاجر, عن بريدة بن الحصيب, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «بكروا بالصلاة في يوم الغيم, فإنه من ترك صلاة العصر, فقد حبط عمله» وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق, أخبرننا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة, عن أبي تميم عن أبي نصرة الغفاري, قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد من أوديتهم, يقال له الحميص, صلاة العصر, فقال «إن هذه الصلاة عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها, ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين, ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد» ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق عن الليث عن جبير بن نعيم عن عبد الله بن هبيرة به, وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعاً عن قتيبة عن الليث, وراه مسلم أيضاً من حديث محمد بن إسحاق, حدثني يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن جبير بن نعيم الحضرمي, عن عبد الله بن هبيرة السبائي به, فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضاً حدثنا إسحاق, أخبرني مالك, عن زيد بن أسلم, عن القعقاع بن حكيم, عن أبي يونس مولىَ عائشة, قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً, قالت: إذا بلغت هذه الاَية {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فآذني, فلما بلغتها آذنتها, فأملت عليّ {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين} قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به, وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى الحجاج, حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه, قال: كان في مصحف عائشة {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر} وهكذا رواه من طريق الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك وقد روى الإمام مالك أيضاً عن زيد بن أسلم, عن عمرو بن رافع, قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم, فقالت: إذا بلغت هذه الاَية فآذني {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلما بلغتها آذنتها, فأملت علي {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين}. هكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى ابن عمر أن عمر بن نافع قال فذكر مثله وزاد كما حفظتها من النبي صلى الله عليه وسلم.
(طريق أخرى عن حفصة) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن أبي بشر, عن عبد الله بن يزيد الأزدي, عن سالم بن عبد الله, أن حفصة أمرت إنساناً أن يكتب لها مصحفاً, فقالت: إذا بلغت هذه الاَية {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فآذني, فلما بلغ آذنها, فقالت: اكتب {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر}.
(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى, حدثنا عبد الوهاب, حدثنا عبيد الله عن نافع, أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفاً, فقالت: إذا بلغت هذه الاَية {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها, فلما بلغها أمرته فكتبها {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين}. قال نافع: فقرأت ذلك المصحف, فوجدت فيه الواو. وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير أنهما قرأا كذلك , وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا عبدة, حدثنا محمد بن عمرو, حدثني أبو سلمة عن عمرو بن رافع مولى عمر, قال: كان في مصحف حفصة {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين} وتقرير المعارضة أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة, فدل ذلك على أنها غيرها, وأجيب عن ذلك بوجوه (أحدها) أن هذا إن روي على أنه خبر, فحديث علي أصح وأصرح منه, وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة, كما في قوله {وكذلك نفصل الاَيات ولتستبين سبيل المجرمين} {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين}, أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات, كقوله {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} وكقوله {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوىّ والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى} وأشباه ذلك كثيرة وقال الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهماموليث الكتيبة في المزدحم
وقال أبو داود الأيادي:
سلط الموت والمنون عليهمفلهم في صدى المقابر هام
والموت هو المنون, قال عدي بن زيد العبادي:
فقدمت الأديم لراهشيهفألفى قولها كذباً ومينا
والكذب هو المين, وقد نص سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك, ويكون الصاحب هو الأخ نفسه, والله أعلم, وأما إن روي على أنه قرآن, فإنه لم يتواتر فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن, ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في المصحف, ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم, لا من السبعة ولا من غيرهم. ثم قد روي ما يدل على نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث, قال مسلم: حدثنا إسحق بن راهويه, أخبرنا يحيى بن آدم عن فضيل بن مرزوق, عن شقيق بن عقبة, عن البراء بن عازب, قال: نزلت {حافظوا على الصلوات وصلاة العصر} فقرأناها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله, ثم نسخها الله عز وجل, فأنزل {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فقال له زاهر رجل كان مع شقيق: أفهي العصر ؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت, وكيف نسخها الله عز وجل. قال مسلم: ورواه الأشجعي عن الثوري, عن الأسود, عن شقيق (قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد, والله أعلم, فعلى هذا تكون هذه التلاوة وهي تلاوة الجادة ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة ولمعناها إن كانت الواو دالة على المغايرة, وإلا فلفظها فقط, والله أعلم.
وقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب, رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس, وفي إسناده نظر, فإنه رواه عن أبيه عن أبي الجماهير عن سعيد بن بشير, عن قتادة عن أبي الخليل, عن عمه, عن ابن عباس, قال: صلاة الوسطى المغرب. وحكى هذا القول ابن جرير, عن قبيصة بن ذؤيب, وحكى أيضاً عن قتادة على اختلاف عنه, ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية, وبأنها وتر المفروضات, وبما جاء فيها من الفضلية, والله أعلم.
وقيل: إنها العشاء الأخير, اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور, وقيل: هي واحد من الخمس لا بعينها وأبهمت فيهن, كما أبهمت ليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر, ويحكى هذا القول عن سعيد بن المسيب وشريح القاضي ونافع مولى ابن عمر, والربيع بن خيثم, ونقل أيضاً عن زيد بن ثابت واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته.
وقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس, رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر, وفي صحته أيضاً نظر, والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمرو بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر, وإنها لإحدى الكبر إذا اختاره مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر. وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة. وقيل صلاة الخوف. وقيل: بل صلاة عيد الفطر. وقيل: بل صلاة الأضحى, وقيل: الوتر. وقيل: الضحى. وتوقف فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة, ولم يظهر لهم وجه الترجيح, ولم يقع الإجماع على قول واحد, بل لم يزل النزاع فيها موجوداً من زمان الصحابة وإلى الاَن. قال ابن جرير: حدثني محمد بن بشار وابن مثنى, قالا: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة, قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب, قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه, وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها, وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر, وقد ثبت السنة بأنها العصر فتعين المصير إليها. وقد روى الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمهما الله في كتاب الشافعي رحمه الله, حدثنا أبي سمعت حرملة بن يحيى التجيبي يقول: قال الشافعي, كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم. بخلاف قولي مما يصح, فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى ولا تقلدوني, وكذاروى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل عن الشافعي, وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود عن الشافعي: إذا صح الحديث وقلت قولاً, فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك, فهذا من سيادته وأمانته, وهذا نفس إخوانه من الأئمة رحمهم الله, أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر, وإن كان قد نص في الجديد وغيره أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر, وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب الشافعي, وصمموا على أنها الصبح قولاً واحداً, قال المارودي: ومنهم من حكى في المسألة قولين ولتقرير المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة ولله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} أي خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه, وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها, ولهذا لما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الرد على ابن مسعود حين سلّم عليه وهو في الصلاة, اعتذر إليه بذلك وقال «إن الصلاة لشغلاً». وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس, إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله», وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد, عن إسماعيل, حدثني الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني, عن زيد بن أرقم, قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحاجة في الصلاة, حتى نزلت هذه الاَية {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت, رواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن إسماعيل به, وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة, كما دل على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح, قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيرد علينا, قال: فلما قدمنا سلمت عليه فلم يرد علي, فأخذني ما قرب وما بعد, فلما سلم قال «إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة, وإن الله يحدث من أمره ما يشاء, وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديماً وهاجر إلى الحبشة, ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم فهاجر إلى المدينة, وهذه الاَية {وقوموا لله قانتين} مدنية بلا خلاف, فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم بقوله: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة, الإخبار عن جنس الكلام, واستدل على تحريم ذلك بهذه الاَية بحسب ما فهمه منها, والله أعلم, وقال آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها, ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين, كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم, والأول أظهر, والله أعلم, وقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا بشر بن الوليد, أخبرنا إسحاق بن يحيى عن المسيب, عن ابن مسعود, قال كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة, فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه, فلم يرد علي, فوقع في نفسي أنه نزل في شيء فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال «وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله, إن الله عز وجل يحدث من أمره ما يشاء, إذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا» وقوله {فإن خفتم فرجالاً أوركباناً فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون}, لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها, وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال الذي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل, وهي حال القتال والتحام الحرب, فقال {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} أي فصلوا على أي حال كان رجالاً أو ركباناً يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها, كما قال مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها, ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً على أقدامهم, أو ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها, قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم, ورواه البخاري وهذا لفظ مسلم, ورواه البخاري من وجه آخر عن ابن جريج, عن موسى بن عقبة, عن نافع, عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه أو قريباً منه, ولمسلم أيضاً عن ابن عمر, قال : فإن كان خوف أشد من ذلك, فصل راكباً أو قائماً تومى إيماءً, وفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله, وكان نحو عرفة أو عرفات, فلما واجهه حانت صلاة العصر, قال فخشيت أن تفوتني فجعلت أصلي وأنا أومى إيماء الحديث بطوله رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد, وهذا من رخص الله التي رخص لعباده ووضعه الاَصار والأغلال عنهم, وقد روى ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: في هذه الاَية يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه, قال وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول والسدي والحكم ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح, نحو ذلك ـ وزاد: ويومى برأسه أينما توجه, ثم قال: حدثنا أبي, حدثنا غسان, حدثنا داود يعني ابن علية عن مطرف, عن عطية, عن جابر بن عبد الله, قال: إذا كانت المسايفة فليومى برأسه حيث كان وجهه, فذلك قوله {فرجالاً أو ركباناً}, وروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعطية والحكم وحماد وقتادة نحو ذلك, وقد ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان, وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ـ زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ ـ كلاهما عن بكير بن الأخنس الكوفي, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً, وفي السفر ركعتين, وفي الخوف ركعة, وبه قال: الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا ابن مهدي عن شعبة, قال: سألت الحكم وحماداً وقتادة عن صلاة المسايفة, فقالوا: ركعة, وهكذا روى الثوري عنهم سواء, وقال ابن جرير أيضاً: حدثني سعيد بن عمرو السكوني, حدثنا بقية بن الوليد, حدثنا المسعودي, حدثنا يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله, قال: صلاة الخوف ركعة. واختار هذا القول ابن جرير, وقال البخاري: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو). وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة, صلوا إيماء كل امرى لنفسه, فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال, ويأمنوا فيصلوا ركعتين, فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين, فإن لم يقدروا لا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول, وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تستر عند غضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال, فلم يقدروا على الصلاة, فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار, فصليناها ونحن مع أبي موسى, ففتح لنا. قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. هذا لفظ البخاري, ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق لعذر المحاربة إلى غيبوبة الشمس, وبقوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا: لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل السير, ومنهم من أدركته فلم يصل إلى أن غربت الشمس في بني قريظة, فلم يعنف واحداً من الفريقين, وهذا على اختيار البخاري لهذا القول, والجمهور على خلافه, ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء, ووردت بها الأحاديث, لم تكن مشروعة في غزوة الخندق, وإنما شرعت بعد ذلك, وقد جاء مصرحاً بهذا في حديث أبي سعيد وغيره, وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي جواز ذلك, لأن هذا حال نادر خاص, فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تستر وقد اشتهر ولم ينكر, و لله أعلم.
وقوله {فإذا أمنتم فاذكروا الله} أي أقيموا صلاتكم كما أمرتم, فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها, {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} أي مثل ما أنعم عليكم وهداكم وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والاَخرة فقابلوه بالشكر والذكر, كقوله بعد صلاة الخوف {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} وستأتي الأحاديث االواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} الاية.


** وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيّةً لأزْوَاجِهِمْ مّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنّ مِن مّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلِلْمُطَلّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ
قال الأكثرون: هذه الاَية منسوخة بالتي قبلها, وهي قوله {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}. قال البخاري: حدثنا أمية حدثنا يزيد بن زريع, عن حبيب, عن ابن أبي مليكة, قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} قد نسختها الاَية الأخرى, فلم تكتبها أو تدعها, قال يا ابن أخي, لا أغير شيئاً منه من مكانه. ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها, وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها ؟ فأجابه أمير المؤمنين, بأن هذا أمر توقيفي, وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها, فأثبتها حيث وجدتها, قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح, حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء, عن ابن عباس في قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج} فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة, فننسخها آية المواريث فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج, ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني والربيع بن أنس أنها منسوخة. وروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس, قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله, ثم أنزل الله بعد {والذي يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} فهذه عدة المتوفى عنها زوجها, إلا أن تكون حاملاً, فعدتها أن تضع ما في بطنها, وقال {ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم} فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة, قال: وروي عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان, قالوا: نسختها {أربعة أشهر وعشراً}. قال: وروي عن سعيد بن المسيب, قال: نسختها التي في الأحزاب {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} الاَية, (قلت) وروي عن مقاتل وقتادة أنها منسوخة بآية الميراث, وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن راهويه, حدثنا روح, حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} قال: كانت هذه للمعتدة, تعتد عند أهل زوجها واجب. فأنزل الله {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج, فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهم من معروف} قال: جعل الله تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة, وصية إن شاءت سكنت في وصيتها, وإن شاءت خرجت, وهو قول الله {غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم} فالعدة كما هي واجب عليها, زعم ذلك عن مجاهد رحمه الله, وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الاَية عدتها عند أهلها, فتعتد حيث شاءت, وهو قول الله تعالى: {غير إخراج} قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها, وإن شاءت خرجت, لقول الله {فلا جناح عليكم فيما فعلن} قال عطاء: ثم جاء الميراث, فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت, ولا سكنى لها, ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا القول, الذي عول عليه مجاهد وعطاء, من أن هذه الاَية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة, كما زعمه الجمهور, حتى يكون ذلك منسوخاً بالأربعة الأشهر وعشر, وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات بأن يمكنّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولاً كاملاً إن اخترن ذلك, ولهذا قال {وصية لأزواجهم} أي يوصيكم الله بهن وصية كقوله {يوصيكم الله في أولادكم} الاَية, وقوله: {وصية من الله} وقيل: إنما انتصب على معنى فلتوصوا لهن وصية وقرأ آخرون بالرفع وصية على معنى كتب عليكم وصية واختارها ابن جرير, ولا يمنعنه من ذلك لقوله {غير إخراج} فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر, أو بوضع الحمل, واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل, فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله {فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف} وهذا القول له اتجاه, وفي اللفظ مساعدة له, وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون, منهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر, وقول عطاء ومن تابعه, على أن ذلك منسوخ بآية الميراث, إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلم, وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت, فهذا محل خلاف بين الأئمة وهما قولان للشافعي رحمه الله, وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج, بما رواه مالك في موطئه, عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة, عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة, أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري, رضي الله عنهما, أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة, فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة, فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة, قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعم» قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت له فقال «كيف قلت» ؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت له شأن زوجي, فقال «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً, قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك, فأخبرته فاتبعه وقضى به, وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به. ورواه النسائي أيضاً وابن ماجه من طرق عن سعد بن إسحاق به, وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما نزل قوله تعالى: {متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين} قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت, وإن شئت لم أفعل, فأنزل الله هذه الاَية {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} وقد استدل بهذه الاَية, من ذهب من العلماء, إلى وجوب المتعة لكل مطلقة, سواء كانت مفوضة, أو مفروضاً لها, أو مطلقة قبل المسيس, أو مدخولاً بها, وهو قول عن الشافعي رحمه الله, وإليه ذهب سعيد بن جبير, وغيره من السلف, واختاره ابن جرير, ومن لم يوجبها مطلقاً, يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين} وأجاب الأولون بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم, فلا تخصيص على المشهور المنصوص, والله أعلم.
ـ وقوله {كذلك يبين الله لكم آياته} أي في إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده, فيما أمركم ونهاكم عنه, بينه ووضحه وفسره, ولم يتركه مجملاً في وقت احتياجكم إليه {لعلكم تعقلون} أي تفهمون وتتدبرون.
«

** أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمّ أَحْيَاهُمْ إِنّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مّن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف, وعنه كانوا ثمانية آلاف وقال أبو صالح: تسعة آلاف, وعن ابن عباس أربعون ألفاً, وقال وهب بن منبه وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس, قال: كانوا أهل قرية يقال لها داوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد من قبل واسط, وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات, وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مثل. وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل داوردان قرية على فرسخ من قبل واسط. وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي, عن المنهال بن عمرو الأسدي, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون قالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم {موتوا} فماتوا, فمر عليهم نبي من الأنبياء, فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم, فذلك قوله عز وجل {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} الاَية. وذكر غير واحد من السلف, أن هؤلاء القوم, كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم, وأصابهم بها وباء شديد, فخرجوا فراراً من الموت, هاربين إلى البرية, فنزلوا وادياً أفيح, فملؤوا ما بين عدوتيه, فأرسل الله إليهم ملكين, أحدهما من أسفل الوادي, والاَخر من أعلاه, فصاحا بهم صيحة واحدة, فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد, فحيزوا إلى حظائر, وبني عليهم جدران وقبور, وفنوا وتمزقوا وتفرقوا, فلما كان بعد دهر, مرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل, يقال له حزقيل, فسأل الله أن يحييهم على يديه, فأجابه إلى ذلك, وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية, إن الله يأمرك أن تجتمعي, فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض, ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وعصباً وجلداً, فكان ذلك وهو يشاهد, ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح, إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فقاموا أحياءً ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت. وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة, ولهذا قال: {إن الله لذو فضل على الناس}, أي فيما يريهم من الاَيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} أي لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم. وفي هذه القصة عبرة ودليل, على أنه لن يغني حذر من قدر, وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه, فإن هؤلاء خرجوا فراراً من الوباء, طلباً لطول الحياة, فعوملوا بنقيض قصدهم, وجاءهم الموت سريعاً في آن واحد. ومن هذا القبيل, الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى, أخبرنا مالك وعبد الرزاق, أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل, عن عبد الله بن عباس, أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ, لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه, فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام, فذكر الحديث, فجاءه عبد الرحمن بن عوف, وكان متغيباً لبعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علماً, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه, وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه» فحمد الله عمر ثم انصرف, وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به بطريق أخرى لبعضه. قال أحمد: حدثنا حجاج ويزيد العمي, قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض, فلا تدخلوها, وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً» قال: فرجع عمر من الشام, وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك, عن الزهري بنحوه. وقوله: {وقاتلوا في



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 08:48 PM   #28
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
وقوله: {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} أي كما أن الحذر لا يغني من القدر, كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه, لا يقرب أجلا ولا يبعده, بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه, كما قال تعالى: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا: لو أطاعونا ما قتلوا, قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين}, وقال تعالى: {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب, قل متاع الدنيا قليل والاَخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا * أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} وروينا عن أمير الجيوش, ومقدم العساكر, وحامي حوزة الإسلام, وسيف الله المسلول على أعدائه: أبي سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه, أنه قال وهو في سياق الموت: لقد شهدت كذا وكذا موقفاً. وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير, فلا نامت أعين الجبناء ـ يعني أنه يتألم لكونه ما مات قتيلاً في الحرب, ويتأسف على ذلك, ويتألم أن يموت على فراشه. وقوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة}, يحث تعالى عباده على الانفاق في سبيل الله, وقد كرر تعالى هذه الاَية في كتابه العزيز في غير موضع, وفي حديث النزول أنه يقول تعالى: «من يقرض غير عديم ولا ظلوم» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة, حدثنا خلف بن خليفة, عن حميد الأعرج, عن عبد الله بن الحارث, عن عبد الله بن مسعود, قال: لما نزلت {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له}, قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله, وإن الله عز وجل ليريد منا القرض ؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح». قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده, قال: فإني قد أقرضت ربي عز وجل حائطي, قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة, وأم الدحداح فيه وعيالها. قال فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. قال: اخرجي, فقد أقرضته ربي عز وجل. وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه, عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً بنحوه, وقوله: {قرضاً حسناً} روي عن عمر وغيره من السلف هو النفقة في سبيل الله, وقيل: هو النفقة على العيال, وقيل: هو التسبيح والتقديس. وقوله: {فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} كما قال تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء} الاَية, وسيأتي الكلام عليها. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, أخبرنا مبارك بن فضالة, عن علي بن زيد, عن أبي عثمان النهدي, قال: أتيت أبا هريرة رضي الله عنه, فقلت له: إنه بلغني أنك تقول إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة, قال: وما أعجبك من ذلك, لقد سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» هذا حديث غريب, وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير, لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب, حدثنا يونس بن محمد المؤدب, حدثنا محمد بن عقبة الرفاعي عن زياد الجصاص عن أبي عثمان النهدي, قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني, فقدم قبلي حاجاً, قال: وقدمت بعده, فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول «إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة» فقلت: ويحكم, والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني, فما سمعت هذا الحديث, قال: فتحملت أريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجاً, فانطلقت إلى الحج ألقاه في هذا الحديث, فلقيته لهذا, فقلت: يا أبا هريرة, ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك ؟ قال: ما هو ؟ قلت: زعموا أنك تقول: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة, قال: يا أبا عثمان, وما تعجب من ذا, والله يقول {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} ويقول {وما متاع الحياة الدنيا في الاَخرة إلا قليل} ؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول: «إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة». وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي وغيره من طريق عمرو بن دينار, عن سالم, عن عبد الله بن عمر بن الخطاب, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من دخل سوقاً من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لاشريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير ـ كتب الله له ألف ألف حسنة, ومحا عنه ألف ألف سيئة» الحديث, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة إسماعيل بن إبراهيم بن بسام, حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عيسى بن المسيب, عن نافع, عن ابن عمر, قال: لما نزلت {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} إلى آخرها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رب زد أمتي», فنزلت {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة}. قال «رب زد أمتي», فنزلت {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}. وروى ابن أبي حاتم أيضاً. عن كعب الأحبار: أنه جاءه رجل فقال: إني سمعت رجلاً يقول: من قرأ {قل هو الله أحد} مرة واحدة, بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من درّ وياقوت في الجنة, أفأصدق ذلك ؟ قال: نعم, أو عجبت من ذلك ؟ قال: نعم, وعشرين ألف ألف وثلاثين ألف ألف وما لا يحصي ذلك إلا الله, ثم قرأ {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} فالكثير من الله لا يحصى وقوله {والله يقبض ويبسط} أي أنفقوا ولا تبالوا, فا لله هو الرازق يضيق على من يشاء من عباده في الرزق, ويوسعه على آخرين, له الحكمة البالغة في ذلك {وإليه ترجعون} أي يوم القيامة.


** أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيّ لّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلّوْاْ إِلاّ قَلِيلاً مّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ
قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: هذا النبي هو يوشع بن نون قال ابن جرير: يعني ابن أفرايم بن يوسف بن يعقوب, وهذا القول بعيد لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل, وكان ذلك في زمان داود عليه السلام, كما هو مصرح به في القصة, وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة, والله أعلم وقال السدي: هو شمعون. وقال مجاهد: هو شمويل عليه السلام, وكذا قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: وهو شمريل بن بالي بن علقمة بن ترخام بن اليهد بن بهرض بن علقمة بن ماجب بن عموصا بن عزريا بن صفية بن علقمة بن أبي ياشف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام. وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق الاستقامة مدة من الزمان, ثم أحدثوا الأحداث, وعبد بعضهم الأصنام, ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف, وينهاهم عن المنكر, ويقيمهم على منهج التوراة, إلى أن فعلوا ما فعلوا, فسلط الله عليهم أعداءهم, فقتلوا منهم مقتلة عظيمة, وأسروا خلقاً كثيراً, وأخذوا منهم بلاداً كثيرة, ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه, وذلك أنهم كان عندهم التوراة, والتابوت الذي كان في قديم الزمان, وكان ذلك موروثاً لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم عليه الصلاة والسلام, فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب, وأخذوا التوراة من أيديهم, ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل, وانقطعت النبوة من أسباطهم, ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل, فأخذوها فحبسوها في بيت, واحتفظوا بها لعل الله يرزقها غلاماً يكون نبياً لهم, ولم تزل المرأة تدعو الله عز وجل أن يرزقها غلاماً, فسمع الله لها ووهبها غلاماً, فسمته شمويل, أي سمع الله دعائي, ومنهم من يقول: شمعون, وهو بمعناه, فشب ذلك الغلام, ونشأ فيهم, وأنبتها لله نباتاً حسناً, فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه, وأمره بالدعوة إليه وتوحيده, فدعا بني إسرائيل, فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكاً يقاتلون معه أعداءهم, وكان الملك أيضاً قد باد فيهم, فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكاً ألا تقاتلوا وتفوا بما التزمتم من القتال معه, {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} أي وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد, قال الله تعالى: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين} أي ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم, والله عليم بهم.


** وَقَالَ لَهُمْ نَبِيّهُمْ إِنّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنّىَ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ الْمَالِ قَالَ إِنّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ أي لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً منهم, فعين لهم طالوت, وكان رجلاً من أجنادهم, ولم يكن من بيت الملك فيهم, لأن الملك كان في سبط يهوذا, ولم يكن هذا من ذلك السبط, فلهذا قالوا: {أنى يكون له الملك علينا}, أي كيف يكون ملكاً علينا {ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} أي هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك, وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء, وقيل: دباغاً, وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت, وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف, ثم قد أجابهم النبي قائلاً: {إن الله اصطفاه عليكم} أي اختاره لكم من بينكم, والله أعلم به منكم, يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي, بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك, {وزاده بسطة في العلم والجسم} أي وهو مع هذا, أعلم منكم, وأنبل, وأشكل منكم, وأشد قوة وصبراً في الحرب ومعرفة بها, أي أتم علماً وقامة منكم, ومن ههنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه¹ ثم قال {والله يؤتي ملكه من يشاء} أي هو الحاكم الذي ما شاء فعل, ولا يُسأل عما يفعل, وهم يسألون لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه, ولهذا قال {والله واسع عليم} أي هو واسع الفضل, يختص برحمته من يشاء, عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه.


** وَقَالَ لَهُمْ نِبِيّهُمْ إِنّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رّبّكُمْ وَبَقِيّةٌ مّمّا تَرَكَ آلُ مُوسَىَ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّكُمْ إِن كُنْتُم مّؤْمِنِينَ
يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم, أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم {فيه سكينة من ربكم} قيل معناه وقار وجلالة. قال عبد الرزاق عن معمر, عن قتادة {فيه سكينة} أي وقار: وقال الربيع: رحمة, وكذا روي عن العوفي, عن ابن عباس. وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله {فيه سكينة من ربكم} ؟ قال: ما تعرفون من آيات الله فتسكنون إليه, وكذا قال الحسن البصري. وقيل: السكينة طست من ذهب, كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء, أعطاها الله موسى عليه السلام, فوضع فيها الألواح, ورواه السدي عن أبي مالك عن ابن عباس, وقال سفيان الثوري, عن سلمة بن كهيل, عن أبي الأحوص, عن علي, قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان, ثم هي روح هفافة. وقال ابن جرير, حدثني المثنى, حدثنا أبو داود, حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحواص, كلهم عن سماك عن خالد بن عرعرة, عن علي, قال: السكينة ريح خجوج, ولها رأسان. وقال مجاهد: لها جناحان وذنب. وقال محمد بن إسحاق, عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت بصراخ هر, أيقنوا بالنصر, وجاءهم الفتح. وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله, أنه سمع وهب بن منبه يقول: السكينة روح من الله تتكلم, إذا اختلفوا في شيء تكلم, فتخبرهم ببيان ما يريدون.
ـ وقوله {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} قال ابن جرير: أخبرنا ابن مثنى, حدثنا أبو الوليد, حدثنا حماد عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس, في هذه الاَية {وبقية مما ترك موسى وآل هارون} قال: عصاه, ورضاض الألواح, وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة, وزاد: والتوراة. قال أبو صالح {وبقية مما ترك آل موسى} يعني عصا موسى, وعصا هارون, ولوحين من التوراة, والمن. وقال عطية بن سعد: عصا موسى, وعصا هارون, وثياب موسى, وثياب هارون, ورضاض الألواح. وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون}, فقال: منهم من يقول: قفيز من منّ, ورضاض الألواح, ومنهم من يقول: العصا والنعلان.
ـ وقوله {تحمله الملائكة} قال ابن جريح: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون, قال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت, فآمنوا بنبوة شمعون, وأطاعوا طالوت. وقال عبد الرزاق, عن الثوري, عن بعض أشياخه, جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على بقرة, وقيل: على بقرتين. وذكر غيره: أن التابوت كان بأريحا, وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير فأصبح التابوت على رأس الصنم فانزلوه فوضعوه تحته, فأصبح كذلك, فسمروه تحته, فأصبح الصنم مكسور القوائم, ملقى بعيداً, فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به, فأخرجوا التابوت من بلدهم, فوضعوه في بعض القرى, فاصاب أهلها داء في رقابهم, فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء, فحملوه على بقرتين فسارتا به, لا يقربه أحد إلا مات, حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل, فكسرتا النيرين ورجعتا, وجاء بنو إسرائيل فأخذوه, فقيل: إنه تسلمه داود عليه السلام, وإنه لما قام إليهما خجل من فرحه بذلك, وقيل: شابان منهم, فالله أعلم وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها أزدرد.
وقوله {إن في ذلك لاَية لكم} أي على صدقي فيما جئتكم به من النبوة, وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت {إن كنتم مؤمنين} أي با لله واليوم الاَخر.


** فَلَمّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنّهُ مِنّيَ إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مّنْهُمْ فَلَمّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُمْ مُلاَقُواْ اللّهِ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ
يقول تعالى مخبراً عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده, ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل, وكان جيشه يومئذ فيما ذكره السدي ثمانين ألفاً, فالله أعلم, أنه قال {إن الله مبتليكم} أي مختبركم بنهر, قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين, يعني نهر الشريعة المشهور, {فمن شرب منه فليس مني} أي فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه {ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده}, أي فلا بأس عليه, قال الله تعالى: { فشربوا منه إلا قليلا منهم} قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي, ومن شرب منه لم يرو. وكذا رواه السدي عن أبي مالك, عن ابن عباس: وكذا قال قتادة وابن شوذب, وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفاً, فشرب منه ستة وسبعون ألفاً, وتبقى معه أربعة آلاف, كذا قال. وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب, قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر, وما جازه معه إلا مؤمن, ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء, عن إسرائيل بن يونس, عن أبي إسحاق, عن جده, عن البراء بنحوه, ولهذا قال تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} أي استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم, فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق, فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عدد ولا عدد. ولهذا قالوا{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}.


** وَلَمّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَهُ مِمّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَـَكِنّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ وَإِنّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
أي لما واجه حزب الإيمان, وهم قليل من أصحاب طالوت, لعدوهم أصحاب جالوت, وهم عدد كثير {قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً} أي أنزل علينا صبراً من عندك {وثبت أقدامنا} أي في لقاء الأعداء, وجنبنا الفرار والعجز {وانصرنا على القوم الكافرين}.
قال الله تعالى: {فهزموهم بإذن الله} أي غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم {وقتل داود جالوت} ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده, رماه به فأصابه فقتله, وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته, ويشاطره نعمته, ويشركه في أمره, فوفى له ثم آل الملك إلى دواد عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة, ولهذا قال تعالى: {وآتاه الله الملك} الذي كان بيد طالوت {والحكمة} أي النبوة بعد شمويل {وعلمه مما يشاء} أي مما يشاء الله من العلم الذي اختص به صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} أي لولا الله يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً} الاَية, وقال ابن جرير: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة, حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة, عن وبرة بن عبد الرحمن, عن ابن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء» ثم قرأ ابن عمر {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} وهذا إسناد ضعيف, فإن يحيى بن سعيد هذا, هو ابن العطار الحمصي, وهو ضعيف جداً, ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي, حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا عثمان بن عبد الرحمن, عن محمد بن المنكدر, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده, وولد ولده, وأهل دويرته, ودويرات حوله, ولا يزالون في حفظ الله عزّ وجل, ما دام فيهم» وهذا أيضاً غريب ضعيف لما تقدم أيضاً, وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا علي بن إسماعيل بن حماد, أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد, أخبرنا زيد بن الحباب, حدثني حماد بن زيد, عن أيوب, عن أبي قلابة, عن أبي أسماء, عن ثوبان رفع الحديث, قال «لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون, وبهم تمطرون, وبهم ترزقون, حتى يأتي أمر الله». وقال ابن مردويه أيضاً: وحدثنا محمد بن أحمد, حدثنا محمد بن جرير بن يزيد, حدثنا أبو معاذ نهار بن معاذ بن عثمان الليثي, عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني, عن عبادة بن الصامت, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأبدال في أمتي ثلاثون, بهم ترزقون, وبهم تمطرون, وبهم تنصرون» قال قتادة, إني لأرجو أن يكون الحسن منهم.
وقوله {ولكن الله ذو فضل على العالمين} أي ذو منّ عليهم ورحمة بهم, يدفع عنهم ببعضهم بعضاً, وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.
ثم قال تعالى: {تلك آيات اللهنتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين} أي هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق, أي بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل, {وإنك} يا محمد {لمن المرسلين} وهذا توكيد وتوطئة للقسم.


** تِلْكَ الرّسُلُ فَضّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ مّنْهُمْ مّن كَلّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيّنَاتِ وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الّذِينَ مِن بَعْدِهِم مّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ وَلَـَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض, كما قال تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا}, وقال ههنا {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله} يعني موسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم, وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه {ورفع بعضهم درجات} كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم, الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل, (فإن قيل) فما الجمع بين هذه الاَية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة, قال استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود, فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده, فلطم بها وجه اليهودي, فقال: أي خبيث ؟ وعلى محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فاشتكى على المسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على الأنبياء, فإن الناس يصعقون يوم القيامة, فأكون أول من يفيق , فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش, فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ؟ فلا تفضلوني على الأنبياء» وفي رواية «لا تفضلوا بين الأنبياء» فالجواب من وجوه (أحدها) أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل, وفي هذا نظر (الثاني) أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع, (الثالث) أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. (الرابع) لا تفضلوا بمجرد الاَراء والعصبية. (الخامس) ليس مقام التفضيل إليكم, وإنما هو إلى الله عز وجل, وعليكم الانقياد والتسليم له, والإيمان به.
وقوله {وآتينا عيسى بن مريم البينات} أي الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم {وأيدناه بروح القدس} يعني أن الله أيده بجبريل عليه السلام, ثم قال تعالى: {ولو شاء الله مااقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا} أي كل ذلك عن قضاء الله وقدره, لهذا قالوا {ولكن الله يفعل ما يريد}.


** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ
يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله, سبيل الخير, ليدّخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم, وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا, {من قبل أن يأتي يوم} يعني يوم القيامة {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} أي لا يباع أحد من نفسه ولا يفادي بمال لو بذل, ولو جاء بملء الأرض ذهباً, ولا تنفعه خلة أحد, يعني صداقته بل ولا نسابته, كما قال {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} ولا شفاعة: أي ولا تنفعهم شفاعة الشافعين.
وقوله {والكافرون هم الظالمون} مبتدأ محصور في خبره, أي ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافراً, وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال {والكافرون هم الظالمون} ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.


** اللّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ
هذه آية الكرسي, ولها شأن عظيم, وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل آية في كتاب الله. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا سفيان, عن سعيد الجريري, عن أبي السليل, عن عبد الله بن رباح, عن أبي هو ابن كعب, أن النبي صلى الله عليه وسلم, سأله «أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قال الله ورسوله أعلم, فرددها مراراً, ثم قال: آية الكرسي, قال «ليهنك العلم أبا المنذر, والذي نفسي بيده, إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش» وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة, عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى, عن الجريري به, وليس عنده زيادة: والذي نفسي بيده الخ.
(حديث آخر) عن أبي أيضاً في فضل آية الكرسي, قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي, حدثنا مبشر عن الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, عن عبدة بن أبي لبابة, عن عبد الله بن أبي بن كعب, أن أباه أخبره أنه كان له جرن فيه تمر, قال: فكان أبي يتعاهده, فوجده ينقص, قال: فحرسه ذات ليلة, فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم, قال: فسلمت عليه, فرد السلام, قال: فقلت: ما أنت ؟ جني أم أنسي ؟ قال: جني. قال: ناولني يدك, قال فناولني يده, فإذا يد كلب وشعر كلب, فقلت: هكذا خلق الجن . قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني. قلت: فما حملك على ما صنعت ؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة, فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم ؟ قال: هذه الاَية, آية الكرسي, ثم غدا إلى النبي فأخبره, فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق الخبيث» وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي, عن حرب بن شداد, عن يحيى بن أبي كثير, عن الحضرمي بن لاحق, عن محمد بن عمرو بن أبي بن كعب, عن جده به, وقال الحاكم: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه.
(طريق آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا عثمان بن غياث, قال: سمعت أبا السليل, قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الناس حتى يكثروا عليه, فيصعد على سطح بيت, فيحدث الناس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله: «أي آية في القرآن أعظم ؟» فقال رجل {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال: فوضع يده بين كتفي, فوجدت بردها بين ثديي, أو قال: فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي, وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر.
(حديث آخر) عن الأسقع البقري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو زيد القرطيسي, حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي, حدثنا مسلم بن خالد, عن ابن جريج, أخبرني عمر بن عطاء أن مولى ابن الأسقع رجل صدق, أخبره عن الأسقع البكري, أنه سمعه يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين, فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم « الله لا إله هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} حتى انقضت الاَية.
(حديث آخر) ـ عن أنس ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث, حدثني سلمة بن وردان, أن أنس بن مالك, حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلاً من صحابته, فقال «أي فلان هل تزوجت ؟ قال: لا , وليس عندي ما أتزوج به, قال «أوليس معك قل هو الله أحد ؟» قال: بلى, قال «ربع القرآن». قال «أليس معك قل يا أيها الكافرون ؟» قال: بلى. قال: «ربع القرآن». أليس معك إذا زلزلت ؟» قال: بلى. قال «ربع القرآن» قال «أليس معك إذا جاء نصر الله ؟ قال: بلى. قال «ربع القرآن». قال «أليس معك آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم» قال بلى. قال «ربع القرآن».
(حديث آخر) عن أبي ذر جندب بن جنادة. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع بن الجراح, حدثنا المسعودي, أنبأني أبو عمر الدمشقي, عن عبيد الخشخاش, عن أبي ذر رضي الله عنه, قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست, فقال «يا أبا ذر, هل صليت ؟» قلت: لا . قال «قم فصل». قال: فقمت فصليت, ثم جلست, فقال «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن». قال: قلت: يا رسول الله, أوَ للإنس شياطين ؟ قال: نعم, قال قلت: يا رسول الله الصلاة ؟ قال «خير موضوع, من شاء أقل, ومن شاء أكثر» قال: قلت: يا رسول الله فالصوم ؟ قال «فرض مجزي وعند الله مزيد» قلت: يا رسول الله فالصدقة ؟ قال «أضعاف مضاعفة». قلت: يا رسول الله, فأيها أفضل ؟ قال: «جهد من مقل, أوسر إلى فقير» قلت: يا رسول الله, أي الأنبياء كان أول ؟ قال: «آدم» قلت: يا رسول الله, ونبي كان ؟ قال: نعم نبي مكلم» قلت: يا رسول الله, كم المرسلون ؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جماً غفيراً», وقال مرة «وخمسة عشر» قلت: يا رسول الله, أي ما أنزل عليك أعظم ؟ قال: «آية الكرسي { الله لا إله إلا هوالحي القيوم} ورواه النسائي.
(حديث آخر) عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى, عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن أبي أيوب, أنه كان في سهوة له, وكانت الغول تجيء فتأخذ, فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال «فإذا رأيتها فقل باسم الله, أجيبي رسول الله». قال: فجاءت, فقال لها, فأخذها, فقالت: إني لا أعود, فأرسلها¹ فجاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «ما فعل أسيرك» ؟ قال: أخذتها, فقالت: إني لا أعود, فأرسلتها, فقال: إنها عائدة, فأخذتها مرتين أو ثلاثاً كل ذلك تقول: لا أعود, فيقول «إنها عائدة», فأخذتها, فقالت: أرسلني, وأعلمك شيئاً تقوله فلا يقربك شيء, آية الكرسي, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم. فأخبره, فقال «صدقت وهي كذوب». ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار عن أبي أحمد الزبيري به, وقال حسن غريب. والغول في لغة العرب: الجان إذا تبدى في الليل.
وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة, فقال في كتاب فضائل القرآن, وفي كتاب الوكالة, وفي صفة إبليس من صحيحه, قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة, قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان, فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام, أخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة, قال: فخليت عنه فأصبحت, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟» قال: قلت يا رسول الله, شكا حاجة شديدة وعيالاً, فرحمته وخليت سبيله, قال «أما إنه قد كذبك وسيعود» فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه سيعود» فرصدته, فجاء يحثو الطعام, فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فأنا محتاج وعليّ عيال, لا أعود. فرحمته وخليت سبيله, فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم, «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟» قلت: يا رسول الله, شكا حاجة وعيالاً, فرحمته وخليت سبيله. قال «أما أنه قد كذبك وسيعود», فرصدته الثالثة, فجاء يحثو من الطعام, فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود, فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها, قلت: وما هي ؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي { الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى تختم الاَية, فإنك لن يزال عليك من الله حافظ, ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله, فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما فعل أسيرك البارحة ؟» قلت: يا رسول الله, زعم أنه يعلمني كلمات ينفعي الله بها, فخليت سبيله. قال «وما هي ؟» قال لي: إذا أويت إلى فراشك, فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الاَية { الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح, وكانوا أحرص شيء على الخير, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أما صدقك وهو كذوب, تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟» قلت: لا . قال «ذاك شيطان». كذا رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم, وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب, عن عثمان بن الهيثم, فذكره وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا, فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار, حدثنا أحمد بن زهير بن حرب, أنبأنا مسلم بن إبراهيم, أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي, أنبأنا أبو المتوكل الناجي, أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة, وكان فيه تمر, فذهب يوماً ففتح الباب, فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف, ودخل يوماً آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف, ثم دخل يوماً آخر ثالثاً, فإذا قد أخذ منه مثل ذلك, فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تحب أن تأخذ صاحبك هذا ؟» قال: نعم. قال «فإذا فتحت الباب فقل سبحان من سخرك محمد. فذهب ففتح الباب فقال سبحان من سخرك محمد فإذا هو قائم بين يديه, قال: يا عدو الله, أنت صاحب هذا. قال: نعم, دعني فإني لا أعود, ما كنت آخذاً إلا لأهل بيت من الجن فقراء, فخلى عنه, ثم عاد الثانية, ثم الثالثة, فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود ؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم, قال لا تفعل, فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها, لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير, ذكر ولا أنثى, قال له: لتفعلن ؟ قال: نعم. قال: ما هن ؟ قال { الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قرأ آية الكرسي حتى ختمها, فتركه فذهب فلم يعد, فذكر ذلك أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أماعلمت أن ذلك كذلك» وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله, عن شعيب بن حرب, عن إسماعيل بن مسلم, عن أبي المتوكل, عن أبي هريرة به, وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضاً, فهذه ثلاث وقائع.
(قصة أخرى) قال أبو عبيد في كتاب الغريب: حدثنا أبو معاوية, عن أبي عاصم الثقفي, عن الشعبي, عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإنس, فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني ؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان, فصارعه فصرعه, فقال: إني أراك ضئيلاً شخيتاً, كأن ذراعيك ذراعا كلب, أفهكذا أنتم أيهاالجن كلكم, أم أنت من بينهم ؟ فقال: إني بينهم لضليع, فعاودني فصارعه فصرعه الأنسي فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خبخ كخبخ الحمار, فقيل لابن مسعود: أهو عمر ؟ فقال من عسى أن يكون إلا عمر, قال أبو عبيد: الضئيل النحيف الجسم, والخيخ بالخاء المعجمة, ويقال بالحاء المهملة الضراط.
(حديث آخر) عن أبي هريرة. قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشان, حدثنا سفيان حدثنا بشر بن موسى, حدثنا الحميدي, حدثنا حكيم بن جبير الأسدي, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن, لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي», وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة, عن حكيم بن جبير, ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, كذا قال, وقد رواه الترمذي من حديث زائدة, ولفظه «لكل شيء سنام, وسنام القرآن سورة البقرة, وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي» ثم قال: غريب, لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير, وقد تكلم فيه شعبة وضعفه. (قلت) وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين, وغير واحد من الأئمة, وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي.
(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع, أخبرنا عيسى بن محمد المروزي, أخبرنا عمر بن محمد البخاري, أخبرنا عيسى بن غنجار, عن عبد الله بن كيسان, حدثنا يحيى, أخبرنا بن عقيل, عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر, عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن. فقال ابن مسعود على الخبير سقطت, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أعظم آية في القرآن {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.
(حديث آخر) في اشتماله على اسم الله الأعظم قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر, أنبأنا عبد الله بن زياد, حدثنا شهر بن حوشب, عن أسماء بنت يزيد بن السكن, قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الاَيتين {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} و {ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} «إن فيهما اسم الله الأعظم» وكذا رواه أبو داود, عن مسدد والترمذي, عن علي بن خشرم وابن ماجه, عن أبي بكر بن أبي شيبة, ثلاثتهم عن عيسى بن يونس, عن عبيد الله بن أبي زياد به, وقال الترمذي: حسن صحيح.
(حديث آخر) في معنى هذا, عن أمامة رضي الله عنه, قال ابن مردويه: أخبرنا عبد الله بن نمير, أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل, أخبرنا هشام بن عمار, أنبأنا الوليد بن مسلم, أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد, أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه, قال «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة, وآل عمران وطه» وقال هشام وهو ابن عمار خطيب دمشق أما البقرة و {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وفي آل عمران {ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وفي طه {وعنت الوجوه للحي القيوم}.
(حديث آخر) عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة, قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي, أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن, أخبرنا الحسين بن بشر بطرسوس, أخبرنا محمد بن حمير, أخبرنا محمد بن زياد, عن أبي أمامة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي, لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة, عن الحسين بن بشر به, وأخرجه ابن حبان في صحيحه, من حديث محمد بن حمير وهو الحمصي, من رجال البخاري أيضاً, فهو إسناد على شرط البخاري, وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي, أنه حديث موضوع, والله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله, نحو هذا الحديث, ولكن في إسناد كل منهما ضعف. وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري, أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي, أخبرنا زياد بن إبراهيم, أخبرنا أبو حمزة السكري, عن المثنى, عن قتادة, عن الحسن, عن أبي موسى الأشعري, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة, فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة, أجعل له قلب الشاكرين, ولسان الذاكرين, وثواب النبيين, وأعمال الصديقين, ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنت قلبه للإيمان, أو أريد قتله في سبيل الله» وهذا حديث منكر جداً.
(حديث آخر) في أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل. قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني, أخبرنا ابن أبي فديك. عن عبد الرحمن المليكي, عن زرارة بن مصعب, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ: {حم} المؤمن إلى {إليه المصير} وآية الكرسي, حين يصبح, حفظ بهما حتى يمسي, ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح» ثم قال: هذا حديث غريب, وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة المليكي, من قبل حفظه.
وقد ورد في فضلها أحاديث أخر, تركناها اختصاراً لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث علي في قراءتها عند الحجامة, إنها تقوم مقام حجامتين. وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات, وتلحس للحفظ وعدم النسيان, أوردهما ابن مردويه, وغير ذلك.

وهذه الاَية مشتملة على عشر جمل مستقلة
فقوله {الله لا إله إلا هو} إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق {الحي القيوم} أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبداً, القيم لغيره. وكان عمر يقرأ القيام, فجميع الموجودات مفتقرة إليه, وهو غني عنها, لا قوام لها بدون أمره, كقوله {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} وقوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} أي لايعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه, بل هو قائم على كل نفس بما كسبت, شهيد على كل شيء, لا يغيب عنه شيء, ولا يخفى عليه خافية, ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم, فقوله {لا تأخذه} أي لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس, ولهذا قال: ولا نوم لأنه أقوى من السنة. وفي الصحيح عن أبي موسىَ, قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات, فقال «إن الله لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل, وعمل الليل قبل عمل النهار, حجابه النور أو النار, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر, أخبرني الحكم بن أبان, عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} أن موسى عليه السلام سأل الملائكة: هل ينام الله عز وجل ؟ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثاً, فلا يتركوه ينام, ففعلوا, ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما, ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما, قال: فجعل ينعس وهما في يده, وفي كل يد واحدة, قال: فجعل ينعس وينبه, وينعس وينبه, حتى نعس نعسة, فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما, قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله عز وجل, يقول فكذلك السموات والأرض في يده, وهكذا رواه ابن جرير, عن الحسن بن يحيى, عن عبد الرزاق فذكره, وهو من أخبار بني إسرائيل, وهو مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل, وأنه منزه عنه, وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل. حدثنا هشام بن يوسف, عن أمية بن شبل, عن الحكم بن أبان, عن عكرمة, عن أبي عكرمة عن أبي هريرة, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر, قال «وقع في نفس موسى: هل ينام الله ؟ فأرسل إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً, ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة, وأمره أن يحتفظ بهما قال: فجعل ينام, وكادت يداه تلتقيان, فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى, حتى نام نومة, فاصطفقت يداه, فانكسرت القارورتان, ـ قال ـ ضرب الله عز وجل مثلاً, أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض» وهذا حديث غريب جداً, والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع, والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية, حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي, حدثني أبي عن أبيه, حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى, هل ينام ربك ؟ قال: اتقوا الله, فناداه ربه عز وجل يا موسى, سألوك هل ينام ربك, فخذ زجاجتين في يديك, فقم الليلة, ففعل موسى, فلما ذهب من الليل ثلث نعس, فوقع لركبتيه, ثم انتعش فضبطهما, حتى إذا كان آخر الليل نعس, فسقطت الزجاجتان فانكسرتا, فقال: يا موسى, لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك. فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم آية الكرسي.
وقوله {له ما في السموات وما في الأرض} إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه, وتحت قهره وسلطانه, كقوله {إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً}.
وقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} كقوله {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وكقوله {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل, أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة, كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فأخر ساجداً, فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع ـ قال ـ فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة».
وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات, ماضيها وحاضرها ومستقبلها, كقوله إخباراً عن الملائكة {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا, وما بين ذلك, وما كان ربك نسيا}.
وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته, إلا بما أطلعهم الله عليه, كقوله: {ولا يحيطون به علماً}.
وقوله: {وسع كرسيه السموات والأرض}, قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} قال: علمه, وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم, كلاهما عن مطرف بن طريف به, قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله, ثم قال ابن جرير: وقال آخرون الكرسي موضع القدمين, ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين. وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم, عن سفيان, عن عمار الذهبي, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل {وسع كرسيه السموات والأرض} ؟ قال «كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل» كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس, فذكره وهو غلط, وقد رواه وكيع في تفسيره, حدثنا سفيان عن عمار الذهبي, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: الكرسي موضع القدمين, والعرش لا يقدر أحد قدره. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي, عن محمد بن معاذ, عن أبي عاصم, عن سفيان, وهو الثوري بإسناده عن ابن عباس موقوفاً مثله, وقال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه. وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الغزاري الكوفي, وهو متروك عن السدي, عن أبيه, عن أبي هريرة, مرفوعاً ولا يصح أيضاً. وقال السدي, عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش: وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي, والكرسي بين يدي العرش. وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع, بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض, ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة, ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم, وقال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض».
وقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا سليمان بن أحمد, أخبرنا عبد الله بن وهيب المقري, أخبرنا محمد بن أبي السري العسقلاني, أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي, عن القاسم بن محمد الثقفي, عن أبي إدريس الخولاني, عن أبي ذر الغفاري, أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي, إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة, وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة», وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده. حدثنا زهير, حدثنا ابن أبي بكر, حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن خليفة, عن عمر رضي الله عنه, قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة, قال: فعظم الرب تبارك وتعالى, وقال: «إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد من ثقله» وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما, والطبراني وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما, والحافظ الضياء في كتابه المختار من حديث أبي إسحاق السبيعي, عن عبد الله بن خليفة, وليس بذاك المشهور, وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفاً, ومنهم من يرويه عنه مرسلاً, ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة, ومنهم من يحذفها. وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه,والله أعلم. وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء, والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الاَية, وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين, إن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن, وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع, وهو الفلك الأثير ويقال له الأطلس, وقد رد ذلك عليهم آخرون وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش, والصحيح أن الكرسي غير العرش, والعرش أكبر منه, كما دلت على ذلك الاَثار والأخبار, وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة عن عمر في ذلك, وعندي في صحته نظر, والله أعلم.
وقوله: {ولا يؤده حفظهما} أي لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض, ومن فيهما, ومن بينهما, بل ذلك سهل عليه, يسير لديه, وهو القائم على كل نفس بما كسبت, الرقيب على جميع الأشياء, فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء, والأشياء كلها حقيرة بين يديه, الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون, وهو القاهر لكل شيء, الحسيب على كل شيء, الرقيب العلي العظيم, لا إله غيره, ولا رب سواه, فقوله: {وهو العلي العظيم} كقوله: {وهو الكبير المتعال} وهذه الاَيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح, أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.


** لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يقول تعالى: {لا إكراه في الدين} أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام, فإنه بيّن واضح, جلي دلائله وبراهينه, لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه, بل من هداه الله للإسلام, وشرح صدره, ونور بصيرته, دخل فيه علي بينة, ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره, فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً, وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الاَية في قوم من الأنصار, وإن كان حكمها عاماً. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا ابن أبي عدي, عن شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: كانت المرأة تكون مقلاة, فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده, فلما أجليت بنو النضير, كان فيهم من أبناء الأنصار, فقالوا: لا ندع أبناءنا, فأنزل الله عز وجل {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}, وقد رواه أبو داود والنسائي جميعاً عن بندار به, ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به, وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم, أنها نزلت في ذلك. وقال محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة أو عن سعيد, عن ابن عباس قوله: {لا إكراه في الدين} قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف, يقال له الحصيني, كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلاً مسلماً, فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا استكرههما, فإنهما قد أبيا إلا النصرانية, فأنزل الله فيه ذلك, رواه ابن جرير. وروى السدي نحو ذلك, وزاد: وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتاً, فلما عزما على الذهاب معهم, أراد أبوهما أن يستكرههما, وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما, فنزلت هذه الاَية, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عمرو بن عوف, أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق, قال: كنت في دينهم مملوكاً نصرانياً لعمر بن الخطاب, فكان يعرض علي الإسلام, فآبى, فيقول {لا إكراه في الدين} ويقول: يا أسق, لو أسلمت لا ستعنا بك على بعض أمور المسلمين, وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء, أن هذه محمولة على أهل الكتاب, ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية, وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال, وإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف, دين الإسلام, فإن أبى أحد منهم الدخول فيه, ولم ينقد له أو يبذل الجزية, قوتل حتى يقتل, وهذامعنى الإكراه, قال الله تعالى {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} وقال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين} وفي الصحيح «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» يعني الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال, ثم بعد ذلك يسلمون, وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن حميد عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل «أسلم», قال: إني أجدني كارهاً, قال: «وإن كنت كارهاً» فإنه ثلاثي صحيح, ولكن ليس من هذا القبيل, فإنه لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام, بل دعاه إليه, فأخبره أن نفسه ليست قابلة له, بل هي كارهة, فقال له: أسلم وإن كنت كارهاً, فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.
وقوله: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} أي من خلع الأنداد والأوثان, وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله, ووحد الله فعبده وحده, وشهد أنه لا إله إلا هو {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي فقد ثبت في أمره, واستقام على الطريق المثلى, والصراط المستقيم, قال أبو قاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي, حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم, عن أبي إسحاق عن حسان, هو ابن قائد العبسي قال: قال عمر رضي الله عنه: إن الجبت السحر, والطاغوت الشيطان, وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال, يقاتل الشجاع عمن لا يعرف, ويفر الجبان من أمه, وإن كرم الرجل دينه, وحسبه خلقه, وإن كان فارسياً أو نبطياً. وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري, عن أبي إسحاق عن حسان بن قائد العبسي عن عمر, فذكره, ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان, قوي جداً, فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها, والاستنصار بها.
وقوله: {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب, وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم, هي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد, ولهذا قال {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} الاَية, قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان, وقال السدي: هو الإسلام, وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله, وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله, والبغض في الله, وكل هذه الأقوال صحيحة, ولا تنافي بينها. وقال معاذ بن جبل في قوله: {لا انفصام لها} دون دخول الجنة, وقال مجاهد وسعيد بن جبير {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} ثم قرأ {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف, حدثنا ابن عوف عن محمد بن قيس بن عباد, قال: كنت في المسجد, فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع, فصلى ركعتين أوجز فيهما, فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة, فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله, فدخلت معه فحدثته, فلما استأنس, قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد, قالوا: كذا وكذا, قال: سبحان الله, ما ينبغي لأحد أن يقول مالا يعلم, وسأحدثك لم, إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, قصصتها عليه, رأيت كأني في روضة خضراء. قال ابن عون فذكر من خضرتها وسعتها ـ وفي وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء, في أعلى عروة, فقيل لي اصعد عليه, فقلت: لا أستطيع, فجاءني منصف ـ قال ابن عون هو الوصيف ـ فرفع ثيابي من خلفي, فقال: اصعد, فصعدت حتى أخذت بالعروة, فقال: استمسك بالعروة, فاستيقظت وإنها لفي يدي, فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقصصتها عليه فقال «أما الروضة, فروضة الإسلام, وأما العمود فعمود الإسلام, وأما العروة فهي العروة الوثقى, أنت على الإسلام حتى تموت» قال: وهو عبد الله بن سلام. أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون, فقمت إليه. وأخرجه البخاري من وجه آخر, عن محمد بن سيرين به.
(طريق أخرى وسياق آخر) قال الإمام أحمد: أنبأنا حسن بن موسى وعثمان, قالا: أنبأنا حماد بن سلمة, عن عاصم بن بهدلة, عن المسيب بن رافع, عن خرشة بن الحر, قال قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم, فجاء شيخ يتوكأ على عصاً له, فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة, فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين, فقلت له: قال بعض القوم: كذا وكذا, فقال: الجنة لله, يدخلها من يشاء, وإني رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا: كأن رجلاً أتاني فقال: انطلق, فذهبت معه فسلك بي منهجاً عظيماً, فعرضت لي طريق عن يساري, فأردت أن أسلكها, فقال: إنك لست من أهلها, ثم عرضت لي طريق عن يميني, فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق, فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة, فقال: استمسك, فقلت: نعم, فضرب العمود برجله, فاستمسك بالعروة, فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «رأيت خيراً, أما المنهج العظيم فالمحشر, وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار, ولست من أهلها, وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة, وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء, وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام, فاستمسك بها حتى تموت» قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة, قال: وإذا هو عبد الله بن سلام, وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان, وابن ماجه عن أبي شيبة عن الحسن بن موسى الأشيب, كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه, وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش, عن سليمان بن مسهر, عن خرشة بن الحر الفزاري به.


** اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ وَالّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مّنَ النّورِ إِلَى الظّلُمَاتِ أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام, فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير, وأن الكافرين إنما وليهم الشيطان, يزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات, ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ولهذا وحد تعالى لفظ النور, وجمع الظلمات, لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة ولكنها باطلة, كما قال {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه, ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} وقال تعالى {وجعل الظلمات والنور} وقال تعالى: {عن اليمين والشمآئل} إلى غير ذلك من الاَيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن ميسرة, حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان, عن موسى بن عبيدة, عن أيوب بن خالد, قال: يبعث أهل الأهواء, أو قال: تبعث أهل الفتن, فمن كان هواه الإيمان, كانت فتنته بيضاء مضيئة, ومن كان هواه الكفر, كانت فتنته سوداء مظلمة, ثم قرأ هذه الاَية {الله ولي الذي آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.


** أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِي حَآجّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّيَ الّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنّ اللّهَ يَأْتِي بِالشّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ
هذا الذي حاج إبراهيم في ربه هو ملك بابل نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ويقال نمرود بن فالخ بن عبار بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح, والأول قول مجاهد وغيره, قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران, فالمؤمنان سليمان بن داود, وذو القرنين, والكافران: نمرود وبختنصر, والله أعلم. ومعنى قوله: {ألم تر} أي بقلبك يا محمد {إلى الذي حاج إبراهيم في ربه}, أي وجود ربه, وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره, كما قال بعده فرعون لملئه {ما علمت لكم من إله غيري}. وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة, إلا تجبره, وطول مدته في الملك, وذلك أنه يقال: أنه مكث أربعمائة سنة في ملكه, ولهذا قال: {أن آتاه الله الملك} وكان طلب من إبراهيم دليلاً, على وجود الرب الذي يدعو إليه, فقال إبراهيم {ربي الذي يحيي ويميت} أي إنما الدليل على وجوده, حدوث هذه الأشياء, المشاهدة بعد عدمها, وعدمها بعد وجودها, وهذا دليل على وجود الفاعل المختار, ضرورة, لأنها لم تحدث بنفسها, فلا بد لها من موجد أوجدها, وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج ـ وهو النمرود ـ {أنا أحيي وأميت}. قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي, وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين, قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما ـ فيقتل, وآمر بالعفو عن الاَخر فلا يقتل, فذلك معنى الإحياء والإماتة ـ والظاهر والله أعلم ـ أنه ما أراد هذا لأنه ليس جواباً لما قال إبراهيم, ولا في معناه لأنه غير مانع لوجود الصانع, وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عناداً ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك, وأنه هو الذي يحيي ويميت, كما اقتدى به فرعون في قوله {ما علمت لكم من إله غيري} ولهذا قال له إبراهيم, لما ادعى هذه المكابرة: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت, فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته, فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق, فإن كنت إلهاً كما ادعيت تحيي وتميت, فأت بها من المغرب ؟ فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام, بهت, أي أخرس, فلا يتكلم, وقامت عليه الحجة, قال الله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يلهمهم حجة ولا برهاناً, بل حجتهم داحضة عند ربهم, وعليهم غضب, ولهم عذاب شديد, وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين, إن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه, ومنهم من قد يطلق عبارة رويةً ترديه وليس كما قالوه, بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني, ويبين بطلان ما ادعاه نمرود في الأول والثاني, ولله الحمد والمنة. وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة. كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار, ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة. وروى عبد الرزاق عن معمر, عن زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يغدون إليه للميرة, فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة, فكان بينهما هذه المناظرة, ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس, بل خرج وليس معه شيء من الطعام, فلما قرب من أهله, عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه, وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم, فلما قدم وضع رحاله, وجاء فاتكأ فنام, فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملاَنين طعاماً طيباً, فعملت طعاماً, فلما



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 08:58 PM   #29
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه, فقال: أنى لك هذا ؟ قالت: من الذي جئت به, فعلم أنه رزق رزقهم الله عز وجل. قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكاً, يأمره بالإيمان بالله, فأبى عليه, ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى, وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي, فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس, وأرسل الله عليهم باباً من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس, وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم, وتركتهم عظاما بادية, ودخلت واحدة منها في منخري الملك, فمكثت في منخري الملك أربعمائة سنة, عذبه الله بها, فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة, حتى أهلكه الله بها.


** أَوْ كَالّذِي مَرّ عَلَىَ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىَ عُرُوشِهَا قَالَ أَنّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىَ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنّهْ وَانْظُرْ إِلَىَ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تقدم قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين حاج إبراهيم في ربه} وهو في قوة قوله: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه, ولهذا عطف عليه بقوله {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} اختلفوا في هذا المار من هو, فروى ابن أبي حاتم, عن عصام بن رواد, عن آدم بن أبي إياس, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن ناجية بن كعب, عن علي بن أبي طالب, أنه قال: هو عزير. ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه, وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة, وهذا القول هو المشهور وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد, هو أرميا بن حلقيا. قال محمد بن إسحاق, عمن لا يتهم عن وهب بن منبه, أنه قال: هو اسم الخضر عليه السلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: سمعت سليمان بن محمد اليساري الجاري من أهل الجاري ابن عم مطرف, قال سمعت سلمان يقول: إن رجلاً من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بوار. وقال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل, وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس, مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها {وهي خاوية} أي ليس فيها أحد, من قولهم خوت الدار تخوي خوياً.
ـ و قوله {على عروشها} أي ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها, فوقف متفكراً فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة, وقال {أنى يحيى هذه الله بعد موتها ؟} وذلك لما رآى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه, قال الله تعالى: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه} قال: وعمرت البلاد بعد مضي سبعين سنة من موته, وتكامل ساكنوها, وتراجع بنو إسرائيل إليها, فلما بعثه الله عز وجل بعد موته, كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه: كيف يحي بدنه, فلما استقل سوياً (قال) الله له, أي بواسطة الملك: {كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم} قال: وذلك أنه مات أول النهار, ثم بعثه الله في آخر النهار, فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم, فقال {أو بعض يوم, قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير, فوجده كما تقدم لم يتغير منه شيء, لا العصير استحال, ولا التين حمض ولا أنتن, ولا العنب نقص {وانظر إلى حمارك} أي كيف يحييه الله عز وجل, وأنت تنظر {ولنجعلك آية للناس} أي دليلاً على المعاد {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} أي نرفعها, فيركب بعضها على بعض. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نعيم عن إسماعيل بن حكيم, عن خارجة بن زيد بن ثابت, عن أبيه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {كيف ننشزها} بالزاي ثم قال: صحيح الإسناد. ولم يخرجاه. وقرىء {ننشرها} أي نحييها, قاله مجاهد {ثم نكسوها لحماً}. وقال السدي وغيره تفرقت عظام حماره حوله يميناً ويساراً, فنظر إليها وهي تلوح من بياضها, فبعث الله ريحاً فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة, ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حماراً قائماً من عظام لا لحم عليها, ثم كساها الله لحماً وعصباً وعروقاً وجلداً, وبعث الله ملكا فنفخ في منخري الحمار, فنهق بإذن الله عز وجل, وذلك كله بمرأى من العزيز, فعند ذلك لما تبين له هذا كله {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} أي أنا عالم بهذا, وقد رأيته عيانا, فأنا أعلم أهل زماني بذلك, وقرأ آخرون «قال اعلم» على أنه أمر له بالعلم.


** وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَىَ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىَ وَلَـكِن لّيَطْمَئِنّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطّيْرِ فَصُرْهُنّ إِلَيْكَ ثُمّ اجْعَلْ عَلَىَ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنّ جُزْءًا ثُمّ ادْعُهُنّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
ذكروا لسؤال إبراهيم عليه السلام, أسباباً منها أنه لما قال لنمرود {ربي الذي يحيي ويميت} أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك, إلى عين اليقين, وأن يرى ذلك مشاهدة, فقال {رب أرني كيف تحيي الموتى قال: أو لم تؤمن ؟ قال: بلى, ولكن ليطمئن قلبي} فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الاَية: حدثنا أحمد بن صالح, حدثنا ابن وهب, أخبرني يونس عن ابن شهاب, عن أبي سلمة, وسعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى, قال: أو لم تؤمن ؟ قال: بلى, ولكن ليطمئن قلبي». وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى, عن وهب به, فليس المراد ههنا بالشك, ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف, وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة أحدها.
وقوله {قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك} اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي, وإن كان لا طائل تحت تعيينها, إذ لو كان في ذلك مهم لنص عليه القرآن, فروي عن ابن عباس, أنه قال هي الغرنوق والطاوس والديك والحمامة, وعنه أيضاً أنه أخذ وزاً ورألاً وهو فرخ النعام, وديكاً وطاوساً. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة وديكاً وطاوساً وغراباً. وقوله {فصرهن إليك} أي: قطعهن, قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو الأسود الدؤلي ووهب بن منبه والحسن والسدي وغيرهم. وقال العوفي عن ابن عباس {فصرهن إليك} أوثقهن, فلما أوثقهن ذبحهن, ثم جعل على كل جبل منهن جزءاً, فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير, فذبحهن ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض, ثم جزأهن أجزاء, وجعل على كل جبل منهن جزءاً, قيل أربعة أجبل, وقيل سبعة, قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده ثم أمره الله عز وجل أن يدعوهن فدعاهن كما أمره الله عز وجل, فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش, والدم إلى الدم, واللحم إلى اللحم, والأجزاء من كل طائر, يتصل بعضها إلى بعض, حتى قام كل طائر على حدته, وأتينه يمشين سعياً ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها, وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم عليه السلام, فإذا قدم له غير رأسه يأباه, فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته, ولهذا قال {واعلم أن الله عزيز حكيم} أي عزيز لا يغلبه شيء, ولا يمتنع من شيء, وما شاء كان بلا ممانع, لأنه القاهر لكل شيء, حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب في قوله {ولكن ليطمئن قلبي} قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة, سمعت زيد بن علي يحدث عن رجل عن سعيد بن المسيب قال: اتفق عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أن يجتمعا قال: ونحن شيبة. فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى عندك لهذه الأمة ؟ فقال عبد الله بن عمرو قوله الله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم, لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} الاَية, فقال ابن عباس: أما إن كنت تقول هذا, فأنا أقول أرجى منها لهذه الأمة, قول إبراهيم {رب أرني كيف تحيي الموتى ؟ قال: أوَلم تؤمن ؟ قال: بلى, ولكن ليطمئن قلبي} وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي, حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث, حدثني محمد بن أبي سلمة عن عمرو, حدثني ابن المنكدر أنه قال: التقى عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص, فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك, فقال عبد الله بن عمرو: قول الله عز وجل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا} الاَية, فقال ابن عباس: لكن أنا أقول قول الله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى} فرضي من إبراهيم قوله {بلى}, قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان, وهكذا رواه الحاكم في المستدرك عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأحزم, عن إبراهيم بن عبد الله السعدي, عن بشر بن عمر الزهراني, عن عبد العزيز بن أبي سلمة بإسناده مثله, ثم قال: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه.


** مّثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّئَةُ حَبّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته, وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف, فقال {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله}. قال سعيد بن جبير: يعني في طاعة الله. وقال مكحول: يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك. وقال شبيب بن بشر, عن عكرمة, عن ابن عباس: الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف, ولهذا قال تعالى: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة, فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها, كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة, وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف. قال الإمام احمد: حدثنا زياد بن الربيع أبو خداش, حدثنا واصل مولى ابن عيينة, عن بشار بن أبي سيف الجرمي, عن عياض بن غطيف, قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته بجنبه, وامرأته تحيفة قاعدة عند رأسه, قلنا: كيف بات أبو عبيدة ؟ قالت: والله لقد بات بأجر. قال أبو عبيدة: ما بتّ بأجر, وكان مقبلاً بوجهه على الحائط, فأقبل على القوم بوجهه وقال: ألا تسألوني عما قلت ؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه, قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة, ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضاً أو أماط أذى, فالحسنة بعشر أمثالها, والصوم جنة ما لم يخرقها, ومن ابتلاه الله عز وجل ببلاء في جسده فهو له حطة» وقد روى النسائي في الصوم بعضه من حديث واصل به, ومن وجه آخر موقوفاً.
(حديث آخر) ـ قال الإمام احمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن سليمان, سمعت أبا عمرو الشيباني عن ابن مسعود أن رجلاً تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لتأتين يوم القيامة بسعمائة ناقة مخطومة» ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن مهران عن الأعمش به, ولفظ مسلم: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله, هذه في سبيل الله, فقال: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة».
(حديث آخر) ـ قال أحمد: حدثنا عمرو بن مجمع أبو المنذر الكندي, أخبرنا إبراهيم الهجري, عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله جعل حسنة ابن آدم إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم والصوم لي, وأنا أجزي به, وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره, وفرحة يوم القيامة, ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
(حديث آخر) ـ قال أحمد: أخبرنا وكيع, أخبرنا الأعمش عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله, يقول الله إلا الصوم فإنه لي, وأنا أجزي به, يدع طعامه وشرابه من أجلي, وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره, وفرحة عند لقاء ربه, ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك, الصوم جنة, الصوم جنة» وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي سعيد الأشج كلاهما عن وكيع به.
(حديث آخر) ـ قال أحمد: حدثنا حسين بن علي, عن زائدة, عن الركيم, عن يُسَيْر بن عميلة, عن خريم بن فاتك, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أنفق نفقة في سبيل الله, تضاعف بسبعمائة ضعف».
(حديث آخر) ـ قال أبو داود: أنبأنا محمد بن عمرو بن السرح, حدثنا ابن وهب, عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أيوب, عن زبان بن فائد, عن سهل بن معاذ, عن أبيه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف».
(حديث آخر) ـ قال ابن أبي حاتم: أنبأنا أبي, حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان, حدثنا ابن أبي فديك, عن الخليل بن عبد الله, عن الحسن عن عمران بن حصين, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته, فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة, ومن غزا في سبيل الله وأنفق في جهة ذلك, فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم, ثم تلا هذه الاَية {والله يضاعف لمن يشاء}, وهذا حديث غريب, وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة, عند قوله {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} الاَية.
(حديث آخر) ـ قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز, أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب, أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي, أخبرنا أبي عن عيسى بن المسيب, عن نافع, عن ابن عمر: لما نزلت هذه الاَية {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} قال النبي صلى الله عليه وسلم «رب زد أمتي» قال: فأنزل الله {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} قال «رب زد أمتي» قال: فأنزل الله {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}, وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن حاجب بن أركين, عن أبي عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز المقري, عن أبي إسماعيل المؤدب, عن عيسى بن المسيب, عن نافع, عن ابن عمر, فذكره. وقوله ههنا{والله يضاعف لمن يشاء} أي بحسب إخلاصه في عمله {والله واسع عليم} أي فضله واسع كثير أكثر من خلقه, عليم بمن يستحق ومن لا يستحق, سبحانه وبحمده.


** الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيّ حَلِيمٌ * يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ كَالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاّ يَقْدِرُونَ عَلَىَ شَيْءٍ مّمّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
يمدح تبارك وتعالى الذين ينفقون في سبيله, ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات مناً على من أعطوه, فلا يمنون به على أحد, ولا يمنون به لا بقول ولا بفعل.
وقوله {ولا أذى} أي لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهاً يحبطون به ما سلف من الإحسان, ثم وعدهم الله تعالى الجزاء الجزيل على ذلك, فقال {لهم أجرهم عند ربهم} أي ثوابهم على الله لا على أحد سواه. {ولا خوف عليهم} أي فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة. {ولا هم يحزنون} أي على ما خلفوه من الأولاد, ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها لا يأسفون عليها, لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.
ثم قال تعالى: {قول معروف} أي من كلمة طيبة ودعاء لمسلم {ومغفرة} أي عفو وغفر عن ظلم قولي أو فعلي {خير من صدقة يتبعها أذى}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن فضيل قال: قرأت على معقل بن عبد الله, عن عمرو بن دينار, قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من صدقة أحب إلى الله من قول معروف, ألم تسمع قوله {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني} عن خلقه, {حليم} أي يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم, وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة, ففي صحيح مسلم من حديث شعبة عن الأعمش, عن سليمان بن مسهر, عن خرشة بن الحر, عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة, ولا ينظر إليهم, ولا يزكيهم, ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى, والمسبل إزاره, والمنفق سلعته بالحلف الكاذب} وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى, أخبرنا عثمان بن محمد الدوري, أخبرنا هشيم بن خارجة, أخبرنا سليمان بن عقبة, عن يونس بن ميسرة, عن أبي إدريس, عن أبي الدرداء, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يدخل الجنة عاق, ولا منان, ولا مدمن خمر, ولا مكذب بقدر», وروى أحمد وابن ماجه من حديث يونس بن ميسرة نحوه ثم روى ابن مردويه وابن حبان والحاكم في مستدركه, والنسائي من حديث عبد الله بن يسار الأعرج, عن سالم بن عبد الله بن عمر, عن أبيه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه, ومدمن خمر, والمنان بما أعطى» وقد روى النسائي, عن مالك بن سعد, عن عمه روح بن عبادة, عن عتاب بن بشير, عن خصيف الجزري, عن مجاهد عن ابن عباس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يدخل الجنة مدمن خمر, ولا عاق لوالديه, ولا منان» , وقد رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن المنهال, عن محمد بن عبد الله بن عصار الموصلي, عن عتاب, عن خصيف, عن مجاهد, عن ابن عباس, ورواه النسائي من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري, عن مجاهد قوله, وقد روي عن مجاهد, عن أبي سعيد, وعن مجاهد عن أبي هريرة نحوه, ولهذا قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى, فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى, ثم قال تعالى: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} أي لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس, فأظهر لهم أنه يريد وجه الله, وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس, أو يقال إنه كريم, ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية, مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه, ولهذا قال {ولا يؤمن بالله واليوم الاَخر}, ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه, قال الضحاك: والذي يتبع نفقته مناً أو أذى, فقال {فمثله كمثل صفوان} وهو جمع صفوانة, فمنهم من يقول: الصفوان يستعمل مفرداً أيضاً وهو الصفا وهو الصخر الأملس, {عليه تراب فأصابه وابل} وهو المطر الشديد {فتركه صلداً} أي فترك الوابل ذلك الصفوان صلداً أي أملس يابساً, أي لا شيء عليه من ذلك التراب, بل قد ذهب كله, أي وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب, ولهذا قال {لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين}


** وَمَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله عنهم في ذلك, {وتثبيتاً من أنفسهم} أي وهم متحققون متثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء, ونظير هذا في معنى قوله عليه السلام في الحديث الصحيح المتفق على صحته «من صام رمضان إيماناً واحتساباً» أي يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله ثوابه, قال الشعبي: {وتثبيتاً من أنفسهم} أي تصديقاً ويقيناً, وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد, واختاره ابن جريرو وقال مجاهد والحسن: أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم.
وقوله {كمثل جنة بربوة}, وهو عند الجمهور: المكان المرتفع من الأرض, وزاد ابن عباس والضحاك وتجري فيه الأنهار. قال ابن جرير رحمه الله: وفي الربوة ثلاث لغات: هن ثلاث قراءات: بضم الراء, وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق, وفتحها وهي قراءة بعض أهل الشام, والكوفة,ويقال إنها لغة تميم, وكسر الراء, ويذكر أنها قراءة ابن عباس.
وقوله {أصابها وابل} وهو المطر الشديد, كما تقدم, فآتت {أكلها} أي ثمرتها {ضعفين} أي بالنسبة إلى غيرها من الجنان {فإن لم يصبها وابل فطل} قال الضحاك: هو الرذاذ وهو اللين من المطر, أي هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبداً, لأنها إن لم يصبها وابل فطل, وأياً ما كان فهو كفايتها, وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبداً, بل يتقبله الله ويكثره وينميه كل عامل بحسبه, ولهذا قال {والله بما تعملون بصير} أي لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.


** أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ
قال البخاري عند تفسير هذه الاَية: حدثنا إبراهيم بن موسى, حدثنا هشام هو ابن يوسف, عن ابن جريج سمعت عبد الله بن أبي مليكة, يحدث عن ابن عباس, وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير, قال: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيمن ترون هذه الاَية نزلت ؟ {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} قالوا: الله أعلم. فغضب عمر, فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم, فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين, فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك, فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ضربت مثلاً بعمل, قال عمر: أي عمل ؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله, ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي, حتى أغرق أعماله, ثم رواه البخاري عن الحسن بن محمد الزعفراني, عن حجاج بن محمد الأعور, عن ابن جريج, فذكره وهو من أفراد البخاري رحمه الله, وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الاَية, وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولاً ثم بعد ذلك انعكس سيره فبدل الحسنات بالسيئات عياذاً بالله من ذلك, فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح, واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال, فلم يحصل منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه, ولهذا قال تعالى: {وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار} وهو الريح الشديد {فيه نار فاحترقت} أي أحرق ثمارها وأباد أشجارها, فأي حال يكون حاله ؟ وقد روى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس, قال: ضرب الله مثلا حسناً وكل أمثاله حسن, قال {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات} يقول صنعه في شيبته {وأصابه الكبر} وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره, فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه, فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله, ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه, وكذلك الكافر يكون يوم القيامة إذا ردّ إلى الله عز وجل, ليس له خير فيستعتب, كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه, ولا يجده قدم لنفسه خيراً يعود عليه, كما لم يغن عن هذا ولده, وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه, كما حرم هذا جنته عندما كان أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته. وهكذا روى الحاكم في مستدركه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه «اللهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني وانقضاء عمري» ولهذا قال تعالى: {كذلك يبين الله لكم الاَيات لعلكم تتفكرون} أي تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني وتنزلونها على المراد منها. كما قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}.


** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرْضِ وَلاَ تَيَمّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَنِيّ حَمِيدٌ * الشّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللّهُ يَعِدُكُم مّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ
يأمر تعالى: عباده المؤمنين بالإنفاق والمراد به الصدقة ههنا, قاله ابن عباس: من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها, قال مجاهد: يعني التجارة بتيسيره إياها لهم, وقال علي والسدي {من طيبات ما كسبتم} يعني الذهب والفضة, ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض, قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه, ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه, فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً, ولهذا قال: {ولا تيمموا الخبيث} أي تقصدوا الخبيث {منه تنفقون ولستم بآخذيه} أي لو أعطيتموه ما أخذتموه, إلا أن تتغاضوا فيه, فالله أغنى عنه منكم, فلا تجعلوا لله ما تكرهون, وقيل معناه {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} أي لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه, ويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد, حدثنا إسحاق, عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكمم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب, ولا يعطي الدين إلا لمن أحب, فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه, والذي نفسي بيده لا يسلم عبد, حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه يا نبي الله قال غشه وظلمه, ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان إلى النار, إن اللهلا يمحو السيء بالسيء, ولكن يمحو السيء بالحسن, إن الخبيث لا يمحو الخبيث» والصحيح القول الأول, قال ابن جرير رحمه الله: حدثنا الحسين بن عمر العبقري, حدثني أبي عن أسباط عن السدي, عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب رضي الله عنه, في قول الله {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} الاَية, قال: نزلت في الأنصار, كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل, بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فيأكل فقراء المهاجرين منه, فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر, يظن أن ذلك جائز, فأنزل الله فيمن فعل ذلك {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}, ثم رواه ابن جرير وابن ماجه وابن مردويه, والحاكم في مستدركه من طريق السدي, عن عدي بن ثابت عن البراء بنحوه, وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم, ولم يخرجاه وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل عن السدي عن أبي مالك عن البراء رضي الله عنه, {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} قال: نزلت فينا, كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته, فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد, وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر والتمر, فيأكل, وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشف والشيص, فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه, فنزلت {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء, فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده, وكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي, عن عبيد الله هو ابن موسى العبسي, عن إسرائيل عن السدي, وهو إسماعيل بن عبد الرحمن, عن أبي مالك الغفاري واسمه غزوان, عن البراء فذكر نحوه, ثم قال وهذا حديث حسن غريب, وقال ابن أبي حاتم, حدثنا أبي, حدثنا أبو الوليد, حدثنا سليمان بن كثير, عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, نهى عن لونين من التمر الجعرور والحبيق, وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم, ثم يخرجونها في الصدقة, فنزلت {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} ورواه أبو داود من حديث سفيان بن حسين عن الزهري, ثم قال: أسنده أبو الوليد عن سليمان بن كثير عن الزهري, ولفظه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجعرور ولون الحبيق, أن يؤخذ في الصدقة, وقد روى النسائي هذا الحديث من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي, عن الزهري, عن أبي أمامة, ولم يقل عن أبيه, فذكر نحوه, وكذا رواه ابن وهب, عن عبد الجليل, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا يحيى بن المغيرة, حدثنا جرير عن عطاء بن السائب, عن عبد الله بن مغفل, في هذه الاَية {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} قال: كسب المسلم لا يكون خبيثاً, ولكن لا يصدق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه, وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد, حدثنا حماد بن سلمة, عن حماد هو ابن سليمان, عن إبراهيم, عن الأسود, عن عائشة, قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب, فلم يأكله ولم ينه عنه, قلت: يا رسول الله, نطعمه المساكين ؟ قال «لا تطعموهم مما لا تأكلون». ثم رواه عن عفان عن حماد بن سلمة به¹ فقلت: يا رسول الله, ألا أطعمه المساكين ؟ قال «لا تطعموهم مما لا تأكلون}. وقال الثوري, عن السدي, عن أبي مالك, عن البراء {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك, لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه, رواه ابن جرير, وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم, لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه, قال فذلك قوله: {إلا أن تغمضوا فيه} فكيف ترضون لي ما لاترضون لأنفسكم, وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه ؟ رواه ابن أبي حاتم, وابن جرير, وزاد: وهو قوله: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ثم روي عن طريق العوفي وغيره, عن ابن عباس, نحو ذلك, وكذا ذكره غير واحد.
وقوله: {واعلموا أن الله غني حميد} أي وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها, فهو غني عنها, وما ذاك إلا أن يساوي الغني الفقير, كقوله {لن ينال اللهلحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} وهو غني عن جميع خلقه وجيمع خلقه فقراء إليه, وهو واسع الفضل, لا ينفد ما لديه, فمن تصدق بصدقة من كسب طيب, فليعلم أن الله غني واسع العطاء, كريم جواد, ويجزيه بها, ويضاعفها له أضعافاً كثيرة, من يقرض غير عديم ولا ظلوم, وهوالحميد أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره, لا إله إلا هو, ولا رب سواه.
وقوله: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم} قال ابن ابي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا هناد بن السري, حدثنا أبو الأحوص, عن عطاء بن السائب, عن مرة الهمداني, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة, فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق, وأما لمة الملك فإيعاد بالخير والتصديق بالحق, فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله, فليحمد الله, ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان» ثم قرأ {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً} الاَية, وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعاً, عن هناد بن السري. وأخرجه ابن حبان في صحيحه, عن أبي يعلى الموصلي, عن هناد به, وقال الترمذي: حسن غريب, وهو حديث أبي الأحوص, يعني سلام بن سليم, لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديثه, كذا قال: وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره, عن محمد بن أحمد¹ عن محمد بن عبد الله بن مسعود مرفوعاً نحوه¹ ولكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب, عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة, عن ابن مسعود, فجعله من قوله, والله أعلم, ومعنى قول تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر} أي يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله. {ويأمركم بالفحشاء} أي مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق, يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق, قال تعالى: {والله يعدكم مغفرة منه} أي في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء. {وفضلاً} أي في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر {والله واسع عليم}
وقوله: {يؤتي الحكمة من يشاء} قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: يعني المعرفة بالقرآن, ناسخه ومنسوخه, ومحكمه ومتشابهه, ومقدمه ومؤخره, وحلاله وحرامه, وأمثاله, وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً «الحكمة القرآن» يعني تفسيره, قال ابن عباس: فإنه قد قرأه البر والفاجر, رواه ابن مردويه, وقال ابن أبي نجيح, عن مجاهد: يعني بالحكمة الإصابة في القول, وقال ليث بن أبي سليم, عن مجاهد {يؤتي الحكمة من يشاء}: ليست بالنبوة, ولكنه العلم والفقه والقرآن, وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله, فإن خشية الله رأس كل حكمة, وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان ابن زفر الجهني, عن أبي عمار الأسدي, عن ابن مسعود مرفوعاً «رأس الحكمة مخافة الله» وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب والفهم, وقال إبراهيم النخعي, الحكمة الفهم, وقال أبو مالك: الحكمة السنة, وقال ابن وهب, عن مالك, قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل, قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله, وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله, ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها, وتجد آخر ضعيفاً في أمر دنياه, عالماً بأمر دينه بصيراً به, يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا, فالحكمة الفقه في دين الله, وقال السدي: الحكمة النبوة, والصحيح أن الحكمة كما قال الجمهور: لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها, وأعلاها النبوة, والرسالة أخص, ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع, كما جاء في الأحاديث «من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه» رواه وكيع بن الجراح في تفسيره, عن إسماعيل بن رافع, عن رجل لم يسمه, عن عبد الله بن عمر, وقوله: وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويزيد, قالا: حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن قيس وهو ابن أبي حازم, عن ابن مسعود, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, يقول «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق, ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن إسماعيل أبي خالد به.
وقوله: {وما يذكر إلا أولوا الاَلباب} أي وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل, يعي به الخطاب ومعنى الكلام.


** وَمَآ أَنفَقْتُمْ مّن نّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مّن نّذْرٍ فَإِنّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * إِن تُبْدُواْ الصّدَقَاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات, وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده, وتوعد من لا يعمل بطاعته, بل خالف أمره, وكذب خبره, وعبد معه غيره, فقال {وما للظالمين من أنصار} أي يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته.
وقوله: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} أي إن أظهرتموها فنعم شيء هي.
وقوله: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها, لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به, فيكون أفضل من هذه الحيثية, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة» والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الاَية, ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبعة يظلهم الله في ظله, يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل, وشاب نشأ في عبادة الله, ورجلان تحابا في الله, اجتمعا عليه وتفرقا عليه, ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه, ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه, ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين, ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه», وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون, أخبرنا العوام بن حوشب, عن سليمان بن أبي سليمان, عن أنس بن مالك, عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال «لما خلق الله الأرض جعلت تميد, فخلق الجبال فألقاها عليها, فاستقرت, فتعجبت الملائكة من خلق الله الجبال فقالت: يا رب هل في خلقك شىء أشد من الجبال ؟ قال نعم الحديد. قالت: يا رب فهل من خلقك شىء أشد من الحديد ؟ قال: نعم النار, قالت: يارب فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قال: نعم الماء. قالت: يارب فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قال: نعم الريح ؟ قالت: يارب فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله». وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي عن أبي ذر, قال: قلت يا رسول الله, أي الصدقة أفضل ؟ قال «سر إلى فقير أو جهد من مقل» رواه أحمد ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد عن القاسم, عن أبي أمامة, عن أبي ذر, فذكره وزاد, ثم شرع في هذه الاَية {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} الاَية, وفي الحديث المروي «صدقة السر تطفى غضب الرب عز وجل» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب, أنا موسى بن عمير عن عامر الشعبي في قوله: {إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} قال: أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما, أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر ؟» قال: خلفت لهم نصف مالي, وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه, حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم «ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر ؟» فقال: عدة الله وعدة رسوله, فبكى عمر رضي الله عنه وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر, والله مااستبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقاً, وهذا الحديث روي من وجه آخر عن عمر رضي الله عنه, وإنما أوردناه ههنا لقول الشعبي: إن الاَية نزلت في ذلك, ثم إن الاَية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل, سواء كانت مفروضة أو مندوبة, لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره هذه الاَية, قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها فقال بسبعين ضعفاً, وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها فقال بخمسة وعشرين ضعفاً.
وقوله: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} أي بدل الصدقات ولا سيما إذا كانت سراً, يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات وقد قرى ويكفر بالجزم عطفاً على محل جواب الشرط وهو قوله: {فنعماهي} كقوله: {فأصدّق وأكن} وقوله: {والله بما تعلمون خبير} أي لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه.


** لّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَآءِ الّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التّعَفّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ * الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
قال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا محمد بن عبد السلام بن عبد الرحيم, أنبأنا الفريابي حدثنا سفيان عن الأعمش, عن جعفر بن إياس, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين, فسألوا فرخص لهم, فنزلت هذه الاَية {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء, وما تنفقوا من خير فلأنفسكم, وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله, وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون}. وكذا رواه أبو حذيقة وابن المبارك وأبو أحمد الزبيدي وأبو داود الحضرمي عن سفيان, وهو الثوري به, وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا أحمد بن القاسم بن عطية, حدثنا أحمد بن عبد الرحمن يعني الدشتكي, حدثني أبي عن أبيه, حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الاسلام, حتى نزلت هذه الاَية {ليس عليك هداهم} إلى آخرها, فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين, وسيأتي عند قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم} الاَية, حديث أسماء بنت الصديق في ذلك.
وقوله: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} كقوله {من عمل صالحاً فلنفسه} ونظائرها في القرآن كثيرة.
وقوله {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله, وقال عطاء الخراساني: يعني إذا عطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله. وهذا معنى حسن وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله, فقد وقع أجره على الله, ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب ألبرّ أو فاجر أو مستحق أو غيره, وهو مثاب على قصده, ومستند هذا تمام الاَية {وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون} والحديث المخرج في الصحيحين من طريق أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال رجل لأتصدقنّ الليلة بصدقة, فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية, فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية, فقال: اللهم لك الحمد على زانية, لأتصدقن الليلة بصدقة فوضعها في يد غني, فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني, قال: اللهم لك الحمد على غني, لأتصدقن الليلة بصدقة, فخرج فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق, فقال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق, فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت, وأما الزانية فلعلها أن تستعفف بها عن زنا, ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله, ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته».
وقوله {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} يعني المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة, وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} يعني سفراً للتسبب في طلب المعاش والضرب في الأرض هو السفر, قال الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} وقال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} الاَية.
وقوله {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} أي الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم, وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان, واللقمة واللقمتان, والأكلة والأكلتان, ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه, ولا يسأل الناس شيئاً». رواه أحمد من حديث ابن مسعود أيضاً.
وقوله {تعرفهم بسيماهم} أي بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم, كما قال تعالى: {سيماهم في وجوههم} وقال {ولتعرفنهم في لحن القول} وفي الحديث الذي في السنن «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ { إن في ذلك لاَيات للمتوسمين}.
وقوله: {لايسألون الناس إلحافاً} أي لا يلحون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه, فإن سأل وله ما يغنيه عن المسألة, فقد ألحق في المسألة, قال البخاري: حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شريك بن أبي نمر أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري, قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان, ولا اللقمة واللقمتان, إنما المسكين الذي يتعفف, اقرؤا إن شئتم يعني قوله {لا يسألون الناس إلحافاً} وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر المديني, عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر, عن عطاء بن يسار وحده, عن أبي هريرة به, وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا علي بن حجر, حدثنا إسماعيل, أخبرنا شريك وهو ابن أبي نمر عن عطاء بن يسار, عن أبي هريرة به, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان, واللقمة واللقمتان, إنما المسكين المتعفف, اقرؤوا إن شئتم {لا يسألون الناس إلحافًا} وروى البخاري من حديث شعبة, عن محمد بن أبي زياد, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, أخبرني ابن أبي ذئب, عن أبي الوليد, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ليس المسكين بالطواف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة, إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافاً» وقال ابن جرير: حدثني معتمر عن الحسن بن مالك, عن صالح بن سويد, عن أبي هريرة, قال: ليس المسكين بالطواف الذي ترده الأكلة والأكلتان, ولكن المسكين المتعفف في بيته لا يسأل الناس شيئاً تصيبه الحاجة, اقرؤوا إن شئتم {لا يسألون الناس إلحافاً} وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو بكر الحنفي, حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه, عن رجل من مزينة أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يسأله الناس ؟ فانطلقت أسأله فوجدته قائماً يخطب, وهو يقول «ومن استعف أعفه الله, ومن استغنى أغناه الله, ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق, فقد سأل الناس إلحافاً» فقلت بيني وبين نفسي: لناقة لهي خير من خمس أواق, ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق, فرجعت ولم أسأل, وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة, حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن عمارة بن عرفة, عن عبد الرحمن بن أبي سعيد, عن أبيه, قال: سرحتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله, فأتيته فقعدت, قال: فاستقبلني فقال «من استغنى أغناه الله, ومن استعف أعفه الله, ومن استكف كفاه الله, ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف, قال: فقلت ناقتي الياقوتة خير من أوقية, فرجعت فلم أسأله, وهكذا رواه أبو داود والنسائي عن قتيبة, زاد أبو داود وهشام بن عمار كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده نحوه, وقال ابن أبي حاتم, حدثنا أبي, حدثنا أبو الجماهر, حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال, عن عمارة بن غزية, عن عبد الرحمن بن أبي سعيد, قال: قال أبو سعيد الخدري, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سأل وله قيمة أوقية فهو ملحف». والأوقية أربعون درهماً, وقال أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن رجل من بني أسد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سأل أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً, وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن حكيم بن جبير, عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد, عن أبيه, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سأل وله ما يغنيه, جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو كدوحاً في وجهه» قالوا: يا رسول الله وما غناه ؟ قال «خمسون درهماً أو حسابها من الذهب». وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي, وقد تركه شعبة بن الحجاج, وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء هذا الحديث, وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي, حدثنا أبو حسين عبد الله بن أحمد بن يونس, حدثني أبي, حدثنا أبو بكر بن عياش عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين, قال: بلغ الحارث رجلاً كان بالشام من قريش, أن أبا ذر كان به عوز فبعث إليه ثلاثمائة دينار, فقال: ما وجد عبد الله رجلاً أهون عليه مني, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من سأل وله أربعون فقد ألحف» ولاَل أبي ذر أربعون درهماً وأربعون شاة وماهنان, قال أبو بكر بن عياش, يعني خادمين, وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, أخبرنا إبراهيم بن محمد, أنبأنا عبد الجبار, أخبرنا سفيان عن داود بن سابور, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «من سأل وله أربعون درهماً فهو ملحف وهو مثل سف الملة» يعني الرمل, ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان, عن أحمد بن آدم, عن سفيان وهو ابن عيينة بإسناده نحوه قوله {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} أي لا يخفى عليه شيء منه وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون إليه.
وقوله {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل ونهار, والأحوال من سر وجهر, حتى أن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضاً, كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضاً عام الفتح, وفي رواية عام حجة الوداع «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في فيّ أمرأتك». وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وبهز, قال: حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت, قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدث عن أبي مسعود رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قال «إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة», أخرجاه من حديث شعبة به, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا سليمان بن عبد الرحمن, حدثنا محمد بن شعيب, قال: سمعت سعيد بن يسار عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي, عن أبيه, عن جده, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: نزلت هذه الاَية {والذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم} في أصحاب الخيل. وقال حبش الصنعاني عن ابن شهاب, عن ابن عباس في هذه الاَية, قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله, رواه ابن أبي حاتم ثم قال: وكذا روي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, أخبرنا يحيى بن يمان عن عبد الوهاب بن مجاهد, عن ابن جبير, عن أبيه, قال: كان لعلي أربعة دراهم, فأنفق درهماً ليلاً ودرهماً نهاراً ودرهماً سراً ودرهماً علانية, فنزلت {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية}, وكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد, وهو ضعيف, ولكن رواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس, أنها نزلت في علي بن أبي طالب, وقوله {فلهم أجرهم عند ربهم} أي يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} تقدم تفسيره.


** الّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُوَاْ إِنّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَا وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ فَانْتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات, المخرجين الزكوات, المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات, شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات, فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها, إلى بعثهم ونشورهم, فقال {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}, أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه, وتخبط الشيطان له, وذلك أنه يقوم قياماً منكراً. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق, رواه ابن أبي حاتم, قال: وروي عن عوف بن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك, وحكي عن عبد الله بن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا في قوله {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} يعني لا يقومون يوم القيامة, وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد والضحاك وابن زيد, وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حنيف, عن أبي عبد الله بن مسعود, عن أبيه, أنه كان يقرأ {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة} وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا مسلم بن إبراهيم, حدثنا ربيعة بن كلثوم, حدثنا أبي, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: يقال يوم القيامة لاَكل الربا: خذ سلاحك للحرب, وقرأ {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} وذلك حين يقوم من قبره. وفي حديث أبي سعيد في الإسراء, كما هو مذكور في سورة سبحان, أنه عليه السلام مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت, فسأل عنهم, فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولاً, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا الحسن بن موسى, عن حماد بن سلمة, عن علي بن زيد, عن أبي الصلت, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات تجري من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء أكلة الربا». ورواه الإمام أحمد, عن حسن وعفان وكلاهما عن حماد بن سلمه به, وفي إسناده ضعف. وقد روى البخاري عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: فأتينا على نهر, حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم, وإذا في النهر رجل سابح يسبح, وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة, وإذا ذلك السابح يسبح, ثم يأتي الذي قد جمع الحجارة عنده, فيفغر له فاه فيلقمه حجراً, نذكر في تفسيره أنه آكل الربا.
وقوله {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا, وأحل الله البيع وحرم الربا}, أي إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه, وليس هذا قياساً منهم للربا على البيع, لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع, وإنما قالوا: {إنما البيع مثل الربا} أي هو نظيره, فلم حرم هذا وأبيح هذا ؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع, أي هذا مثل هذا, وقد أحل هذا وحرم هذا, وقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} يحتمل أن يكون من تمام الكلام رداً عليهم, أي على ما قالوه من الاعتراض, مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكماً, وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون, وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم, وما يضرهم ينهاهم عنه, وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل, ولهذا قال: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} أي من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه, فله ما سلف من المعاملة, لقوله: {عفا الله عما سلف} وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة «وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدميّ هاتين, وأول ربا أضع ربا العباس» ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف, كما قال تعالى: {فله ما سلف وأمره إلى الله} قال سعيد بن جبير والسدي: فله ما سلف ما كان أكل من الربا قبل التحريم. وقال ابن أبي حاتم: قرى على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, أخبرنا ابن وهب, أخبرني جرير بن حازم, عن أبي إسحاق الهمداني, عن أم يونس يعني امرأته العالية بنت أيفع, أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت: نعم, قالت: فإني بعته عبداً إلى العطاء بثمانمائة, فأحتاج إلى ثمنه, فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة, فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت, أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, إن لم يتب, قال: فقلت أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة ؟ قالت: نعم {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} وهذا الأثر مشهور وهو دليل لمن حرم مسألة العينة, مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في كتاب الأحكام, ولله الحمد والمنة, ثم قال تعالى: {ومن عاد} أي إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه, فقد استوجب العقوبة, وقامت عليه الحجة, ولهذا قال: {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وقد قال أبو داود: حدثنا يحيى أبو داود, حدثنا يحيى بن معين, أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي, عن عبد الله بن عثمان خثيم, عن أبي الزبير, عن جابر, قال: لما نزلت {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله» ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن خثيم, وقال : صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه, وإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل وبالتمر على وجه الأرض, والمحاقلة وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض, إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسماً لمادة الربا, لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف, ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة, ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه, وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم, وقد قال تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم} وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم, وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد, والكلالة, وأبواب من أبواب الربا ـ يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا ـ والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله, لأن ما أفضى إلى الحرام حرام, كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بين والحرام بين, وبين ذلك أمور مشتبهات, فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام, كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه» وفي السنن عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وفي الحديث الاَخر: «الإثم ما حاك في القلب وترددت فيه النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس» وفي رواية «استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك» وقال الثوري عن عاصم, عن الشعبي, عن ابن عباس, قال: آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم, آية الربا, رواه البخاري عن قبيصة عنه, وقال أحمد عن يحيى عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة عن سعيد بن المسيب, أن عمر قال: من آخر ما نزل, آية الربا, وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا, فدعوا الربا والريبة, وقال رواه ابن ماجه وابن مردويه من طريق هياج بن بسطام, عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري, قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم, وآمركم بأشياء لا تصلح لكم, وإن من آخر القرآن نزولاً آية الربا, وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا, فدعوا ما يريبكم, إلى ما لا يريبكم, وقد قال ابن أبي عدي بالإسناد موقوفاً, فذكره ورده الحاكم في مستدركه, وقد قال ابن ماجه, حدثنا عمرو بن علي الصيرفي, حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن زبيد عن إبراهيم عن مسروق عن عبد الله, هو ابن مسعود, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الربا ثلاثة وسبعون باباً» ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث عمرو بن علي الفلاس بإسناده مثله, وزاد «أيسرها أن ينكح الرجل أمه, وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» وقال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه. وقال ابن ماجه: حدثنا عبد الله بن سعيد, حدثنا عبد الله بن إدريس, عن أبي معشر عن سعيد المقبري, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الربا سبعون جزءاً, أيسرها أن ينكح الرجل أمه» وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم عن عباد بن راشد, عن سعيد بن أبي خيرة, حدثنا الحسن منذ نحو أربعين أو خمسين سنة, عن أبي هريرة أن رسول الله . صلى الله عليه وسلم قال «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا», قال: قيل له: الناس كلهم ؟ قال«من لم يأكله منهم ناله من غباره», وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه, من غير وجه, عن سعيد بن أبي خيرة, عن الحسن به, ومن هذا القبيل تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات, الحديث الذي رواه الإمام أحمد, حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش, عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عائشة, قالت: لما نزلت الاَيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقرأهن, فحرم التجارة في الخمر, وقد أخرجه الجماعة, سوى الترمذي, من طرق من الأعمش به, وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الاَية, فحرم التجارة, وفي لفظ له عن عائشة, قالت: لما نزلت الاَيات من آخر سورة البقرة في الربا, قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس, ثم حرم التجارة في الخمر, قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك, كما قال عليه السلام في الحديث المتفق عليه: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها» وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما, عند لعن المحلّل في تفسير قوله: {حتى تنكح زوجاً غيره} قوله صلى الله عليه وسلم «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه», قالوا: وما يشهد عليه ويكتب إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي, ويكون داخله فاسداً, فالاعتبار بمعناه لا بصورته, لأن الأعمال بالنيات, وفي الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم, وإنما ينظر إلى قلوبكم, وأعمالكم» وقد صنف الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية, كتاباً في إبطال التحليل, تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل, وقد كفى في ذلك, وشفى, فرحمه الله, ورضي عنه.


** يَمْحَقُ اللّهُ الْرّبَا وَيُرْبِي الصّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ كَفّارٍ أَثِيمٍ * إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا, أي يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه, أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به, بل يعدمه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة, كما قال تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} وقال تعالى: {ويجعل الخبيث بعضه على بعض, فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم} وقال {وما آتيتم من رباً ليربو في أموال الناس فلا يربوا عند الله} الاَية, وقال ابن جرير: في قوله {يمحق الله الربا} وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل, وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده, فقال: حدثنا حجاج. حدثنا شريك, عن الركين بن الربيع عن أبيه, عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل», وقد رواه ابن ماجه: عن العباس بن جعفر عن عمرو بن عون, عن يحيى بن زائدة عن إسرائيل عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري, عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قال «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل», وهذا من باب المعاملة, بنقيض المقصود, كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم, حدثنا الهيثم بن نافه الظاهري, حدثني أبو يحيى رجل من أهل مكة, عن فروخ مولى عثمان, أن عمر وهو يومئذٍ أمير المؤمنين, خرج من المسجد فرأى طعاماً منشوراً, فقال: ما هذا الطعام ؟



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 09:07 PM   #30
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
فقالوا: طعام جلب إلينا, قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه, قيل: يا أمير المؤمنين إنه قد احتكر, قال: من احتكره ؟ قالوا: فروخ مولى عثمان وفلان مولى عمر, فأرسل إليهما, فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين ؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع, فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجذام», فقال فروخ عند ذلك: أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبداً, وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع, قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذوماً, ورواه ابن ماجه من حديث الهيثم بن رافع به, ولفظه «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس والجذام».
وقوله {ويربي الصدقات} قرى بضم الياء والتخفيف, من ربا الشيء يربو وأرباه يربيه, أي كثره ونماه ينميه, وقرى يربي بالضم والتشديد من التربية, قال البخاري: حدثنا عبد الله بن كثير, أخبرنا كثير سمع أبا النصر, حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار, عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب, ولا يقبل الله إلا الطيب, فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه, حتى يكون مثل الجبل» كذا رواه في كتاب الزكاة, وقال في كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد بن سليمان بن بلال, عن عبد الله بن دينار فذكره بإسناده نحوه, وقد رواه مسلم في الزكاة, عن أحمد بن عثمان بن حكيم, عن خالد بن مخلد, فذكره, قال البخاري ورواه مسلم بن أبي مريم, وزيد بن أسلم, وسهيل, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم, فقد تفرد البخاري بذكرها, وأما طريق زيد بن أسلم, فرواها مسلم في صحيحه, عن أبي الطاهر بن السرح عن أبي وهب, عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم به, وأما حديث سهيل, فرواه مسلم عن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل به, والله أعلم, قال البخاري: وقال ورقاء عن ابن دينار عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, وقد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي, عن الحاكم وغيره, عن الأصم, عن العباس المروزي, عن أبي النضر, هاشم بن القاسم, عن ورقاء وهو ابن عمر اليشكري, عن عبد الله بن دينار, عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب, ولا يصعد إلى الله إلا الطيب, فإن الله يقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلّوه, حتى يكون مثل أحد» وهكذا روى هذا الحديث مسلم والترمذي والنسائي جميعا, عن قتيبة, عن الليث بن سعد, عن سعد المقبري, وأخرجه النسائي من رواية مالك, عن يحيى بن سعيد الأنصاري, ومن طريق يحيى القطان, عن محمد بن عجلان, ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم , فذكره, وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر, فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي, حدثنا وكيع, عن عباد بن منصور, حدثنا القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول, الله صلى الله عليه وسلم «إن الله عز وجل يقبل الصدقة, ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه, حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله {يمحق الله الربى ويربي الصدقات} وكذا رواه أحمد, عن وكيع, وهو في تفسير وكيع, ورواه الترمذي, عن أبي كريب عن وكيع به, وقال: حسن صحيح, وكذا رواه الثوري عن عباد بن منصور به, ورواه أحمد أيضاً عن خلف بن الوليد, عن ابن المبارك, عن عبد الواحد بن ضمرة وعباد بن منصور, كلاهما عن أبي نضرة, عن القاسم به, وقد رواه ابن جرير, عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق, عن عبد الرزاق, عن معمر, عن أيوب, عن القاسم بن محمد, عن أبي هريرة, قال: قال رسول, الله صلى الله عليه وسلم «إن العبد إذا تصدق من طيب يقبلها الله منه, فيأخذهابيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله, وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله, أو قال في كف الله حتى تكون مثل أحد, فتصدقوا» وهكذا رواه أحمد: عن عبد الرزاق, وهذا طريق غريب صحيح الإسناد, ولكن لفظه عجيب, والمحفوظ ما تقدم, وروي عن عائشة أم المؤمنين, فقال الإمام أحمد, حدثنا عبد الصمد, حدثنا حماد عن ثابت, عن القاسم بن محمد, عن عائشة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلّوه أو فصيله حتى يكون مثل أحد» تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال البزار حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور حدثنا إسماعيل حدثني أبي عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الضحاك بن عثمان عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب, ولا يقبل الله إلا الطيب, فيتلقاها الرحمن بيده, فيربيها كما يربي أحدكم فلّوه أو وصيفه» أو قال فصيله, ثم قال: لا نعلم أحداً رواه عن يحيى بن سعيد عن عمرة إلا أبا أويس.
وقوله {والله لا يحب كل كفار أثيم}, أي لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل, ولا بد من مناسبة في ختم هذه الاَية بهذه الصفة, وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال, ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح, فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل, بأنواع المكاسب الخبيثة, فهو جحود لما عليه من النعمة, ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل ـ ثم قال تعالى مادحاً للمؤمنين بربهم, المطيعين أمره المؤدين شكره, المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, مخبراً عما أعد لهم من الكرامة, وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون فقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.


** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ * فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىَ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدّقُواْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه, ناهياً لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه, فقال {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي خافوه وراقبوه فيما تفعلون {وذروا ما بقي من الربا} أي اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال, بعد هذا الإنذار {إن كنتم مؤمنين} أي بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك, وقد ذكر زيد بن أسلم, وابن جريج ومقاتل بن حيان والسدي, أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف, وبني المغيرة من بني مخزوم, كان بينهم ربا في الجاهلية, فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه, طلبت ثقيف أن تأخذه منهم, فتشاورا وقالت بني المغيرة لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام, فكتب في ذلك عتاب بن أسيد, نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاَية, فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} فقالوا نتوب إلى الله, ونذر ما بقي من الربا فتركوه كلهم, وهذا تهديد ووعيد أكيد, لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار قال ابن جريج: قال ابن عباس: {فأذنوا بحرب}, أي استيقنوا بحرب من الله و رسوله, وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم, عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال: يقال يوم القيامة لاَكل الربا: خذ سلاحك للحرب, ثم قرأ {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله} وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله} فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه, كان حقاً على إمام المسلمين أن يستتيبه, فإن نزع وإلا ضرب عنقه, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا محمد بن بشار, حدثنا عبد الأعلى, حدثنا هشام بن حسان, عن الحسن وابن سيرين, أنهما قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا, وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله, ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم, فإن تابوا وإلا وضع فيه السلاح.
وقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل كما يسمعون, وجعلهم بهرجاً أين ما أتوا, فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا, فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه, فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة. رواه ابن أبي حاتم, وقال الربيع بن أنس: أوعد الله آكل الربا بالقتل, رواه ابن جرير, وقال السهيلي: ولهذا قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي صلى الله عليه وسلم قد بطل إلا أن يتوب, فخصت الجهاد لأنه ضد قوله: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} قال: وهذا المعنى ذكره كثير, قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف.
ـ ثم قال تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون} أي بأخذ الزيادة {ولاتظلمون} أي بوضع رؤوس الأموال أيضاً, بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب, حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان, عن شبيب بن غرقدة المبارقي, عن سليمان بن عمرو بن الأحوص, عن أبيه, قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع, فقال «ألا إن كل رباً كان في الجاهلية موضوع عنكم كله, لكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولاتظلمون, وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب, موضوع كله» وكذا وجده سليمان بن الأحوص, وقال ابن مردويه: حدثنا الشافعي, حدثنا معاذ بن المثنى, أخبرنا مسدد, أخبرنا أبو الأحوص, حدثنا شبيب بن غرقدة, عن سليمان بن عمرو, عن أبيه, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ألا إن كلّ ربا من ربا الجاهلية موضوع, فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون» وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد, عن أبي حمزة الرقاشي عن عمر وهو ابن خارجة, فذكره.
وقوله {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء, فقال {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي, ثم يندب إلى الوضع عنه, ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل, فقال: {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} أي وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين, وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
(فالحديث الأول) عن أبي أمامة أسعد بن زرارة. قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني, حدثنا يحيى بن حكيم المقوم, حدثنا محمد بن بكر البرساني, حدثنا عبد الله بن أبي زياد, حدثني عاصم بن عبيد الله, عن أبي أمامة أسعد بن زرارة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله, فلييسر على معسر أو ليضع عنه».
(حديث آخر) عن بريدة. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا عبد الوارث, حدثنا محمد بن جحادة, عن سليمان بن بريدة, عن أبيه, قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة» قال: ثم سمعته يقول: «من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة» قلت: سمعتك يا رسول الله تقول «من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة». ثم سمعتك تقول «من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة», قال: «له لكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين, فإذا حل الدين فأنظره, فله بكل يوم مثلاه صدقة».
(حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري. قال أحمد: حدثنا حماد بن سلمة, أخبرنا أبو جعفر الخطمي, عن محمد بن كعب القرظي, أن أبا قتادة كان له دين على رجل, وكان يأتيه يتقاضاه فيختبى منه, فجاء ذات يوم فخرج صبي, فسأله عنه, فقال: نعم هو في البيت يأكل خزيرة, فناداه, فقال: يا فلان, اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا, فخرج إليه, فقال: ما يغيبك عني ؟ فقال إني معسر وليس عندي شيء, قال: آلله أنك معسر ؟ قال: نعم, فبكى أبو قتادة, ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من نفس عن غريمه, أو محا عنه, كان في ظل العرش يوم القيامة», ورواه مسلم في صحيحه.
(حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان, قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس أحمد بن عمران, حدثنا محمد بن فضيل, حدثنا أبو مالك الأشجعي, عن ربعي بن خراش, عن حذيفة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت في الدينا ؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها ـ قالها ثلاث مرات ـ قال العبد عند آخرها: يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال, وكنت رجلاً أبايع الناس, وكان من خلقي الجواز, فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر, قال: فيقول الله عز وجل: أنا أحق من ييسر, ادخل الجنة». وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه من طرق عن ربعي بن حراش, عن حذيفة, زاد مسلم وعقبة بن عامر وأبي مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, ولفظ البخاري: حدثنا هشام بن عمار, حدثنا يحيى بن حمزة, حدثنا الزهري عن عبد الله بن عبد الله, أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «كان تاجر يداين الناس, فإذا رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزا عنه لعل الله يتجاوز عنا, فتجاوز الله عنه».
(حديث آخر) عن سهل بن حنيف, قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب, حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى, حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك, حدثنا عمرو بن ثابت, حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل, عن عبد الله بن سهل بن حنيف, أن سهلاً حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «من أعان مجاهداً في سبيل الله أو غازياً أو غارماً في عسرته أو مكاتباً في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(حديث آخر) عن عبد الله بن عمر, قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد, عن يوسف بن صهيب, عن زيد العمى عن ابن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته, فليفرج عن معسر». انفرد به أحمد.
(حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون, أخبرنا أبو مالك عن ربعي بن حراش, عن حذيفة, أن رجلاً أتى به الله عز وجل, فقال: ماذا عملت في الدنيا ؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرة من خير, فقال ثلاثاً, وقال في الثالثة: إني كنت أعطيتني فضلاً من المال في الدنيا, فكنت أبايع الناس, فكنت أيسر على الموسر, وأنظر المعسر. فقال تبارك وتعالى: نحن أولى بذلك منك, تجاوزا عن عبدي, فغفر له. قال أبو مسعود: هكذا سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم, وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به.
(حديث آخر) عن عمران بن حصين. قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر, أخبرنا أبو بكر, عن الأعمش, عن أبي دواد, عن عمران بن حصين قال, قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له على رجل حق فأخره, كان له بكل يوم صدقة», غريب من هذا الوجه, وقد تقدم عن بريدة نحوه.
(حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو, حدثنا زائدة, عن عبد الملك بن عمير, عن ربعي, قال: حدثنا أبو اليسر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من أنظر معسراً أو وضع عنه, أظله الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله». وقد أخرجه مسلم في صحيحه ومن وجه آخر من حديث عباد بن الوليد بن عبادة بن الصامت, قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا, فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومعه غلام له معه ضمامة من صحف, وعلى أبي اليسر بردة ومعافري, وعلى غلامة بردة ومعافري, فقال له أبي: يا عم, إني أرى في وجهك سفعة من غضب, قال: أجل كان لي على فلان بن فلان ـ الحرامي ـ مال, فأتيت أهله, فسلمت فقلت: أثم هو ؟ قالوا: لا , فخرج عليّ ابن له جفر, فقلت: أين أبوك ؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي, فقلت: اخرج إلي فقد علمت أين أنت, فخرج, فقلت ما حملك على أن اختبأت مني ؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك, خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو أعدك فأخلفك, وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكنت والله معسراً. قال: قلت: آلله. قال: قلت: آلله ؟ قال: الله, ثم قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده, ثم قال: فإن وجدت قضاء فاقضني وإلا فأنت في حل, فأشهد بصر عيناي هاتان ـ ووضع أصبعيه على عينيه ـ وسمع أذناي هاتان, ووعاه قلبي ـ وأشار إلى نياط قلبه, رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: من أنظر معسراً أو وضع عنه, أظله الله في ظله. وذكر تمام الحديث.
(حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان, قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحمن, حدثنا الحسن بن أسد بن سالم الكوفي, حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري, عن هشام بن زياد القرشي, عن أبيه, عن محجن مولى عثمان, عن عثمان, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «أظل الله عيناً في ظله يوم لا ظل إلا ظله, من أنظر معسراً, أو ترك لغارم».
(حديث آخر) عن ابن عباس. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد, حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني, عن مقاتل بن حيان, عن عطاء, عن ابن عباس, قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وهو يقول بيده: هكذا, وأومأ عبد الرحمن بيده إلى الأرض «من أنظر معسراً أو وضع عنه, وقاه الله من فيح جهنم ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ـ ثلاثا ـ ألا إن عمل النار سهل بسهوة, والسعيد من وقي الفتن, وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد, ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيماناً» تفرد به أحمد.
(طريق آخر) قال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحديبية من ديار ربيعة, حدثناالحسن بن علي الصدائي, حدثنا الحكم بن الجارود, حدثنا ابن أبي المتئد خال ابن عيينة, عن أبيه, عن عطاء, عن ابن عباس قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أنظر معسراً إلى ميسرته أنظره اللهبذنبه إلى توبته».
ثم قال تعالى يعظ عباده, ويذكرهم زوال الدنيا, وفناء ما فيها من الأموال وغيرها, وإتيان الاَخرة, والرجوع إليه تعالى, ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا, ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر, ويحذرهم عقوبته, فقال: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}, وقد روي أن هذه الاَية آخر آية نزلت من القرآن العظيم, فقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار, عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}, وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الاَية تسع ليال, ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول, رواه ابن أبي حاتم, وقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي عن حبيب ابن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: آخر آية نزلت {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} وقد رواه النسائي من حديث يزيد النحوي, عن عكرمة, عن عبد الله بن عباس, قال: آخر شيء نزل من القرآن {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}, وكذا رواه الضحاك والعوفي عن ابن عباس, وروى الثوري عن الكلبي, عن أبي صالح, عن ابن عباس, قال: آخر آية نزلت {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} فكان بين نزولها وموت النبي صلى الله عليه وسلم واحد وثلاثون يوماً, وقال ابن جريج: يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعدها تسع ليال وبدء يوم السبت ومات يوم الإثنين, رواه ابن جرير, ورواه ابن عطية عن أبي سعيد, قال آخر آية نزلت{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}


** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فَإِن لّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَآءِ أَن تَضِلّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَىَ وَلاَ يَأْبَ الشّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوَاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىَ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشّهَادَةِ وَأَدْنَىَ أَلاّ تَرْتَابُوَاْ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَيُعَلّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
هذه الاَية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم, وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني يونس عن ابن شهاب, قال حدثني سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا حماد بن سلمة, عن علي بن زيد, عن يوسف بن مهران, عن ابن عباس أنه قال لما نزلت آية الدين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أول من جحد آدم عليه السلام, إن الله لما خلق آدم مسح ظهره, فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة, فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلاً يزهر, فقال: أي رب من هذا ؟ قال: هو ابنك داود, قال: أي رب, كم عمره, قال ستون عاماً, قال: رب زذ في عمره, قال: لا إلا أن أزيده من عمرك, وكان عمر آدم ألف سنة, فزاده أربعين عاماً, فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة, فلما احتضر آدم وأتته الملائكة, قال: إنه بقي من عمري أربعون عاماً, فقيل له: إنك وهبتها لابنك داود, قال: ما فعلت, فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة». وحدثنا أسود بن عامر, عن حماد بن سلمة, فذكره وزاد فيه «فأتمها الله لداود مائة وأتمها لاَدم ألف سنة». وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يوسف بن أبي حبيب, عن أبي داود الطيالسي, عن حماد بن سلمة: هذا حديث غريب جداً, وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة, وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي وثاب عن سعيد المقبري, عن أبي هريرة, ومن رواية أبي داود بن أبي هند, عن الشعبي عن أبي هريرة, ومن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, ومن حديث تمام بن سعد, عن زيد بن أسلم, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, فذكره بنحوه.
فقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذاتعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها, ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها, وقد نبه على هذا في آخر الاَية حيث قال: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا} وقال سفيان الثوري, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} قال: أنزلت في السلم إلى أجل غير معلوم, وقال قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس, قال: أشهد السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه, ثم قرأ {يا أيها الذين آمنوا إذا تدانيتم بدين إلى أجل مسمى}, رواه البخاري, وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح, عن عبد الله بن كثير, عن أبي المنهال, عن ابن عباس, قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أسلف فليسلف في كيل معلوم, ووزن معلوم, إلى أجل معلوم», وقوله: {فاكتبوه} أمر منه تعالى بالكتابة لتوثقة والحفظ, فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر, قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة ؟ فالجواب أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلاً, لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظه على الناس, والسنن أيضاً محفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس, فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم, قال ابن جريج: من ادّان فليكتب, ومن ابتاع فليشهد, وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلاً صحب كعباً, فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلوماً دعا ربه فلم يستجب له ؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك ؟ قال: رجل باع بيعاً إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب فلما حل ماله جحده صاحبه, فدعا ربه فلم يستجب له, لأنه قد عصى ربه, وقال أبو سعيد والشعبي والربيع بن أنس والحسن وابن جريج وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجباً, ثم نسخ بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته} والدليل على ذلك أيضاً الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقرراً في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد, حدثنا ليث عن جعفر بن ربيعة, عن عبد الرحمن بن هرمز, عن أبي هريرة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه ذكر أن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار, فقال: ائتني بشهداء أشهدهم. قال: كفى بالله شهيداً, قال ائتني بكفيل قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت,فدفعها إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركباً يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً فأخذ خشبة فنقرها, فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها, ثم زجج موضعها, ثم أتى بها البحر, ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلاناً ألف دينار, فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً, فرضي بذلك¹ وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً, فقلت: كفى بالله شهيداً, فرضي بذلك¹ وإني قد جهدت أن أجد مركباً أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركباً وإني استودعتكها, فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه, ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركباً إلى بلده, فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً يجيئه بماله, فإذا بالخشبة التي فيها المال, فأخذها لأهله حطباً, فلما كسرها وجد المال والصحيفة, ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه, فأتاه بألف دينار وقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لاَتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه قال: هل كنت بعثت إلىّ بشيء ؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه ؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة, فانصرف بألفك راشداً, وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحة معلقاً بصيغة الجزم, فقال وقال الليث بن سعيد فذكره, ويقال إنه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه.
وقوله: {فليكتب بينكم كاتب بالعدل} أي بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد, ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب} أي ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك, فكما علمه الله ما لم يكن يعلم, فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب, كما جاء في الحديث «إن من الصدقة أن تعين صانعاً أو تصنع لأخرق» وفي الحديث الاَخر «من كتم علماً يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» وقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب, وقوله: {وليملل الذي عيه الحق وليتق الله ربه} أي وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق الله في ذلك {ولا يبخس منه شيئاً} أي لا يكتم منه شئياً {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} محجوراً عليه بتبذير ونحوه {أو ضعيفاً} أي صغيراً, أو مجنوناً {أو لا يستطيع أن يمل هو} إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه {فليملل وليه بالعدل}.
وقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} وهذا إنما يكون في الأموال, وما يقصد به المال, وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة, كما قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة, حدثنا إسماعيل بن جعفر, عن عمرو بن أبي عمرو, عن المقبري, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قال «يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار, فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار ؟ قال: «تكثرن اللعن, وتكفرن العشير, ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين ؟ قال «أما نقصان عقلها, فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل, فهذا نقصان العقل, وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين».
وقوله: {ممن ترضون من الشهداء} فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود, وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط وقد استدل من رد المستور بهذه الاَية الدالة على أن يكون الشاهد عدلاً مرضياً. وقوله: {أن تضل إحداهما} يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة {فتذكر إحداهما الأخرى} أي يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد, وبهذا قرأ آخرون فتذكر بالتشديد من التذكار, ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر فقد أبعد. والصحيح الأول, والله أعلم.
وقوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة, وهو قول قتادة والربيع بن أنس, وهذا كقوله: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب} ومن ههنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية, وقيل مذهب الجمهور, والمراد بقوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} للأداء, لحقيقة قوله الشهداء, والشاهد حقيقة فيمن تحمل, فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية, والله أعلم, وقال مجاهد وأبو مجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار, وإذا شهدت فدعيت فأجب, وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن من طريق مالك, عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم, عن أبيه عبد الله بن عمرو بن عثمان, عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «ألا أخبركم بخير الشهداء ؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» فأما الحديث الاَخر في الصحيحين «ألا أخبركم بشر الشهداء ؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا» وكذا قوله: «ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم, وتسبق شهادتهم أيمانهم» وفي رواية «ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون» وهؤلاء شهود الزور, وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري أنها تعم الحالين التحمل, والأداء.
وقوله: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله} هذا من تمام الإرشاد وهو الأمر بكتابة الحق صغيراً كان أو كبيراً, فقال: ولا تسأموا أي لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله, وقوله: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا} أي هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلاً هو أقسط عند الله, أي أعدل وأقوم للشهادة, أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة, لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه, كما هو الواقع غالباً {وأدنى أن لا ترتابوا} وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة.
وقوله: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها} أي إذا كان البيع بالحاضر يداً بيد, فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.
فأما الإشهاد على البيع فقد قال تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثني يحيى بن عبد الله بن بكر, حدثني ابن لهيعة, حدثني عطاء بن دينار, عن سعيد بن جبير, في قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} يعني أشهدوا على حقكم إذا كان في أجل أو لم يكن فيه أجل , فأشهدوا على حقكم على كل حال, قال وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذلك, وقال الشعبي و الحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته} وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب, والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري, وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان, حدثنا شعيب عن الزهري, حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. أن النبي صلى الله عليه وسلم, ابتاع فرساً من أعرابي, فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه, فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وأبطأ الأعرابي, فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس, ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم, فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه وإلا بعته, فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي, قال: أوليس قد ابتعته منك ؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتك, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «بل قد ابتعته منك» فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم, والأعرابي, وهما يتراجعان فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك, فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول إلا حقاً حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك, قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته, فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال «بم تشهد» ؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين, وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي, وكلاهما عن الزهري به نحوه, ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مردويه, والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن معاذ العنبري, عن فراس, عن الشعبي, عن أبي بردة, عن أبي موسى, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سئية الخلق فلم يطلقها, ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ, ورجل أقرض رجلاً مالاً فلم يشهد» ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين, قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى, وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين».
وقوله تعالى: {ولا يضارّ كاتب ولا شهيد} قيل: معناه لا يضارّ الكاتب ولا الشاهد, فيكتب هذا خلاف ما يملي, ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية, وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما. وقيل: معناه لا يضربهما, قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم, حدثنا الحسين يعني ابن حفص, حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زيادة, عن مقسم, عن ابن عباس, في هذه الاَية {ولا يضارّ كاتب ولا شهيد} قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة, فيقولان: إنا على حاجة, فيقول إنكما قد أمرتما أن تجيبا, فليس له أن يضارهما, قال: وروي عن عكرمة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك, وقوله: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} أي إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه, فإنه فسق كائن بكم, أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه, وقوله {واتقوا الله} أي خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره {ويعلمكم الله} كقوله {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} وكقوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به} وقوله: {والله بكل شيء عليم} أي هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء بل علمه محيط بجميع الكائنات.


** وَإِن كُنتُمْ عَلَىَ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدّ الّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
يقول تعالى: {وإن كنتم على سفر} أي مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى {ولم تجدوا كاتباً} يكتب لكم, قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجدوا قرطاساً أو دواة أو قلماً, فرهان مقبوضة, أي فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة أي في يد صاحب الحق, وقد استدل بقوله: {فرهان مقبوضة} على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي والجمهور, واستدل بها آخرون على أنه لابد أن يكون الرهن مقبوضاً في يد المرتهن, وهو رواية عن الإمام أحمد, وذهب إليه طائفة, واستدل آخرون من السلف بهذه الاَية, على أنه لا يكون الرهن مشروعاً إلا في السفر, قاله مجاهد وغيره, وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير رهنها قوتاً لأهله, وفي رواية: من يهود المدينة. وفي رواية الشافعي عند أبي الشحم اليهودي, وتقرير هذه المسائل في كتاب الأحكام الكبير, ولله الحمد والمنة, وبه المستعان.
وقوله {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته} روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هذه نسخت ما قبلها. وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضاً فلا بأس أن لا تكتبوا أولا تشهدوا: وقوله: {وليتق الله ربه} يعني المؤتمن كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية قتادة, عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «على اليد ما أخذت حتى تؤديه».
قوله: {ولا تكتموا الشهادة} أي لا تخفوها وتغلوها, ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر وكتمانها كذلك, ولهذا قال {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} قال السدي: يعني فاجر قلبه, وهذه كقوله تعالى: {ولا نكتم شهادة الله إنا إذاً لمن الاَثمين} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} وهكذا قال ههنا {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم}.


** للّهِ ما فِي السّمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن, وأنه المطلع على ما فيهن, لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر وإن دقت وخفيت, وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم, كما قال تعالى: {قل إن تخفوا ما في صدروكم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير} وقال {يعلم السر وأخفى} والاَيات في ذلك كثيرة جداً, وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك, ولهذا لما نزلت هذه الاَية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم, وخافوا منها, ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها, وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم, حدثني أبو عبد الرحمن يعني العلاء عن أبيه, عن أبي هريرة, قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق, الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الاَية, ولا نطيقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا, غفرانك ربنا وإليك المصير» فلما أقر بها القوم وذلت بها ألسنتهم, أنزل الله في أثرها {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله, وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} إلى آخره. ورواه مسلم منفرداً به من حديث يزيد بن زريع, عن روح بن القاسم, عن العلاء, عن أبيه عن أبي هريرة, فذكر مثله ولفظه, فلما فعلوا ذلك نسخها الله, فأنزل الله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت, ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: نعم, {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال: نعم {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: نعم {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال: نعم.
(حديث ابن عباس في ذلك) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن آدم بن سليمان, سمعت سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما نزلت هذه الاَية {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا» فألقى الله الإيمان في قلوبهم, فأنزل الله {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} إلى قوله {فانصرنا على القوم الكافرين} وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شبية وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم, ثلاثتهم عن وكيع به, وزاد {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: قد فعلت {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال: قد فعلت {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}قال: قد فعلت {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال: قد فعلت.
(طريق أخرى) عن ابن عباس. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن حميد الأعرج, عن مجاهد, قال: دخلت على ابن عباس, فقلت: يا أبا عباس, كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الاَية فبكى, قال: أية آية ؟ قلت {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} قال ابن عباس: إن هذه الاَية حين أنزلت, غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غماً شديداً وغاظتهم غيظاً شديداً, وقالوا: يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل, فأما قلوبنا فليست بأيدينا, فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا» فقالوا سمعنا وأطعنا, قال: فنسختهاهذه الاَية {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله} إلى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال.
(طريق أخرى) عنه. قال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني يونس بن يزيد, عن ابن شهاب, عن سعيد بن مرجانة, سمعه يحدث: أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الاَية {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء} الاَية, فقال: والله لئن واخذنا الله بهذا لنهلكن, ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه, قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس, فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها, فقال ابن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر, فأنزل الله بعدها {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها, وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.
(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا إسحاق, حدثنا يزيد بن هارون, عن سفيان بن حسين, عن الزهري, عن سالم, أن أباه قرأ {وإن تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} فدمعت عيناه, فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت, فنسختها الاَية التي بعدها {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس, وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس قال البخاري: حدثنا إسحاق, حدثنا روح, حدثنا شعبة عن خالد الحذاء, عن مروان الأصغر, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} قال: نسختها الاَية التي بعدها, وهكذا روي عن عليّ وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة, أنها منسوخة بالتي بعدها, وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة, عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تكلم أو تعمل».
وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة, عن أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال الله: إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه, فإن عملها فاكتبوها سيئة, وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة, فإن عملها فاكتبوها عشراً» لفظ مسلم وهو في إفراده من طريق إسماعيل بن جعفر, عن العلاء, عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «قال الله: إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة, فإن عملها كتبتها له عشر حسنات, إلى سبعمائة ضعف, وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه, فإن عملها كتبتها سيئة واحدة». وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن همام بن منبه, قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «قال الله: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل, فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها, وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها, فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قالت الملائكة: رب وذاك أن عبدك, يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه, فإن عملها فاكتبوها له بمثلها, وإن تركها فاكتبوها له حسنة, وإنما تركها من جراي». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أحسن أحد إسلامه, فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف, وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل» تفرد به مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق بهذا السياق واللفظ, وبعضه في صحيح البخاري. وقال مسلم أيضاً: حدثنا أبو كريب, حدثنا خالد الأحمر, عن هشام, عن ابن سيرين, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة, ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة, ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له, وإن عملها كتبت» تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب. وقال مسلم أيضاً: حدثنا شيبان بن فروخ, حدثنا عبد الوارث عن الجعد أبي عثمان, حدثنا أبو رجاء العطاردي عن ابن عباس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى, قال «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك, فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة, وإن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة, وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة, وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة, وإن همّ بها فعملها, كتبها الله عنده سيئة واحدة» ثم رواه مسلم عن يحيى بن يحيى, عن جعفر بن سليمان, عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الرزاق,. زاد «ومحاها الله ولا يهلك على الله إلا هالك» وفي حديث سهيل عن أبيه, عن أبي هريرة, قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به, قال «وقد وجدتموه ؟» قالوا: نعم, قال «ذاك صريح الإيمان» لفظ مسلم, وهو عند مسلم أيضاً من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به, وروى مسلم أيضاً من حديث مغيرة, عن إبراهيم, عن علقمة, عبد الله, قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة, قال «تلك صريح الإيمان».
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} فإنها لم تنسخ, ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي, فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم, وهو قوله {يحاسبكم به الله} يقول: يخبركم, وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب, وهو قوله {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} وهو قوله {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي من الشك والنفاق. وقد روى العوفي والضحاك عنه قريباً من هذا.
وروى ابن جرير عن مجاهد والضحاك نحوه, وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة لم تنسخ, واختار ابن جرير ذلك واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة, وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر, وقد يحاسب ويعاقب, بالحديث الذي رواه عند هذه الاَية قائلاً: حدثنا ابن بشار, حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد بن هشام (ح) وحدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية, حدثنا ابن هشام, قالا جميعاً في حديثهما عن قتادة عن صفوان بن محرز, قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف, إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر, ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يدنو المؤمن من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول له: هل تعرف كذا ؟ فيقول: رب أعرف, مرتين, حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ, قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم, قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه, وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة به, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد, عن أبيه, قال: سألت عائشة عن هذه الاَية {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} قالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها, فقالت: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمى والنكبة, والبضاعة يضعها في يد كمه فيفقدها, فيفزع لها ثم يجدها في ضبنته حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر, وكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة به, وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه. (قلت) وشيخه علي بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته, وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أم محمد أمية بنت عبد الله, عن عائشة, وليس لها عنها في الكتب سواه.


** آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الاَيتين الكريمتين نفعنا الله بهما
(الحديث الأول) ـ قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير, أخبرنا شعبة عن سليمان, عن إبراهيم, عن عبد الرحمن, عن ابن مسعود, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «من قرأ الاَيتين» وحدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد, عن أبي مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ بالاَيتين ـ من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» وقد أخرجه بقية الجماعة عن طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله وهو في الصحيحين من طريق الثوري, عن منصور, عن إبراهيم, عن عبد الرحمن عنه به, وهو في الصحيحين أيضاً عن عبد الرحمن, عن علقمة, عن ابن مسعود, قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به, وهكذا رواه أحمد بن حنبل, حدثنا يحيى بن آدم, حدثنا شريك, عن عاصم, عن المسيب بن رافع, عن علقمة, عن ابن مسعود, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «من قرأ الاَيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه».
(الحديث الثاني) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا حسين, حدثنا شيبان, عن منصور, عن ربعي, عن خرشة بن الحر, عن المعرور بن سويد, عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي» قد رواه ابن مردويه من حديث الأشجعي, عن الثوري, عن منصور, عن ربعي, عن زيد بن ظبيان, عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش».
(الحديث الثالث) ـ قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا أبو أسامة, حدثنا مالك بن مغول (ح) وحدثنا ابن نمير وزهير بن حرب, جميعاً عن عبد الله بن نمير, وألفاظهم متقاربة, قال ابن نمير: حدثنا أبي, حدثنا مالك ابن مغول عن الزبير بن عدي, عن طلحة, عن مرة, عن عبد الله, قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم, انتهى به إلى سدرة المنتهى, وهي في السماء السابعة, إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها, وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها, قال {إذ يغشى السدرة ما يغشى} قال: فراش من ذهب, قال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس, وأعطي خواتيم سورة البقرة, وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات.
(الحديث الرابع) قال أحمد حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي حدثنا سلمة بن الفضل حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقرأ الاَيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش» هذا إسناد حسن ولم يخرجوه في كتبهم.
(الحديث الخامس) ـ قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل, حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي, أخبرنا مروان, أنبأنا ابن عوانة عن أبي مالك, عن ربعي, عن حذيفة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلنا على الناس بثلاث أوتيت هذه الاَيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش, لم يعطها أحد قبلي, ولا يعطاها أحد بعدي» ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هند عن ربعي عن حذيفة بنحوه.
(الحديث السادس) ـ قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع, أنبأنا إسماعيل بن الفضل, أخبرنا محمد بن بزيع, أخبرنا جعفر بن عون عن مالك بن مغول, عن أبي إسحاق, عن الحارث, عن علي, قال: لا أرى أحداً عقل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة, فإنها من كنز أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم من تحت العرش, ورواه وكيع في تفسيره عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عمير بن عمرو المخارقي, عن علي, قال: ما أرى أحداً يعقل, بلغه الإسلام, ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة, فإنها من كنز تحت العرش.
(الحديث السابع) ـ قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بندار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا حماد بن سلمة عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي, عن أبي قلابة, عن أبي الأشعث الصنعاني, عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام, أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة, ولا يقرأ بهن في دار ثلاث ليال فيقر بها شيطان» ثم قال: هذا حديث غريب, وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به وقال: صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه.
(الحديث الثامن) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين, أخبرنا الحسن بن الجهم, أخبرنا إسماعيل بن عمرو, أخبرنا ابن مريم, حدثني يوسف بن أبي الحجاج, عن سعيد, عن ابن عباس, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ سورة البقرة وآية الكرسي ضحك وقال: «إنهما من كنز الرحمن تحت العرش» وإذا قرأ {ومن يعمل سوءاً يجزبه} {وأن ليس للإنسان إلا ماسعى, وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الأوفى} استرجع واستكان.
(الحديث التاسع) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي, حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة, حدثنا محمد بن بكر, حدثنا مكي بن إبراهيم, حدثنا عبد الله بن أبي حميد, عن أبي مليح, عن معقل بن يسار, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة».
(الحديث العاشر) ـ قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضاً فوقه, فرفع جبريل بصره إلى السماء, فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة, لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته رواه مسلم والنسائي وهذا لفظه.
فقوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك, قال ابن جرير: حدثنا بشر, حدثنا يزيد, حدثنا سعيد عن قتادة, قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال لما نزلت عليه هذه الاَية «ويحق له أن يؤمن» وقد روى الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو النضر الفقيه, حدثنا معاذ بن نجدة القرشي, حدثنا خلاد بن يحيى, حدثنا أبو عقيل عن يحيى بن أبي كثير, عن أنس بن مالك, قال: لما نزلت هذه الاَية على النبي صلى الله عليه وسلم {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حق له أن يؤمن», ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقوله {والمؤمنون} عطف على الرسول, ثم أخبر عن الجميع فقال {كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد, فرد صمد, لا إله غيره, ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء, لا يفرقون بين أحد منهم, فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض, بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير, وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم, خاتم الأنبياء والمرسلين, الذين تقوم الساعة على شريعته, ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين, وقوله {وقالوا سمعنا وأطعنا} أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه, وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه, {غفرانك ربنا} سؤال للمغفرة والرحمة واللطف, قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي, حدثنا ابن فضل عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قول الله {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ـ إلى قوله ـ غفرانك ربنا} قال: قد غفرت لكم {وإليه المصير} أي المرجع والمآب يوم الحساب. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا جرير عن بيان, عن حكيم, عن جابر, قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه, فسأل {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إلى آخر هذه الأية, وقوله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} أي لا يكلف أحداً فوق طاقته, وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم, وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} أي هو وإن حاسب وسأل, لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه, فأما مالا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها, فهذا لا يكلف به الإنسان, وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان, وقوله {لها ما كسبت} أي من خير {وعليها ما اكتسبت} أي من شر وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. ثم قال تعالى مرشداً عباده إلى سؤاله, وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} أي إن تركنا فرضاً على جهة النسيان, أو فعلنا حراماً كذلك, أو أخطأنا أي الصواب في العمل جهلاً منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة, قال «قال الله: نعم» ولحديث ابن عباس, قال الله «قد فعلت». وروى ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي, عن عطاء¹ قال ابن ماجه في روايته عن ابن عباس, وقال الطبراني وابن حبان, عن عطاء, عن عبيد بن عمير, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد روي من طريق آخر وأعله أحمد وأبو حاتم, والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا مسلم بن إبراهيم, حدثنا أبو بكر الهذلي, عن شهر, عن أم الدرداء, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان, والاستكراه» قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن, فقال: أجل, أما تقرأ بذلك قرآناً {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}.
وقوله {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والاَصار التي كانت عليهم, التي بعثت نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم, نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيفي السهل السمح, وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «قال الله: نعم» وعن ابن عباس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «قال الله قد فعلت». وجاء في الحديث من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة».
وقوله {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} أي من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلنا بما لا قبل لنا به, وقد قال مكحول في قوله {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: العزبة والغلمة, رواه ابن أبي حاتم, قال الله: نعم, وفي الحديث الاَخر: قال الله: قد فعلت.
وقوله {واعف عنا} أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا {واغفر لنا} أي فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة {وارحمنا} أي فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر, ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه, وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم, وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدم في الحديث أن الله قال: نعم, وفي الحديث الاَخر: قال الله: قد فعلت.
وقوله {أنت مولانا} أي أنت ولينا وناصرنا, وعليك توكلنا, وأنت المستعان, وعليك التكلان, ولا حول لنا ولا قوة إلا بك, {فانصرنا على القوم الكافرين} أي الذين جحدوا دينك, وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيك, وعبدوا غيرك وأشركوا معك من عبادك, فانصرنا عليهم, واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والاَخرة, قال الله: نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس, قال الله: قد فعلت. وقال ابن جرير: حدثني مثنى بن إبراهيم, حدثنا أبو نعيم, حدثنا سفيان عن أبي إسحاق أن معاذاً رضي الله عنه, كان إذا فرغ من هذه السورة {فانصرنا على القوم الكافرين} قال: آمين. ورواه وكيع عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن رجل, عن معاذ بن جبل, أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين.



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-15-2005, 09:18 PM   #31
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
لنا إكمال .. بقية السور

انتظروا قليلاً

أرجو من الإخوان عدم الرد حتى يتم الإنتهاء من الموضوع

وتقبلوا فائق إحترامي وتقديري

محبكم .. ريشه

حياك ربي



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-16-2005, 06:54 PM   #32
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
سورة آل عمران
هي مدنية, لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزل في وفد نجران وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة, كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها, إن شاء الله تعالى, وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة أول البقرة.

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


** الَمَ * اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ * نَزّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لّلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الاَيتين {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} و{ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} عند تفسير آية الكرسي وقد تقدم الكلام على قوله {ألم} في أول سورة البقرة بما يغني عن إعادته, وتقدم الكلام على قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} في تفسير آية الكرسي.
وقوله تعالى: {نزل عليك الكتاب بالحق} يعني نزل عليك القرآن يا محمد بالحق, أي لا شك فيه ولا ريب, بل هو منزل من عند الله, أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً, وقوله: {مصدقاً لما بين يديه} أي من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء, فهي تصدقه بما أخبرت به, وبشرت في قديم الزمان, وهو يصدقها, لأنه طابق ما أخبرت به, وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: {وأنزل التوراة} أي على موسى بن عمران, {والإنجيل} أي على عيسى ابن مريم عليهما السلام, {من قبل} أي من قبل هذا القرآن {هدى للناس} أي في زمانهما. {وأنزل الفرقان} وهو الفارق بين الهدى والضلال. والحق والباطل, والغي والرشاد, بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات, والبراهين القاطعات, ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك. وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان ـ ههنا ـ القرآن. واختار ابن جرير أنه مصدر ههنا لتقدم ذكر القرآن في قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} وهو القرآن. وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح, أن المراد بالفرقان ههنا التوراة, فضعيف أيضاً لتقدم ذكر التوراة, والله أعلم.
وقوله تعالى: {إن الذين كفروا بآيات الله} أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل, {لهم عذاب شديد} أي يوم القيامة, {والله عزيز} أي منيع الجناب عظيم السلطان, {ذو انتقام} أي ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.


** إِنّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ * هُوَ الّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض, لا يخفى عليه شيء من ذلك, {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى, وحسن وقبيح, وشقي وسعيد, {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} أي هو الذي خلق, وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له, وله العزة التي لا ترام, والحكمة والأحكام. وهذه الاَية فيها تعريض, بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق, كما خلق الله سائر البشر, لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء, فكيف يكون إلهاً كما زعمته النصارى, عليهم لعائن الله, وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال ؟ كما قال تعالى: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث}.


** هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ * رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لّدُنْكَ رَحْمَةً إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ * رَبّنَآ إِنّكَ جَامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لاّ رَيْبَ فِيهِ إِنّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات, هن أم الكتاب, أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد, ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم, فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس ولهذا قال تعالى {هنّ أم الكتاب} أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه {وأخر متشابهات} أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه فروي عن السلف عبارات كثيرة فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به وعن ابن عباس أيضاً أنه قال المحكمات قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً} والاَيات بعدها. وقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى ثلاث آيات بعدها ورواه ابن أبي حاتم وحكاه عن سعيد بن جبير به قال: حدثنا أبي حدّثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الاَية وهي {هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات} فقال أبو فاختة: فواتح السور, وقال يحيى بن يعمر: الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام. وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير: هنّ أمّ الكتاب لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب, وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ, وقيل في المتشابهات: المنسوخة والمقدم والمؤخر والأمثال فيه والأقسام وما يؤمن به ولا يعمل به, رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل هي الحروف المقطعة في أوائل السور قاله مقاتل بن حيان, وعن مجاهد المتشابهات يصدق بعضها بعضاً وهذا إنما هو في تفسير قوله {كتاباً متشابهاً مثاني} هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار وذكر حال الأبرار وحال الفجار ونحو ذلك. وأما ههنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم, وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله حيث قال منه آيات محكمات فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم الباطل ليس لهن تصريف عما وضعن عليه, قال: والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق.
ولهذا قال تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فيتبعون ما تشابه منه} أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى: {ابتغاء الفتنة} أي الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} وبقوله {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} وغير ذلك من الاَيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.
وقوله تعالى {وابتغاء تأويله} أي تحريفه على ما يريدون وقال مقاتل بن حيان والسدي يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن وقد قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} إلى قوله {أولوا الألباب} فقال: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» هكذا وقع الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها ليس بينهما أحد وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن أيوب به ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب به وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب وكذا رواه غير واحد عن أيوب وقد رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب به, ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقينعن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي ولقبه عارم: حدثنا حماد بن زيد, حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة, عن عائشة به وتابع أيوب أبو عامر الخراز وغيره عن ابن أبي مليكة. فرواه الترمذي عن بندار, عن أبي داود الطيالسي, عن أبي عامر الخراز, فذكره وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى الأبح, عن عبد الله بن أبي مليكة, عن عائشة. ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي, كلاهما عن ابن أبي مليكة, عن عائشة به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة, فذكره. وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الاَية, ومسلم في كتاب القدر من صحيحه, وأبو داود في السنة من سننه, ثلاثتهم عن القعنبي, عن يزيد بن إبراهيم التستري, عن ابن أبي مليكة, عن القاسم بن محمد, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم, هذه الاَية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} إلى قوله: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه¹ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» لفظ البخاري. وكذا رواه الترمذي أيضاً, عن بندار عن أبي داود الطيالسي, عن يزيد بن إبراهيم به¹ وقال: حسن صحيح¹ وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة عن عائشة, ولم يذكر القاسم¹ كذا قال. وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي, حدثنا أبو الوليد الطيالسي, حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة, عن ابن أبي مليكة, عن القاسم بن محمد, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن قول الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه}¹ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه, فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل, حدثنا الوليد بن مسلم, عن حماد بن سلمة, عن عبد الرحمن بن القاسم, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الاَية: {يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة}, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم» ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به, وقال الإمام أحمد. حدثنا أبو كامل, حدثنا حماد عن أبي غالب, قال: سمعت أبا أمامة يحدث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} قال «هم الخوارج». وفي قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال «هم الخوارج» وقد رواه ابن مردويه من غير وجه, عن أبي غالب. عن أبي أمامة مرفوعاً فذكره, وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفاً من كلام الصحابي, ومعناه صحيح, فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج, وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين, فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة, ففاجؤوه بهذه المقالة, فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة ـ بقر الله خاصرته ـ: اعدل فإنك لم تعدل, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل, أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني». فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب, وفي رواية خالد بن الوليد, رسول الله في قتله, فقال «دعه فانه يخرج من ضئضىء هذا, أي من جنسه قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم, وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم» ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتلهم بالنهروان, ثم تشعبت منهم شعوب, وقبائل وآراء, وأهواء, ومقالات, ونحل كثيرة منتشرة, ثم نبعت القدرية, ثم المعتزلة, ثم الجهمية, وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله ؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي», أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى حدثنا عمرو بن عاصم, حدثنا المعتمر عن أبيه, عن قتادة, عن الحسن بن جندب بن عبد الله, أنه بلغه عن حذيفة, أو سمعه منه, يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر «إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن, ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله» لم يخرجوه.
وقوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله} اختلف القراء في الوقف ههنا., فقيل: على الجلالة, كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه, وتفسير تعرفه العرب من لغاتها, وتفسير يعلمه الراسخون في العلم, وتفسير لا يعلمه إلا الله, ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نَهيك وغيرهم. وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد, حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش, حدثني أبي, حدثني ضمضم بن زرعة, عن شريح بن عبيد, عن أبي مالك الأشعري, أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا, وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} الاَية, وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه» غريب جداً. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا أحمد بن عمرو, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا ابن أبي حاتم, عن أبيه, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن ابن العاص, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً, فما عرفتم منه فاعملوا به, وما تشابه فآمنوا به» وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه, قال: كان ابن عباس يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله, ويقول الراسخون آمنا به, وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله, وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: إن تأويله إلا عند اللهو والراسخون في العلم يقولون آمنا به, وكذا عن أبي بن كعب, واختار ابن جرير هذا القول.
ومنهم من يقف على قوله: {والراسخون في العلم}, وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول, وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد, وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد, عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله, وقال ابن أبي نجيح, عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به, وكذا قال الربيع بن أنس, وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر الزبير: {وما يعلم تأويله} الذي أراد ما أراد {إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به}, ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد, فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضاً, فنفذت الحجة, وظهر به العذر, وزاح به الباطل, ودفع به الكفر, وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس, فقال «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال: التأويل يطلق, ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه, ومنه قوله تعالى: {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} وقوله {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد, فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل, ويكون قوله {والراسخون في العلم} مبتدأ و {يقولون آمنا به} خبره, وأما إن أريد بالتأويل المعنى الاَخر, وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله {نبئنا بتأويله} أي بتفسيره, فإن أريد به هذا المعنى, فالوقف على {والراسخون في العلم} لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار, وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه, وعلى هذا يكون قوله: {يقولون آمنا به} حالاً منهم, وساغ هذا, وأن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه, كقوله {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ـ إلى قوله ـ يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا} الاَية, وقوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} أي وجاءت الملائكة صفوفاً صفوفاً.
وقوله إخباراً عنهم {يقولون: آمنا به}, أي المتشابه, {كل من عند ربنا} أي الجميع من المحكم, والمتشابه حق وصدق, وكل واحد منهما يصدق الاَخر ويشهد له, لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد, لقوله: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}, ولهذا قال تعالى: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة, وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي, حدثنا نعيم بن حماد, حدثنا فياض الرقي, حدثنا عبد الله بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنساً وأبا أمامة وأبا الدرداء رضي الله عنهم قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, سئل عن الراسخين في العلم, فقال: «من برت يمينه, وصدق لسانه, واستقام فلبه, ومن أعفّ بطنه وفرجه, فذلك من الراسخين في العلم», وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن الزهري, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارؤون, فقال «إنما هلك من كان قبلكم بهذا, ضربوا كتاب الله بعضه ببعض, وإنما أنزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً, فلا تكذبوا بعضه ببعض, فما علمتم منه فقولوا, وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» وتقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث من طريق هشام بن عمار, عن ابن أبي حازم, عن أبيه, عن عمرو بن شعيب به, وقد قال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير بن حرب, حدثنا أنس بن عياض, عن أبي حازم, عن أبي سلمة, قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «نزل القرآن على سبعة أحرف, والمراء في القرآن كفر ـ قالها ثلاثاً ـ ما عرفتم منه فاعملوا به, وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه جل جلاله» وهذا إسناد صحيح, ولكن فيه علة بسبب قول الراوي «لا أعلمه إلا عن أبي هريرة», وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, حدثنا ابن وهب, قال: أخبرني نافع بن يزيد, قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله, المتذللون لله في مرضاته, لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم, ثم قال تعالى مخبراً أنهم دعوا ربهم قائلين {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}, أي لا تملها عن الهدي بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ, الذين يتبغون ما تشابه من القرآن, ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم, ودينك القويم, {وهب لنا من لدنك} أي من عندك {رحمة} تثبت بها قلوبنا وتجمع بهاشملنا, وتزيدنا بها إيماناً وإيقاناً, {إنك أنت الوهاب}.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي, وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, قالا جميعاً: حدثنا وكيع عن عبد الحميد بن بهرام, عن شهر بن حوشب, عن أم سلمة, أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ثم قرأ {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}, ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن بكار, عن عبد الحميد بن بهرام, عن شهر بن حوشب, عن أم سلمة, وهي أسماء بنت يزيد بن السكن, سمعها تحدث: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان يكثر من دعائه «اللهم مقلب القلوب, ثبت قلبي على دينك» قالت قلت: يا رسول الله, وإن القلب ليتقلب ؟ قال: «نعم, ماخلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل, فإن شاء أقامه, وإن شاء أزاغه» فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب ـ وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى, عن عبد الحميد بن بهرام به مثله, رواه أيضاً عن المثنى عن الحجاج بن منهال عن عبد الحميد بن بهرام به مثله, وزاد: «قلت يا رسول الله, ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي ؟ قال: «بلى, قولي اللهم رب النبي محمد, اغفر لي ذنبي, وأذهب غيظ قلبي, وأجرني من مضلات الفتن», ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد, حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي, حدثنا العباس بن الوليد الخلال, أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله, أخبرنا سعيد بن بشير عن قتادة, عن حسان الأعرج, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قلت: يا رسول الله, ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء, فقال «ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن, إذا شاء أن يقيمه أقامه, وإذا شاء أن يزيغه أزاغه, أما تسمعين قوله {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}» غريب من هذا الوجه, ولكن أصله ثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الاَية الكريمة, وقد رواه أبو داود والنسائي وابن مردويه من حديث أبي عبد الرحمن المقري, زاد النسائي وابن حبان وعبد الله بن وهب كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب: حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي عن سعيد بن المسيب, عن عائشة رضي الله عنها. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان إذا استقيظ من الليل قال «لا إله إلا أنت, سبحانك, اللهم إني أستغفرك لذنبي, وأسألك رحمة, اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني, وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» لفظ ابن مردويه. وقال عبد الرزاق عن مالك عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسي أنه أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق رضي الله عنه المغرب, فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل, وقرأ في الركعة الثالثة, قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه, فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الاَية: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} الاَية. قال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نسي أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته, فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله ؟ قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك, فقال له رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك, قال: كنت أقرأ {قل هو الله أحد}, وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي, كلاهما عن أبي عبيد به, وروى هذا الأثر الوليد أيضاً عن ابن جابر, عن يحيى بن يحيى الغساني, عن محمود بن لبيد, عن الصنابحي, أنه صلى خلف أبي بكر المغرب, فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة يجهر بالقراءة, فلما قام إلى الثالثة, ابتدأ القراءة, فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه, فقرأ هذه الاَية {ربنا لا تزغ قلوبنا} الاَية.
وقوله {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} أي يقولون في دعائهم: إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم, وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه, وتجزي كلاً بعمله وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.


** إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُولَـَئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
يخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله, ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه, كما قال تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بهافي الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} وقال تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد, متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}, وقال ههنا {إن الذين كفروا} أي بآيات الله, وكذبوا رسله, وخالفوا كتابه, ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار} أي حطبها الذي تسجر به, وتوقد به, كقوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} الاَية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا ابن لهيعة, أخبرني ابن الهاد عن هند بنت الحارث, عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس, قالت: بينما نحن بمكة, قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فنادى «هل بلغت اللهم, هل بلغت» ثلاثاً, فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: نعم, ثم أصبح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه, ولتَخُوضُنّ البحارَ بالإسلام, وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه, ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا, فمن هذا الذي هو خير منا, فهل في أولئك من خير ؟» قالوا: يا رسول الله, فمن أولئك ؟ قال «أولئك منكم, وأولئك هم وقود النار» وكذا رأيته بهذا اللفظ وقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد, عن هند بنت الحارث امرأة عبد الله بن شداد, عن أم الفضل, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة بمكة, فقال «هل بلغت» يقولها ثلاثاً¹ فقام عمر بن الخطاب وكان أواها, فقال: اللهم نعم, وحرصت, وجهدت, ونصحت, فاصبر¹ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه, وليخوضن رجال البحار بالإسلام,وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن, فيقرؤونه ويعلمونه, فيقولون: قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا ؟ فما في أولئك من خير» قالوا: يا رسول الله, فمن أولئك ؟ قال «أولئك منكم, وأولئك هم وقود النار» ثم رواه من طريق موسى بن عبيد, عن محمد بن إبراهيم عن بنت الهاد عن العباس بن عبد المطلب بنحوه.
وقوله تعالى: {كدأب آل فرعون} قال الضحاك عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون, وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد, ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون, وكفعل آل فرعون, وكشبه آل فرعون, والألفاظ متقاربة, والدأب بالتسكين والتحريك كنهر ونهر, هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة, كما يقال لا يزال هذا دأبي ودأبك, وقال امرؤ القيس:
وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهميقولون لا تأسف أسى وتجملكدأبك من أم الحويرث قبلهاوجارتها أم الرباب بمأسل

والمعنى كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها, والمعنى في الاَية أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد, بل يهلكون ويعذبون كما جرى لاَل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه, {والله شديد العقاب} أي شديد الأخذ أليم العذاب لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء, بل هوالفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء وذَلّ له كل شي, لا إله غيره ولا رب سواه.


** قُلْ لّلّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىَ جَهَنّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَىَ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لاُوْلِي الأبْصَارِ
يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين {ستغلبون} أي في الدنيا, {وتحشرون} أي يوم القيامة {إلى جهنم وبئس المهاد} وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب, ورجع إلى المدينة, جمع اليهود في سوق بني قينقاع, وقال «يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً». فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال, إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس, وأنك لم تلق مثلنا, فأنزل الله في ذلك قوله {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ـ إلى قوله ـ لعبرة لأولي الأبصار} وقد رواه محمد بن إسحاق أيضاً, عن محمد بن أبي محمد, عن سعيد أو عكرمة, عن ابن عباس, فذكره, ولهذا قال تعالى: {قد كان لكم آية} أي قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم {آية}, أي دلالة على أن الله معز دينه, وناصر رسوله, ومظهر كلمته, ومعل أمره {في فئتين} أي طائفتين {التقتا} أي للقتال {فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} وهم مشركو قريش يوم بدر, وقوله: { يرونهم مثليهم رأي العين} قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم, أي جعل الله ذلك فيما رأوه سبباً لنصرة الإسلام عليهم, وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة, وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذٍ قبل القتال يَحْزِر لهم المسلمين, فأخبرهم بأنهم ثلثمائة يزيدون قليلاً أو ينقصون, وهكذا كان الأمر. كانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً, ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.
(والقول الثاني) أن المعنى في قوله تعالى: {يرونهم مثليهم رأي العين} أي ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم, أي ضعفيهم في العدد, ومع هذا نصرهم الله عليهم, وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً, والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلاً وكأن هذاالقول مأخوذ من ظاهر هذه الاَية, ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس, وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين تسعمائة إلى ألف, كما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير, قال «كم ينحرون كل يوم» ؟ قال: يوماً تسعاً ويوماً عشراً, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف». وروى أبو إسحاق السبيعي, عن حارثة, عن علي رضي الله عنه, قال: كانوا ألفاً, وكذا قال ابن مسعود. والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف, وعلى كل تقدير كانوا ثلاثة أمثال المسلمين, وعلى هذا فيشكل هذاالقول, والله أعلم, لكن وجه ابن جرير هذا وجعله صحيحاً كما تقول: عندي ألف, وأنا محتاج إلى مثليها, وتكون محتاجاً إلى ثلاثة آلاف, كذا قال, وعلى هذا فلا إشكال, لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين, وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الاَية وبين قوله تعالى في قصة بدر {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولا} فالجواب أن هذا كان في حالة والاَخر كان في حالة أخرى, كما قال السدي عن الطيب عن ابن مسعود في قوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} الاَية, قال: هذا يوم بدر, قال عبد الله بن مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا, ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً, وذلك قوله تعالى: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم} الاَية وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة, عن عبد الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين ؟ قال: أراهم مائة, قال: فأسرنا رجلاً منهم, فقلنا, كم كنتم ؟ قال: ألفاً, فعندما عاين كل من الفريقين الاَخر, رأى المسلمون المشركين مثليهم, أي أكثر منهم بالضعف ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم عز وجل, ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع, ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان, قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء, وهؤلاء في أعين هؤلاء, ليقدم كل منهما على الاَخر {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} أي ليفرق بين الحق والباطل, فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان, ويعز المؤمنين ويذل الكافرين, كما قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} وقال ههنا {والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} أي إن في ذلك لمعتبراً لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.


** زُيّنَ لِلنّاسِ حُبّ الشّهَوَاتِ مِنَ النّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذَلِكُمْ لِلّذِينَ اتّقَوْا عِندَ رَبّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين, فبدأ بالنساء, لأن الفتنة بهن أشد, كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم, قال «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد, فهذا مطلوب مرغوب فيه, مندوب إليه, كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه, «وإن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء», وقوله صلى الله عليه وسلم «الدنيا متاع, وخير متاعها المرأة الصالحة, إن نظر إليها سرته, وإن أمرها أطاعته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» وقوله في الحديث الاَخر «حبب إليّ النساء والطيب, وجعلت قرة عيني في الصلاة». وقالت عائشة رضي الله عنها: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء إلا الخيل, وفي رواية من الخيل إلا النساء, وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة, فهو داخل في هذا, وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له, فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث «تزوجوا الودود الولود, فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء, فهذا مذموم, وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات, فهذا ممدوح محمود شرعاً وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال, وحاصلها أنه المال الجزيل كما قاله الضحاك وغيره, وقيل: ألف دينار, وقيل: ألف ومائتا دينار وقيل اثنا عشر ألفاً, وقيل: أربعون ألفاً, وقيل: ستون ألفاً, وقيل سبعون ألفاً, وقيل: ثمانون ألفاً, وقيل غير ذلك, وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا حماد, عن عاصم, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القنطار اثنا عشر ألف أوقية, كل أوقية خير مما بين السماء والأرض», وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد بن سلمة به, وقد رواه ابن جرير عن بندار, عن ابن مهدي, عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة, عن أبي صالح, عن أبي هريرة موقوفاً وهذا أصح, وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر, وحكاه ابن أبي حاتم, عن أبي هريرة وأبي الدرداء, أنهم قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية, ثم قال ابن جرير رحمه الله: حدثنا زكريا بن يحيى الضرير, حدثنا شبابة, حدثنا مخلد بن عبد الواحد, عن علي بن زيد, عن عطاء بن أبي ميمونة, عن زر بن حبيش, عن أبي بن كعب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية». وهذا حديث منكر أيضاً, والأقرب أن يكون موقوفاً على أبي بن كعب كغيره من الصحابة وقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي, عن محمد بن إبراهيم, عن يحَنّش أبي موسى, عن أم الدرداء, عن أبي الدرداء, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين, ومن قرأ مائة آية إلى ألف, أصبح له قنطار من أجر عند الله, القنطار منه مثل الحبل العظيم» ورواه وكيع عن موسى بن عبيدة بمعناه, وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب, حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتَنّيس, حدثنا عمرو بن أبي سلمة, حدثنا زهير بن محمد, حدثنا حميد الطويل ورجل آخر, عن أنس بن مالك, قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى {والقناطير المقنطرة} ؟ قال «القنطار ألفا أوقية» صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, هكذا رواه الحاكم, وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي, أنبأنا عمرو بن أبي سلمة, أنبأنا زهير يعني ابن محمد, أنبأنا حميد الطويل, ورجل آخر قد سماه يعني يزيد الرقاشي, عن أنس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, في قوله« قنطار يعني ألف دينار» وهكذا رواه ابن مردويه والطبراني عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم, عن عمرو بن أبي سلمة, فذكر بإسناده مثله سواء, وروى ابن جرير عن الحسن البصري: عنه مرسلاً وموقوفاً عليه: القنطار ألف ومائتا دينار, وهو رواية العوفي عن ابن عباس, وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار, ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفاً, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عارم عن حماد عن سعيد الجَريري, عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري, قال: القنطار ملء مسك الثور ذهباً, قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي عن حماد بن زيد مرفوعاً, والموقوف أصح.
(وحب الخيل على ثلاثة أقسام) تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها, فهؤلاء يثابون, وتارة تربط فخراً ونواء لأهل الإسلام, فهذه على صاحبها وزر وتارة للتعفف واقتناء نسلها, ولم ينس حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر كما سيأتي الحديث بذلك إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} الاَية, وأما المسومة, فعن ابن عباس رضي الله عنهما: المسومة الراعية, والمطهمة الحسان, وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان وغيرهم, وقال مكحول: المسومة الغرة والتحجيل وقيل: غير ذلك وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الحميد بن جعفر, عن يزيد بن أبي حبيب, عن سويد بن قيس, عن معاوية بن حُديج, عن أبي ذر رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: اللهم إنك خولتني من بني آدم, فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه, أو أحب أهله وماله إليه» وقوله تعالى {والأنعام} يعني الإبل والبقر والغنم, {والحرث} يعني الأرض المتخذة للغراس والزراعة, وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة, حدثنا أبو نعامة العدوي, عن مسلم بن بديل, عن إياس بن زهير, عن سويد بن هبيرة, عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, قال «خير مال امرىء له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة» المأمورة: الكثيرة النسل, والسكة: النخل المصطف, والمأبورة: الملقحة.
ثم قال تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا} أي إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة {والله عنده حسن المآب} أي حسن المرجع والثواب.
وقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا جرير عن عطاء, عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد. قال: قال عمر بن الخطاب لما نزلت {زين للناس حب الشهوات} قلت: الاَن يا رب حين زينتها لنا, فنزلت {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا} الاَية, ولهذا قال تعالى: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي قل يا محمد للناس: أؤخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة, ثم أخبر عن ذلك فقال: {للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر {خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبد الاَباد لا يبغون عنها حولا, {وأزواج مطهرة} أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا {ورضوان من الله} أي يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبداً, ولهذا قال تعالى في الاَية الأخرى التي في براءة {ورضوان من الله أكبر} أي أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم, ثم قال تعالى: {والله بصير بالعباد} أي يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.


** الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَآ إِنّنَآ آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النّارِ * الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ
يصف تبارك وتعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل, فقال تعالى: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا} أي بك وبكتابك وبرسولك, {فاغفر لنا ذنوبنا} أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا, فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك, {وقنا عذاب النار} ثم قال تعالى: {الصابرين} أي في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات, {والصادقين} فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة, {والقانتين} والقنوت الطاعة والخضوع {والمنفقين} أي من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات, وصلة الأرحام والقرابات, وسد الخلات, ومواساة ذوي الحاجات {والمستغفرين بالأسحار} دَلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار, وقد قيل: إن يعقوب عليه السلام, لما قال لبنيه {سوف أستغفر لكم ربي} إنه أخرهم إلى وقت السحر وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة, إن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير, فيقول: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من داع فأستجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟» الحديث, وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءاً على حدة, فرواه من طرق متعددة, وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها, قالت: «من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله وأوسطه وآخره, فانتهى وتره إلى السحر», وكانعبد الله بن عمر يصلي من الليل, ثم يقول: يا نافع, هل جاء السحر ؟ فإذا قال: نعم, أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح, رواه ابن أبي حاتم, وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا أبي عن حريث بن أبي مطر, عن إبراهيم بن حاطب, عن أبيه, قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب, أمرتني فأطعتك, وهذا السحر فاغفر لي, فنظرت فإذا هو ابن مسعود رضي الله عنه. وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.


** شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإنْ حَآجّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للّهِ وَمَنِ اتّبَعَنِ وَقُلْ لّلّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالاُمّيّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وّإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
شهد تعالى وكفى به شهيداً وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم, وأصدق القائلين {أنه لا إله إلا هو} أي المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق, وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه, وهوالغني عما سواه, كما قال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} الاَية, ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته, فقال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام {قائماً بالقسط} منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك {لا إله إلا هو} تأكيد لما سبق, {العزيز الحكيم} العزيز الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً, الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره, وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه, حدثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو القرشي, حدثنا أبو سعيد الأنصاري عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام, عن الزبير بن العوام, قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الاَية {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب, وقدرواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين, حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني, حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري, حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده عن الزبير, قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ هذه الاَية {شهد اللهأنه لا إله إلا هو والملائكة} قال: «وأنا أشهد أي رب» وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي, قالا: حدثنا عمار بن عمر بن المختار, حدثني أبي, حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة, فنزلت قريباً من الأعمش, فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمر بهذه الاَية {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم, إن الدين عند الله الإسلام} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به, وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة {إن الدين عند الله الإسلام} قالها مراراً, قلت: لقد سمع فيها شيئاً فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد, إني سمعتك تردد هذه الاَية, قال: أوما بلغك ما فيها ؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة, فأقمت سنة, فكنت على بابه, فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد, قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يجاء بصاحبها يوم القيامة, فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد, أدخلوا عبدي الجنة», وقوله تعالى {إن الدين عند الله الإسلام} إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام, وهواتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم, فمن لقي الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل, كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} الاَية, وقال في هذه الاَية مخبراً بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام {إن الدين عند الله الإسلام}, وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام}, بكسر إنه, وفتح أن الدين عند الله الإسلام, أي شهد هو والملائكة وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام, والجمهور قرؤوها بالكسر على الخبر, وكلا المعنيين صحيح, ولكن هذا على قول الجمهور أظهر, والله أعلم, ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول, إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم, فقال: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم, فحمل بعضهم بغض البعض الاَخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقاً, ثم قال تعالى: {ومن يكفر بآيات الله} أي من جحد ما أنزل الله في كتابه {فإن الله سريع الحساب} أي فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه, ويعاقبه على مخالفته كتابه.
ثم قال تعالى {فإن حاجوك} أي جادلوك في التوحيد {فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} أي فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له ولا ند له, ولا ولد له, ولا صاحبة له, {ومن اتبعن} أي على ديني يقول كمقالتي, كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} الاَية, ثم قال تعالى آمراً لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به, الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين, فقال تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا, وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} أي والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم, وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة, والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى: {والله بصير بالعباد} أي هوعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة, وهو الذي {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} وما ذلك إلا لحكمته ورحمته وهذه الاَية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة, وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث, فمن ذلك قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الاَفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم امتثالاً لأمر الله له بذلك, وقد روى عبد الرزاق عن معمر, عن همام, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «والذي نفسي بيده, لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم «بعثت إلى الأحمر والأسود», وقال «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة».
وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل, حدثنا حماد, حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه: أن غلاماً يهودياً كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه, ويناوله نعليه, فمرض, فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «يا فلان قل لا إله إلا الله» فنظر إلى أبيه فسكت أبوه, فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم, فنظر إلى أبيه, فقال أبوه: أطع أبا القاسم, فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله, فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول «الحمد لله الذي أخرجه بي من النار» رواه البخاري في الصحيح, إلى غير ذلك من الاَيات والأحاديث.


** إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَـَئِكَ الّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ
هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب بما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله, قديماً وحديثاً, التي بلغتهم إياها الرسل إستكباراً عليهم, وعناداً لهم, وتعاظماً على الحق, واستنكافاً على اتباعه, ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم, إلا لكونهم دعوهم إلى الحق {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} وهذا هو غاية الكبر, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «الكبر بطر الحق وغمط الناس», وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الزبير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري نزيل مكة, حدثني أبو حفص عمر بن حفص يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري, حدثنا محمد بن حمزة, حدثنا أبو الحسن مولى لبني أسد, عن مكحول, عن أبي قبيصة بن ذؤيب الخزاعي, عن أبي عبيدة بن الجراح, رضي الله عنه, قال: قلت: يا رسول الله, أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة ؟ قال «رجل قتل نبياً أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} الاَية, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة, فقام مائة وسبعون رجلاً من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر, فقتلوهم جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم, فهم الذين ذكر الله عز وجل» وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصابي محمد بن حفص, عن ابن حمير, عن أبي الحسن مولى بني أسد, عن مكحول به, وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار, وأقاموا سوق بقلهم من آخره, رواه ابن أبي حاتم. ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق, قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا, والعذاب المهين في الاَخرة, فقال تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} أي موجع مهين {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والاَخرة وما لهم من ناصرين}


** أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىَ كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمّ يَتَوَلّىَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُمْ مّعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَاتٍ وَغَرّهُمْ فِي دِينِهِمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفّيَتْ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
يقول تعالى منكراً على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم, وهما التوراة والإنجيل, وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم, تولوا وهم معرضون عنهما, وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد, ثم قال تعالى: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} أي إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة في الدنيا يوماً وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} أي ثبتهم على دينهم الباطل, ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياماً معدودات, وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم واختلقوه ولم ينزل الله به سلطاناً, قال الله تعالى متهدداً لهم ومتوعداً {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله, وكذبوا رسله, وقتلوا أنبياءه, والعلماء من قومهم, الاَمرين بالمعروف, والناهين عن المنكر,والله تعالى سائلهم عن ذلك كله ومحاسبهم عليه ومجازيهم به, ولهذا قال تعالى: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} أي لا شك في وقوعه وكونه, {ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}.


** قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللّيْلَ فِي الْنّهَارِ وَتُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يقول تبارك وتعالى: {قل} يا محمد معظماً لربك وشاكراً له ومفوضاً إليه ومتوكلاً عليه {اللهم مالك الملك} أي لك الملك كله {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} أي أنت المعطي, وأنت المانع, وأنت الذي ما شئت كان, وما لم تشأ لم يكن وفي هذه الاَية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة, لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأمي المكي, خاتم الأنبياء على الإطلاق, ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن, الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله, وخصه بخصائص لم يعطها نبياً من الأنبياء, ولا رسولاً من الرسل في العلم با لله وشريعته, واطلاعه على الغيوب الماضية والاَتية, وكشفه له عن حقائق الاَخرة, ونشر أمته في الاَفاق في مشارق الأرض ومغاربها, وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع, فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك} الاَية, أي أنت المتصرف في خلقك, الفعال لما تريد, كما رد تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}, قال الله رداً عليهم {أهم يقسمون رحمة ربك} الاَية, أي نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع, ولنا الحكمة البالغة, والحجة التامة في ذلك, وهكذا يعطي النبوة لمن يريد, كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} وقال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} الاَية, وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إسحاق بن أحمد من تاريخه, عن المأمون الخليفة, أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوباً بالحميرية, فعرب له, فإذا هو بسم الله ما اختلف الليل والنهار, ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك. ومُلْكُ ذي العرش دائم أبداً ليس بفان ولا بمشترك. وقوله تعالى: {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} أي تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا, فيعتدلان, ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان, ثم يعتدلان, وهكذا في فصول السنة ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاء, وقوله تعالى: {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} أي تخرج الزرع من الحب, والحب من الزرع, والنخلة من النواة, والنواة من النخلة, والمؤمن من الكافر, والكافر من المؤمن, والدجاجة من البيضة, والبيضة من الدجاجة, وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء {وترزق من تشاء بغير حساب} أي تعطي من شئت من المال ما لا يعد ولا يقدر على إحصائه, وتقتر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي, حدثناجعفر بن جسْر بن فرقد, حدثنا أبي عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الاَية من آل عمران {قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير}.


** لاّ يَتّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَن تَتّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذّرْكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىَ اللّهِ الْمَصِيرُ
نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين, وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين, ثم توعد على ذلك, فقال تعالى: {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} أي ومن يرتكب نهي الله في هذا, فقد بريء من الله, كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ـ إلى أن قال ـ: ومن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السبيل}, وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين, أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً}, وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض, ومن يتولهم منكم فإنه منهم} الاَية, وقال تعالى بعد ذكر موالاة المؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} , وقوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم, فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته, كما قال البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: «إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم». وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان, وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان, وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: {من كفر با لله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} الاَية. وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة, ثم قال تعالى: {ويحذركم الله نفسه} أي يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه, وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: {وإلى الله المصير} أي إليه المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا سويد بن سعيد, حدثنا مسلم بن خالد عن ابن أبي حسين, عن عبد الرحمن بن سابط, عن عمرو بن ميمون, قال: قام فينا معاذ بن جبل, فقال: يا بني أود, إني رسول رسول الله إليكم, تعلمون أن المعاد إلى الجنة أو إلى النار.


** قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدّ لَوْ أَنّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ
يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر, وأنه لا يخفى عليه منهم خافية, بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والأزمان والأيام واللحظات وجميع الأوقات, وجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عنه مثقال ذرة, ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال, {والله على كل شيء قدير} أي وقدرته نافذة في جميع ذلك, وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم, فإنه عالم بجميع أمورهم, وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة, وإن أنظر من أنظر منهم, فإنه يمهل, ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر, ولهذا قال بعد هذا {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً} الاَية, يعني يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير ومن شر, كما قال تعالى {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر} فما رأى من أعماله حسناً سره ذلك وأفرحه, وما رأى من قبيح ساءه وغاظه وود لو أنه تبرأ منه وأن يكون بينهما أمد بعيد, كما يقال لشيطانه الذي كان مقروناً به في الدنيا, وهو الذي جرأه على فعل السوء {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين}, ثم قال تعالى مؤكداً ومهدداً ومتوعداً {ويحذركم الله نفسه} أي يخوفكم عقابه, ثم قال جل جلاله مرجياً لعباده لئلا ييئسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه {والله رؤوف بالعباد} قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه وقال غيره: أي رحيم بخلقه يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم وأن يتبعوا رسوله الكريم.


** قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرّسُولَ فإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ
هذه الاَية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي, والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله, كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه قال «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ولهذا قال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم, وهو أعظم من الأول, كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تحب, إنما الشأن أن تَحب. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله, فابتلاهم الله بهذه الاَية, فقال {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن محمد الطنافسي, حدثنا عبيد الله بن موسىَ عن عبد الأعلى بن أعين, عن يحيى بن أبي كثير, عن عروة, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-17-2005, 12:52 PM   #33
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
سورة آل عمران
هي مدنية, لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزل في وفد نجران وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة, كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها, إن شاء الله تعالى, وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة أول البقرة.

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


** الَمَ * اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ * نَزّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لّلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الاَيتين {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} و{ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} عند تفسير آية الكرسي وقد تقدم الكلام على قوله {ألم} في أول سورة البقرة بما يغني عن إعادته, وتقدم الكلام على قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} في تفسير آية الكرسي.
وقوله تعالى: {نزل عليك الكتاب بالحق} يعني نزل عليك القرآن يا محمد بالحق, أي لا شك فيه ولا ريب, بل هو منزل من عند الله, أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً, وقوله: {مصدقاً لما بين يديه} أي من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء, فهي تصدقه بما أخبرت به, وبشرت في قديم الزمان, وهو يصدقها, لأنه طابق ما أخبرت به, وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: {وأنزل التوراة} أي على موسى بن عمران, {والإنجيل} أي على عيسى ابن مريم عليهما السلام, {من قبل} أي من قبل هذا القرآن {هدى للناس} أي في زمانهما. {وأنزل الفرقان} وهو الفارق بين الهدى والضلال. والحق والباطل, والغي والرشاد, بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات, والبراهين القاطعات, ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك. وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان ـ ههنا ـ القرآن. واختار ابن جرير أنه مصدر ههنا لتقدم ذكر القرآن في قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} وهو القرآن. وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح, أن المراد بالفرقان ههنا التوراة, فضعيف أيضاً لتقدم ذكر التوراة, والله أعلم.
وقوله تعالى: {إن الذين كفروا بآيات الله} أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل, {لهم عذاب شديد} أي يوم القيامة, {والله عزيز} أي منيع الجناب عظيم السلطان, {ذو انتقام} أي ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.


** إِنّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ * هُوَ الّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض, لا يخفى عليه شيء من ذلك, {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى, وحسن وقبيح, وشقي وسعيد, {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} أي هو الذي خلق, وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له, وله العزة التي لا ترام, والحكمة والأحكام. وهذه الاَية فيها تعريض, بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق, كما خلق الله سائر البشر, لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء, فكيف يكون إلهاً كما زعمته النصارى, عليهم لعائن الله, وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال ؟ كما قال تعالى: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث}.


** هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ * رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لّدُنْكَ رَحْمَةً إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ * رَبّنَآ إِنّكَ جَامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لاّ رَيْبَ فِيهِ إِنّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات, هن أم الكتاب, أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد, ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم, فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس ولهذا قال تعالى {هنّ أم الكتاب} أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه {وأخر متشابهات} أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه فروي عن السلف عبارات كثيرة فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به وعن ابن عباس أيضاً أنه قال المحكمات قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً} والاَيات بعدها. وقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى ثلاث آيات بعدها ورواه ابن أبي حاتم وحكاه عن سعيد بن جبير به قال: حدثنا أبي حدّثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الاَية وهي {هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات} فقال أبو فاختة: فواتح السور, وقال يحيى بن يعمر: الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام. وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير: هنّ أمّ الكتاب لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب, وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ, وقيل في المتشابهات: المنسوخة والمقدم والمؤخر والأمثال فيه والأقسام وما يؤمن به ولا يعمل به, رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل هي الحروف المقطعة في أوائل السور قاله مقاتل بن حيان, وعن مجاهد المتشابهات يصدق بعضها بعضاً وهذا إنما هو في تفسير قوله {كتاباً متشابهاً مثاني} هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار وذكر حال الأبرار وحال الفجار ونحو ذلك. وأما ههنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم, وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله حيث قال منه آيات محكمات فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم الباطل ليس لهن تصريف عما وضعن عليه, قال: والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق.
ولهذا قال تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فيتبعون ما تشابه منه} أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى: {ابتغاء الفتنة} أي الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} وبقوله {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} وغير ذلك من الاَيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.
وقوله تعالى {وابتغاء تأويله} أي تحريفه على ما يريدون وقال مقاتل بن حيان والسدي يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن وقد قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} إلى قوله {أولوا الألباب} فقال: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» هكذا وقع الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها ليس بينهما أحد وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن أيوب به ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب به وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب وكذا رواه غير واحد عن أيوب وقد رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب به, ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقينعن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي ولقبه عارم: حدثنا حماد بن زيد, حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة, عن عائشة به وتابع أيوب أبو عامر الخراز وغيره عن ابن أبي مليكة. فرواه الترمذي عن بندار, عن أبي داود الطيالسي, عن أبي عامر الخراز, فذكره وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى الأبح, عن عبد الله بن أبي مليكة, عن عائشة. ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي, كلاهما عن ابن أبي مليكة, عن عائشة به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة, فذكره. وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الاَية, ومسلم في كتاب القدر من صحيحه, وأبو داود في السنة من سننه, ثلاثتهم عن القعنبي, عن يزيد بن إبراهيم التستري, عن ابن أبي مليكة, عن القاسم بن محمد, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم, هذه الاَية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} إلى قوله: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه¹ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» لفظ البخاري. وكذا رواه الترمذي أيضاً, عن بندار عن أبي داود الطيالسي, عن يزيد بن إبراهيم به¹ وقال: حسن صحيح¹ وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة عن عائشة, ولم يذكر القاسم¹ كذا قال. وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي, حدثنا أبو الوليد الطيالسي, حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة, عن ابن أبي مليكة, عن القاسم بن محمد, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن قول الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه}¹ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه, فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل, حدثنا الوليد بن مسلم, عن حماد بن سلمة, عن عبد الرحمن بن القاسم, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الاَية: {يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة}, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم» ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به, وقال الإمام أحمد. حدثنا أبو كامل, حدثنا حماد عن أبي غالب, قال: سمعت أبا أمامة يحدث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} قال «هم الخوارج». وفي قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال «هم الخوارج» وقد رواه ابن مردويه من غير وجه, عن أبي غالب. عن أبي أمامة مرفوعاً فذكره, وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفاً من كلام الصحابي, ومعناه صحيح, فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج, وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين, فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة, ففاجؤوه بهذه المقالة, فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة ـ بقر الله خاصرته ـ: اعدل فإنك لم تعدل, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل, أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني». فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب, وفي رواية خالد بن الوليد, رسول الله في قتله, فقال «دعه فانه يخرج من ضئضىء هذا, أي من جنسه قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم, وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم» ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتلهم بالنهروان, ثم تشعبت منهم شعوب, وقبائل وآراء, وأهواء, ومقالات, ونحل كثيرة منتشرة, ثم نبعت القدرية, ثم المعتزلة, ثم الجهمية, وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله ؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي», أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى حدثنا عمرو بن عاصم, حدثنا المعتمر عن أبيه, عن قتادة, عن الحسن بن جندب بن عبد الله, أنه بلغه عن حذيفة, أو سمعه منه, يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر «إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن, ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله» لم يخرجوه.
وقوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله} اختلف القراء في الوقف ههنا., فقيل: على الجلالة, كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه, وتفسير تعرفه العرب من لغاتها, وتفسير يعلمه الراسخون في العلم, وتفسير لا يعلمه إلا الله, ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نَهيك وغيرهم. وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد, حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش, حدثني أبي, حدثني ضمضم بن زرعة, عن شريح بن عبيد, عن أبي مالك الأشعري, أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا, وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} الاَية, وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه» غريب جداً. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا أحمد بن عمرو, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا ابن أبي حاتم, عن أبيه, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن ابن العاص, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً, فما عرفتم منه فاعملوا به, وما تشابه فآمنوا به» وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه, قال: كان ابن عباس يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله, ويقول الراسخون آمنا به, وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله, وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: إن تأويله إلا عند اللهو والراسخون في العلم يقولون آمنا به, وكذا عن أبي بن كعب, واختار ابن جرير هذا القول.
ومنهم من يقف على قوله: {والراسخون في العلم}, وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول, وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد, وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد, عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله, وقال ابن أبي نجيح, عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به, وكذا قال الربيع بن أنس, وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر الزبير: {وما يعلم تأويله} الذي أراد ما أراد {إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به}, ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد, فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضاً, فنفذت الحجة, وظهر به العذر, وزاح به الباطل, ودفع به الكفر, وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس, فقال «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال: التأويل يطلق, ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه, ومنه قوله تعالى: {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} وقوله {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد, فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل, ويكون قوله {والراسخون في العلم} مبتدأ و {يقولون آمنا به} خبره, وأما إن أريد بالتأويل المعنى الاَخر, وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله {نبئنا بتأويله} أي بتفسيره, فإن أريد به هذا المعنى, فالوقف على {والراسخون في العلم} لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار, وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه, وعلى هذا يكون قوله: {يقولون آمنا به} حالاً منهم, وساغ هذا, وأن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه, كقوله {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ـ إلى قوله ـ يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا} الاَية, وقوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} أي وجاءت الملائكة صفوفاً صفوفاً.
وقوله إخباراً عنهم {يقولون: آمنا به}, أي المتشابه, {كل من عند ربنا} أي الجميع من المحكم, والمتشابه حق وصدق, وكل واحد منهما يصدق الاَخر ويشهد له, لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد, لقوله: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}, ولهذا قال تعالى: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة, وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي, حدثنا نعيم بن حماد, حدثنا فياض الرقي, حدثنا عبد الله بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنساً وأبا أمامة وأبا الدرداء رضي الله عنهم قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, سئل عن الراسخين في العلم, فقال: «من برت يمينه, وصدق لسانه, واستقام فلبه, ومن أعفّ بطنه وفرجه, فذلك من الراسخين في العلم», وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن الزهري, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارؤون, فقال «إنما هلك من كان قبلكم بهذا, ضربوا كتاب الله بعضه ببعض, وإنما أنزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً, فلا تكذبوا بعضه ببعض, فما علمتم منه فقولوا, وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» وتقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث من طريق هشام بن عمار, عن ابن أبي حازم, عن أبيه, عن عمرو بن شعيب به, وقد قال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير بن حرب, حدثنا أنس بن عياض, عن أبي حازم, عن أبي سلمة, قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «نزل القرآن على سبعة أحرف, والمراء في القرآن كفر ـ قالها ثلاثاً ـ ما عرفتم منه فاعملوا به, وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه جل جلاله» وهذا إسناد صحيح, ولكن فيه علة بسبب قول الراوي «لا أعلمه إلا عن أبي هريرة», وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, حدثنا ابن وهب, قال: أخبرني نافع بن يزيد, قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله, المتذللون لله في مرضاته, لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم, ثم قال تعالى مخبراً أنهم دعوا ربهم قائلين {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}, أي لا تملها عن الهدي بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ, الذين يتبغون ما تشابه من القرآن, ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم, ودينك القويم, {وهب لنا من لدنك} أي من عندك {رحمة} تثبت بها قلوبنا وتجمع بهاشملنا, وتزيدنا بها إيماناً وإيقاناً, {إنك أنت الوهاب}.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي, وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, قالا جميعاً: حدثنا وكيع عن عبد الحميد بن بهرام, عن شهر بن حوشب, عن أم سلمة, أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ثم قرأ {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}, ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن بكار, عن عبد الحميد بن بهرام, عن شهر بن حوشب, عن أم سلمة, وهي أسماء بنت يزيد بن السكن, سمعها تحدث: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان يكثر من دعائه «اللهم مقلب القلوب, ثبت قلبي على دينك» قالت قلت: يا رسول الله, وإن القلب ليتقلب ؟ قال: «نعم, ماخلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل, فإن شاء أقامه, وإن شاء أزاغه» فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب ـ وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى, عن عبد الحميد بن بهرام به مثله, رواه أيضاً عن المثنى عن الحجاج بن منهال عن عبد الحميد بن بهرام به مثله, وزاد: «قلت يا رسول الله, ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي ؟ قال: «بلى, قولي اللهم رب النبي محمد, اغفر لي ذنبي, وأذهب غيظ قلبي, وأجرني من مضلات الفتن», ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد, حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي, حدثنا العباس بن الوليد الخلال, أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله, أخبرنا سعيد بن بشير عن قتادة, عن حسان الأعرج, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قلت: يا رسول الله, ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء, فقال «ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن, إذا شاء أن يقيمه أقامه, وإذا شاء أن يزيغه أزاغه, أما تسمعين قوله {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}» غريب من هذا الوجه, ولكن أصله ثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الاَية الكريمة, وقد رواه أبو داود والنسائي وابن مردويه من حديث أبي عبد الرحمن المقري, زاد النسائي وابن حبان وعبد الله بن وهب كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب: حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي عن سعيد بن المسيب, عن عائشة رضي الله عنها. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان إذا استقيظ من الليل قال «لا إله إلا أنت, سبحانك, اللهم إني أستغفرك لذنبي, وأسألك رحمة, اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني, وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» لفظ ابن مردويه. وقال عبد الرزاق عن مالك عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسي أنه أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق رضي الله عنه المغرب, فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل, وقرأ في الركعة الثالثة, قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه, فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الاَية: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} الاَية. قال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نسي أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته, فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله ؟ قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك, فقال له رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك, قال: كنت أقرأ {قل هو الله أحد}, وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي, كلاهما عن أبي عبيد به, وروى هذا الأثر الوليد أيضاً عن ابن جابر, عن يحيى بن يحيى الغساني, عن محمود بن لبيد, عن الصنابحي, أنه صلى خلف أبي بكر المغرب, فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة يجهر بالقراءة, فلما قام إلى الثالثة, ابتدأ القراءة, فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه, فقرأ هذه الاَية {ربنا لا تزغ قلوبنا} الاَية.
وقوله {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} أي يقولون في دعائهم: إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم, وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه, وتجزي كلاً بعمله وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.


** إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُولَـَئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
يخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله, ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه, كما قال تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بهافي الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} وقال تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد, متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}, وقال ههنا {إن الذين كفروا} أي بآيات الله, وكذبوا رسله, وخالفوا كتابه, ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار} أي حطبها الذي تسجر به, وتوقد به, كقوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} الاَية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا ابن لهيعة, أخبرني ابن الهاد عن هند بنت الحارث, عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس, قالت: بينما نحن بمكة, قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فنادى «هل بلغت اللهم, هل بلغت» ثلاثاً, فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: نعم, ثم أصبح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه, ولتَخُوضُنّ البحارَ بالإسلام, وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه, ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا, فمن هذا الذي هو خير منا, فهل في أولئك من خير ؟» قالوا: يا رسول الله, فمن أولئك ؟ قال «أولئك منكم, وأولئك هم وقود النار» وكذا رأيته بهذا اللفظ وقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد, عن هند بنت الحارث امرأة عبد الله بن شداد, عن أم الفضل, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة بمكة, فقال «هل بلغت» يقولها ثلاثاً¹ فقام عمر بن الخطاب وكان أواها, فقال: اللهم نعم, وحرصت, وجهدت, ونصحت, فاصبر¹ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه, وليخوضن رجال البحار بالإسلام,وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن, فيقرؤونه ويعلمونه, فيقولون: قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا ؟ فما في أولئك من خير» قالوا: يا رسول الله, فمن أولئك ؟ قال «أولئك منكم, وأولئك هم وقود النار» ثم رواه من طريق موسى بن عبيد, عن محمد بن إبراهيم عن بنت الهاد عن العباس بن عبد المطلب بنحوه.
وقوله تعالى: {كدأب آل فرعون} قال الضحاك عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون, وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد, ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون, وكفعل آل فرعون, وكشبه آل فرعون, والألفاظ متقاربة, والدأب بالتسكين والتحريك كنهر ونهر, هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة, كما يقال لا يزال هذا دأبي ودأبك, وقال امرؤ القيس:
وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهميقولون لا تأسف أسى وتجملكدأبك من أم الحويرث قبلهاوجارتها أم الرباب بمأسل

والمعنى كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها, والمعنى في الاَية أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد, بل يهلكون ويعذبون كما جرى لاَل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه, {والله شديد العقاب} أي شديد الأخذ أليم العذاب لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء, بل هوالفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء وذَلّ له كل شي, لا إله غيره ولا رب سواه.


** قُلْ لّلّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىَ جَهَنّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَىَ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لاُوْلِي الأبْصَارِ
يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين {ستغلبون} أي في الدنيا, {وتحشرون} أي يوم القيامة {إلى جهنم وبئس المهاد} وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب, ورجع إلى المدينة, جمع اليهود في سوق بني قينقاع, وقال «يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً». فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال, إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس, وأنك لم تلق مثلنا, فأنزل الله في ذلك قوله {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ـ إلى قوله ـ لعبرة لأولي الأبصار} وقد رواه محمد بن إسحاق أيضاً, عن محمد بن أبي محمد, عن سعيد أو عكرمة, عن ابن عباس, فذكره, ولهذا قال تعالى: {قد كان لكم آية} أي قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم {آية}, أي دلالة على أن الله معز دينه, وناصر رسوله, ومظهر كلمته, ومعل أمره {في فئتين} أي طائفتين {التقتا} أي للقتال {فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} وهم مشركو قريش يوم بدر, وقوله: { يرونهم مثليهم رأي العين} قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم, أي جعل الله ذلك فيما رأوه سبباً لنصرة الإسلام عليهم, وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة, وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذٍ قبل القتال يَحْزِر لهم المسلمين, فأخبرهم بأنهم ثلثمائة يزيدون قليلاً أو ينقصون, وهكذا كان الأمر. كانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً, ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.
(والقول الثاني) أن المعنى في قوله تعالى: {يرونهم مثليهم رأي العين} أي ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم, أي ضعفيهم في العدد, ومع هذا نصرهم الله عليهم, وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً, والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلاً وكأن هذاالقول مأخوذ من ظاهر هذه الاَية, ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس, وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين تسعمائة إلى ألف, كما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير, قال «كم ينحرون كل يوم» ؟ قال: يوماً تسعاً ويوماً عشراً, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف». وروى أبو إسحاق السبيعي, عن حارثة, عن علي رضي الله عنه, قال: كانوا ألفاً, وكذا قال ابن مسعود. والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف, وعلى كل تقدير كانوا ثلاثة أمثال المسلمين, وعلى هذا فيشكل هذاالقول, والله أعلم, لكن وجه ابن جرير هذا وجعله صحيحاً كما تقول: عندي ألف, وأنا محتاج إلى مثليها, وتكون محتاجاً إلى ثلاثة آلاف, كذا قال, وعلى هذا فلا إشكال, لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين, وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الاَية وبين قوله تعالى في قصة بدر {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولا} فالجواب أن هذا كان في حالة والاَخر كان في حالة أخرى, كما قال السدي عن الطيب عن ابن مسعود في قوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} الاَية, قال: هذا يوم بدر, قال عبد الله بن مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا, ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً, وذلك قوله تعالى: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم} الاَية وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة, عن عبد الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين ؟ قال: أراهم مائة, قال: فأسرنا رجلاً منهم, فقلنا, كم كنتم ؟ قال: ألفاً, فعندما عاين كل من الفريقين الاَخر, رأى المسلمون المشركين مثليهم, أي أكثر منهم بالضعف ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم عز وجل, ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع, ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان, قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء, وهؤلاء في أعين هؤلاء, ليقدم كل منهما على الاَخر {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} أي ليفرق بين الحق والباطل, فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان, ويعز المؤمنين ويذل الكافرين, كما قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} وقال ههنا {والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} أي إن في ذلك لمعتبراً لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.


** زُيّنَ لِلنّاسِ حُبّ الشّهَوَاتِ مِنَ النّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذَلِكُمْ لِلّذِينَ اتّقَوْا عِندَ رَبّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين, فبدأ بالنساء, لأن الفتنة بهن أشد, كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم, قال «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد, فهذا مطلوب مرغوب فيه, مندوب إليه, كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه, «وإن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء», وقوله صلى الله عليه وسلم «الدنيا متاع, وخير متاعها المرأة الصالحة, إن نظر إليها سرته, وإن أمرها أطاعته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» وقوله في الحديث الاَخر «حبب إليّ النساء والطيب, وجعلت قرة عيني في الصلاة». وقالت عائشة رضي الله عنها: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء إلا الخيل, وفي رواية من الخيل إلا النساء, وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة, فهو داخل في هذا, وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له, فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث «تزوجوا الودود الولود, فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء, فهذا مذموم, وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات, فهذا ممدوح محمود شرعاً وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال, وحاصلها أنه المال الجزيل كما قاله الضحاك وغيره, وقيل: ألف دينار, وقيل: ألف ومائتا دينار وقيل اثنا عشر ألفاً, وقيل: أربعون ألفاً, وقيل: ستون ألفاً, وقيل سبعون ألفاً, وقيل: ثمانون ألفاً, وقيل غير ذلك, وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا حماد, عن عاصم, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القنطار اثنا عشر ألف أوقية, كل أوقية خير مما بين السماء والأرض», وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد بن سلمة به, وقد رواه ابن جرير عن بندار, عن ابن مهدي, عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة, عن أبي صالح, عن أبي هريرة موقوفاً وهذا أصح, وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر, وحكاه ابن أبي حاتم, عن أبي هريرة وأبي الدرداء, أنهم قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية, ثم قال ابن جرير رحمه الله: حدثنا زكريا بن يحيى الضرير, حدثنا شبابة, حدثنا مخلد بن عبد الواحد, عن علي بن زيد, عن عطاء بن أبي ميمونة, عن زر بن حبيش, عن أبي بن كعب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية». وهذا حديث منكر أيضاً, والأقرب أن يكون موقوفاً على أبي بن كعب كغيره من الصحابة وقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي, عن محمد بن إبراهيم, عن يحَنّش أبي موسى, عن أم الدرداء, عن أبي الدرداء, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين, ومن قرأ مائة آية إلى ألف, أصبح له قنطار من أجر عند الله, القنطار منه مثل الحبل العظيم» ورواه وكيع عن موسى بن عبيدة بمعناه, وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب, حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتَنّيس, حدثنا عمرو بن أبي سلمة, حدثنا زهير بن محمد, حدثنا حميد الطويل ورجل آخر, عن أنس بن مالك, قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى {والقناطير المقنطرة} ؟ قال «القنطار ألفا أوقية» صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, هكذا رواه الحاكم, وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي, أنبأنا عمرو بن أبي سلمة, أنبأنا زهير يعني ابن محمد, أنبأنا حميد الطويل, ورجل آخر قد سماه يعني يزيد الرقاشي, عن أنس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, في قوله« قنطار يعني ألف دينار» وهكذا رواه ابن مردويه والطبراني عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم, عن عمرو بن أبي سلمة, فذكر بإسناده مثله سواء, وروى ابن جرير عن الحسن البصري: عنه مرسلاً وموقوفاً عليه: القنطار ألف ومائتا دينار, وهو رواية العوفي عن ابن عباس, وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار, ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفاً, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عارم عن حماد عن سعيد الجَريري, عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري, قال: القنطار ملء مسك الثور ذهباً, قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي عن حماد بن زيد مرفوعاً, والموقوف أصح.
(وحب الخيل على ثلاثة أقسام) تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها, فهؤلاء يثابون, وتارة تربط فخراً ونواء لأهل الإسلام, فهذه على صاحبها وزر وتارة للتعفف واقتناء نسلها, ولم ينس حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر كما سيأتي الحديث بذلك إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} الاَية, وأما المسومة, فعن ابن عباس رضي الله عنهما: المسومة الراعية, والمطهمة الحسان, وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان وغيرهم, وقال مكحول: المسومة الغرة والتحجيل وقيل: غير ذلك وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الحميد بن جعفر, عن يزيد بن أبي حبيب, عن سويد بن قيس, عن معاوية بن حُديج, عن أبي ذر رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: اللهم إنك خولتني من بني آدم, فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه, أو أحب أهله وماله إليه» وقوله تعالى {والأنعام} يعني الإبل والبقر والغنم, {والحرث} يعني الأرض المتخذة للغراس والزراعة, وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة, حدثنا أبو نعامة العدوي, عن مسلم بن بديل, عن إياس بن زهير, عن سويد بن هبيرة, عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, قال «خير مال امرىء له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة» المأمورة: الكثيرة النسل, والسكة: النخل المصطف, والمأبورة: الملقحة.
ثم قال تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا} أي إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة {والله عنده حسن المآب} أي حسن المرجع والثواب.
وقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا جرير عن عطاء, عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد. قال: قال عمر بن الخطاب لما نزلت {زين للناس حب الشهوات} قلت: الاَن يا رب حين زينتها لنا, فنزلت {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا} الاَية, ولهذا قال تعالى: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي قل يا محمد للناس: أؤخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة, ثم أخبر عن ذلك فقال: {للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر {خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبد الاَباد لا يبغون عنها حولا, {وأزواج مطهرة} أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا {ورضوان من الله} أي يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبداً, ولهذا قال تعالى في الاَية الأخرى التي في براءة {ورضوان من الله أكبر} أي أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم, ثم قال تعالى: {والله بصير بالعباد} أي يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.


** الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَآ إِنّنَآ آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النّارِ * الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ
يصف تبارك وتعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل, فقال تعالى: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا} أي بك وبكتابك وبرسولك, {فاغفر لنا ذنوبنا} أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا, فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك, {وقنا عذاب النار} ثم قال تعالى: {الصابرين} أي في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات, {والصادقين} فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة, {والقانتين} والقنوت الطاعة والخضوع {والمنفقين} أي من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات, وصلة الأرحام والقرابات, وسد الخلات, ومواساة ذوي الحاجات {والمستغفرين بالأسحار} دَلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار, وقد قيل: إن يعقوب عليه السلام, لما قال لبنيه {سوف أستغفر لكم ربي} إنه أخرهم إلى وقت السحر وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة, إن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير, فيقول: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من داع فأستجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟» الحديث, وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءاً على حدة, فرواه من طرق متعددة, وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها, قالت: «من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله وأوسطه وآخره, فانتهى وتره إلى السحر», وكانعبد الله بن عمر يصلي من الليل, ثم يقول: يا نافع, هل جاء السحر ؟ فإذا قال: نعم, أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح, رواه ابن أبي حاتم, وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا أبي عن حريث بن أبي مطر, عن إبراهيم بن حاطب, عن أبيه, قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب, أمرتني فأطعتك, وهذا السحر فاغفر لي, فنظرت فإذا هو ابن مسعود رضي الله عنه. وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.


** شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإنْ حَآجّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للّهِ وَمَنِ اتّبَعَنِ وَقُلْ لّلّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالاُمّيّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وّإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
شهد تعالى وكفى به شهيداً وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم, وأصدق القائلين {أنه لا إله إلا هو} أي المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق, وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه, وهوالغني عما سواه, كما قال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} الاَية, ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته, فقال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام {قائماً بالقسط} منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك {لا إله إلا هو} تأكيد لما سبق, {العزيز الحكيم} العزيز الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً, الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره, وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه, حدثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو القرشي, حدثنا أبو سعيد الأنصاري عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام, عن الزبير بن العوام, قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الاَية {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب, وقدرواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين, حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني, حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري, حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده عن الزبير, قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ هذه الاَية {شهد اللهأنه لا إله إلا هو والملائكة} قال: «وأنا أشهد أي رب» وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي, قالا: حدثنا عمار بن عمر بن المختار, حدثني أبي, حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة, فنزلت قريباً من الأعمش, فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمر بهذه الاَية {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم, إن الدين عند الله الإسلام} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به, وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة {إن الدين عند الله الإسلام} قالها مراراً, قلت: لقد سمع فيها شيئاً فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد, إني سمعتك تردد هذه الاَية, قال: أوما بلغك ما فيها ؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة, فأقمت سنة, فكنت على بابه, فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد, قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يجاء بصاحبها يوم القيامة, فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد, أدخلوا عبدي الجنة», وقوله تعالى {إن الدين عند الله الإسلام} إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام, وهواتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم, فمن لقي الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل, كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} الاَية, وقال في هذه الاَية مخبراً بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام {إن الدين عند الله الإسلام}, وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام}, بكسر إنه, وفتح أن الدين عند الله الإسلام, أي شهد هو والملائكة وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام, والجمهور قرؤوها بالكسر على الخبر, وكلا المعنيين صحيح, ولكن هذا على قول الجمهور أظهر, والله أعلم, ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول, إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم, فقال: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم, فحمل بعضهم بغض البعض الاَخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقاً, ثم قال تعالى: {ومن يكفر بآيات الله} أي من جحد ما أنزل الله في كتابه {فإن الله سريع الحساب} أي فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه, ويعاقبه على مخالفته كتابه.
ثم قال تعالى {فإن حاجوك} أي جادلوك في التوحيد {فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} أي فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له ولا ند له, ولا ولد له, ولا صاحبة له, {ومن اتبعن} أي على ديني يقول كمقالتي, كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} الاَية, ثم قال تعالى آمراً لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به, الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين, فقال تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا, وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} أي والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم, وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة, والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى: {والله بصير بالعباد} أي هوعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة, وهو الذي {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} وما ذلك إلا لحكمته ورحمته وهذه الاَية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة, وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث, فمن ذلك قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الاَفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم امتثالاً لأمر الله له بذلك, وقد روى عبد الرزاق عن معمر, عن همام, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «والذي نفسي بيده, لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم «بعثت إلى الأحمر والأسود», وقال «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة».
وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل, حدثنا حماد, حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه: أن غلاماً يهودياً كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه, ويناوله نعليه, فمرض, فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «يا فلان قل لا إله إلا الله» فنظر إلى أبيه فسكت أبوه, فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم, فنظر إلى أبيه, فقال أبوه: أطع أبا القاسم, فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله, فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول «الحمد لله الذي أخرجه بي من النار» رواه البخاري في الصحيح, إلى غير ذلك من الاَيات والأحاديث.


** إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَـَئِكَ الّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ
هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب بما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله, قديماً وحديثاً, التي بلغتهم إياها الرسل إستكباراً عليهم, وعناداً لهم, وتعاظماً على الحق, واستنكافاً على اتباعه, ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم, إلا لكونهم دعوهم إلى الحق {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} وهذا هو غاية الكبر, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «الكبر بطر الحق وغمط الناس», وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الزبير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري نزيل مكة, حدثني أبو حفص عمر بن حفص يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري, حدثنا محمد بن حمزة, حدثنا أبو الحسن مولى لبني أسد, عن مكحول, عن أبي قبيصة بن ذؤيب الخزاعي, عن أبي عبيدة بن الجراح, رضي الله عنه, قال: قلت: يا رسول الله, أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة ؟ قال «رجل قتل نبياً أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} الاَية, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة, فقام مائة وسبعون رجلاً من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر, فقتلوهم جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم, فهم الذين ذكر الله عز وجل» وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصابي محمد بن حفص, عن ابن حمير, عن أبي الحسن مولى بني أسد, عن مكحول به, وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار, وأقاموا سوق بقلهم من آخره, رواه ابن أبي حاتم. ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق, قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا, والعذاب المهين في الاَخرة, فقال تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} أي موجع مهين {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والاَخرة وما لهم من ناصرين}


** أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىَ كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمّ يَتَوَلّىَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُمْ مّعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَاتٍ وَغَرّهُمْ فِي دِينِهِمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفّيَتْ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
يقول تعالى منكراً على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم, وهما التوراة والإنجيل, وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم, تولوا وهم معرضون عنهما, وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد, ثم قال تعالى: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} أي إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة في الدنيا يوماً وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} أي ثبتهم على دينهم الباطل, ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياماً معدودات, وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم واختلقوه ولم ينزل الله به سلطاناً, قال الله تعالى متهدداً لهم ومتوعداً {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله, وكذبوا رسله, وقتلوا أنبياءه, والعلماء من قومهم, الاَمرين بالمعروف, والناهين عن المنكر,والله تعالى سائلهم عن ذلك كله ومحاسبهم عليه ومجازيهم به, ولهذا قال تعالى: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} أي لا شك في وقوعه وكونه, {ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}.


** قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللّيْلَ فِي الْنّهَارِ وَتُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يقول تبارك وتعالى: {قل} يا محمد معظماً لربك وشاكراً له ومفوضاً إليه ومتوكلاً عليه {اللهم مالك الملك} أي لك الملك كله {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} أي أنت المعطي, وأنت المانع, وأنت الذي ما شئت كان, وما لم تشأ لم يكن وفي هذه الاَية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة, لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأمي المكي, خاتم الأنبياء على الإطلاق, ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن, الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله, وخصه بخصائص لم يعطها نبياً من الأنبياء, ولا رسولاً من الرسل في العلم با لله وشريعته, واطلاعه على الغيوب الماضية والاَتية, وكشفه له عن حقائق الاَخرة, ونشر أمته في الاَفاق في مشارق الأرض ومغاربها, وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع, فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك} الاَية, أي أنت المتصرف في خلقك, الفعال لما تريد, كما رد تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}, قال الله رداً عليهم {أهم يقسمون رحمة ربك} الاَية, أي نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع, ولنا الحكمة البالغة, والحجة التامة في ذلك, وهكذا يعطي النبوة لمن يريد, كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} وقال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} الاَية, وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إسحاق بن أحمد من تاريخه, عن المأمون الخليفة, أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوباً بالحميرية, فعرب له, فإذا هو بسم الله ما اختلف الليل والنهار, ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك. ومُلْكُ ذي العرش دائم أبداً ليس بفان ولا بمشترك. وقوله تعالى: {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} أي تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا, فيعتدلان, ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان, ثم يعتدلان, وهكذا في فصول السنة ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاء, وقوله تعالى: {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} أي تخرج الزرع من الحب, والحب من الزرع, والنخلة من النواة, والنواة من النخلة, والمؤمن من الكافر, والكافر من المؤمن, والدجاجة من البيضة, والبيضة من الدجاجة, وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء {وترزق من تشاء بغير حساب} أي تعطي من شئت من المال ما لا يعد ولا يقدر على إحصائه, وتقتر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي, حدثناجعفر بن جسْر بن فرقد, حدثنا أبي عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الاَية من آل عمران {قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير}.


** لاّ يَتّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَن تَتّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذّرْكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىَ اللّهِ الْمَصِيرُ
نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين, وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين, ثم توعد على ذلك, فقال تعالى: {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} أي ومن يرتكب نهي الله في هذا, فقد بريء من الله, كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ـ إلى أن قال ـ: ومن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السبيل}, وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين, أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً}, وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض, ومن يتولهم منكم فإنه منهم} الاَية, وقال تعالى بعد ذكر موالاة المؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} , وقوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم, فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته, كما قال البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: «إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم». وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان, وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان, وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: {من كفر با لله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} الاَية. وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة, ثم قال تعالى: {ويحذركم الله نفسه} أي يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه, وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: {وإلى الله المصير} أي إليه المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا سويد بن سعيد, حدثنا مسلم بن خالد عن ابن أبي حسين, عن عبد الرحمن بن سابط, عن عمرو بن ميمون, قال: قام فينا معاذ بن جبل, فقال: يا بني أود, إني رسول رسول الله إليكم, تعلمون أن المعاد إلى الجنة أو إلى النار.


** قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدّ لَوْ أَنّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ
يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر, وأنه لا يخفى عليه منهم خافية, بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والأزمان والأيام واللحظات وجميع الأوقات, وجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عنه مثقال ذرة, ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال, {والله على كل شيء قدير} أي وقدرته نافذة في جميع ذلك, وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم, فإنه عالم بجميع أمورهم, وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة, وإن أنظر من أنظر منهم, فإنه يمهل, ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر, ولهذا قال بعد هذا {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً} الاَية, يعني يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير ومن شر, كما قال تعالى {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر} فما رأى من أعماله حسناً سره ذلك وأفرحه, وما رأى من قبيح ساءه وغاظه وود لو أنه تبرأ منه وأن يكون بينهما أمد بعيد, كما يقال لشيطانه الذي كان مقروناً به في الدنيا, وهو الذي جرأه على فعل السوء {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين}, ثم قال تعالى مؤكداً ومهدداً ومتوعداً {ويحذركم الله نفسه} أي يخوفكم عقابه, ثم قال جل جلاله مرجياً لعباده لئلا ييئسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه {والله رؤوف بالعباد} قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه وقال غيره: أي رحيم بخلقه يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم وأن يتبعوا رسوله الكريم.


** قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرّسُولَ فإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ
هذه الاَية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي, والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله, كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه قال «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ولهذا قال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم, وهو أعظم من الأول, كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تحب, إنما الشأن أن تَحب. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله, فابتلاهم الله بهذه الاَية, فقال {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن محمد الطنافسي, حدثنا عبيد الله بن موسىَ عن عبد الأعلى بن أعين, عن يحيى بن أبي كثير, عن عروة, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-17-2005, 01:25 PM   #34
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
«وهل الدين إلا الحب والبغض قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} قال أبو زرعة عبد الأعلى هذا منكر الحديث.
ثم قال تعالى: {ويغفر لكم ذنوبكم, والله غفور رحيم} أي باتباعكم الرسول صلى الله عليه وسلم, يحصل لكم هذا كله من بركة سفارته, ثم قال تعالى آمراً لكل أحد من خاص وعام {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا} أي خالفوا عن أمره {فإن الله لا يحب الكافرين} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر, والله لا يحب من اتصف بذلك, وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس, الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه, والدخول في طاعته, واتباع شريعته, كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} الاَية, إن شاء الله تعالى.


** إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض, فاصطفى آدم عليه السلام خلقه بيده, ونفخ فيه من روحه, وأسجد له ملائكته, وعلمه أسماء كل شيء, وأسكنه الجنة, ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة, واصطفى نوحاً عليه السلام وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض, لما عبد الناس الأوثان, وأشركوا با لله ما لم ينزل به سلطاناً, وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلاً ونهاراً, سراً وجهاراً, فلم يزدهم ذلك إلا فراراً, فدعا عليهم, فأغرقهم الله عن آخرهم, ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به, واصطفى آل إبراهيم, ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الاطلاق محمد صلى الله عليه وسلم, وآل عمران والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيسى ابن مريم عليه السلام. قال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: هو عمران بن ياشم بن أمون ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يويم بنْ عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رخيعم بن سليمان بن داود عليهما السلام, فعيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام, إن شاء الله تعالى, وبه الثقة.


** إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرّراً فَتَقَبّلْ مِنّي إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىَ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذّكَرُ كَالاُنْثَىَ وَإِنّي سَمّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيّتَهَا مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ
امرأة عمران هذه هي أم مريم عليها السلام, وهي حنة بنت فاقوذ قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل, فرأت يوماً طائراً يزق فرخه, فاشتهت الولد, فدعت الله تعالى أن يهبها ولداً, فاستجاب الله دعاءها, فواقعها زوجها, فحملت منه, فلما تحققت الحمل, نذرت أن يكون محرراً أي خالصاً مفرغاً للعبادة ولخدمة بيت المقدس, فقالت: {رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً, فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} أي السميع لدعائي العليم بنيتي, ولم تكن تعلم ما في بطنها: أذكراً أم أنثى ؟ {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت} قرىء برفع التاء, على أنها تاء المتكلم, وأن ذلك من تمام قولها, وقريء بتسكين التاء, على أنه من قول الله عز وجل, {وليس الذكر كالأنثى} أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى {وإني سميتها مريم} فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق لأنه شرع من قبلنا, وقد حكي مقرراً, وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم» أخرجاه, وكذلك ثبت فيهما: أن أنس بن مالك ذهب بأخيه حين ولدته أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه عبد الله, وفي صحيح البخاري: أن رجلاً قال: يا رسول الله ولد لي الليلة ولد فما أسميه ؟ قال «أسم ولدك عبد الرحمن», وثبت في الصحيح أيضاً: أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه, فذهل عنه, فأمر به أبوه, فرده إلى منزلهم, فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس سماه المنذر, فأما حديث قتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «كل غلام رهين بعقيقته, يذبح عنه يوم سابعه, ويسمى ويحلق رأسه» فقد رواه أحمد وأهل السنن, وصححه الترمذي بهذا اللفظ, وروي: ويُدَمّى, وهو أثبت وأحفظ, والله أعلم.
وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, عق عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم, فإسناده لا يثبت, وهو مخالف لما في الصحيح, ولو صح لحمل على أنه أَشْهَرَ اسمه بذلك يومئذ, والله أعلم, وقوله إخباراً عن أم مريم أنها قالت {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} أي عوذتها بالله عز وجل من شر الشيطان, وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام, فاستجاب الله لها ذلك, كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري, عن ابن المسيب, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله «ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد, فيستهل صارخاً من مسه إياه, إلا مريم وابنها» ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}, أخرجاه من حديث عبد الرزاق, ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج, عن بقية, عن الزهري عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, وروى من حديث قيس, عن الأعمش عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرةً أو عصرتين, إلا عيسى ابن مريم ومريم» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة, ورواه مسلم عن أبي الطاهر, عن ابن وهب, عن عمرو بن الحارث, عن أبي يونس, عن أبي هريرة. ورواه ابن وهب أيضاً, عن ابن أبي ذئب, عن عجلان مولى المشْمَعِلّ, عن أبي هريرة. ورواه محمد بن إسحاق, عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد, عن جعفر بن ربيعة, عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج, قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه إلا عيسى ابن مريم, ذهب يطعن, فطعن في الحجاب».


** فَتَقَبّلَهَا رَبّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفّلَهَا زَكَرِيّا كُلّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَمَرْيَمُ أَنّىَ لَكِ هَـَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة, وأنه {أنبتها نباتاً حسناً}, أي جعلها شكلاً مليحاً ومنظراً بهيجاً, ويسر لها أسباب القبول, وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين, فلهذا قال {وكَفَلها زكريا} وفي قراءة: {وكفّلها زكريا} بتشديد الفاء, ونصب زكريا على المفعولية, أي جعله كافلاً لها. قال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب, فكفل زكريا مريم لذلك, ولا منافاة بين القولين¹ والله أعلم. وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها, لتقتبس منه علماً جماً نافعاً وعملاً صالحاً, ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما, وقيل: زوج أختها, كما ورد في الصحيح «فاذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة» وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضاً توسعاً, فعلى هذا كانت في حضانة خالتها وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب, وقال «الخالة بمنزلة الأم», ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها, فقال {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً}. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء, وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد {وجد عندها رزقاً} أي علماً, أو قال: صحفاً فيها علم, رواه ابن أبي حاتم, والأول أصح وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة, فإذا رأى زكريا هذا عندها {قال يا مريم أنى لك هذا} أي يقول من أين لك هذا ؟ {قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة, حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا عبد الله بن لهيعة, عن محمد بن المنكدر, عن جابر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه, فطاف في منازل أزواجه, فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً, فأتى فاطمة فقال «يا بنية هل عندك شيء آكله, فإني جائع ؟» قالت: لا والله ـ بأبي أنت وأمي ـ, فلما خرج من عندها, بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم, فأخذته منها, فوضعته في جفنة لها, وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي, وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام, فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فرجع إليها, فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال «هلمي يا بنية». قالت: فأتيته بالجفنة, فكشف عنها, فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً, فلما نظرت إليها بهت وعرفت أنها بركة من الله, فحمدت الله وصليت على نبيه وقدمته إلى رسول الله, فلما رآه حمد الله وقال «من أين لك هذا يا بنية» ؟ قالت: يا أبت {هو من عند الله, إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فحمد الله وقال «الحمد الله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل, فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً وسئلت عنه, قالت: هو من عند الله, إن الله يرزق من يشاء بغير حساب» فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي, ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته حتى شبعوا جميعاً, قالت: وبقيت الجفنة كما هي, قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران, وجعل الله فيها بركة وخيراً كثيراً.


** هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيّا رَبّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لّدُنْكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً إِنّكَ سَمِيعُ الدّعَآءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي الْمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىَ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ اللّهِ وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مّنَ الصّالِحِينَ * قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ * قَالَ رَبّ اجْعَلْ لّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاذْكُر رّبّكَ كَثِيراً وَسَبّحْ بِالْعَشِيّ وَالإِبْكَارِ
لما رأى زكريا عليه السلام أن الله يرزق مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء, طمع حينئذ في الولد وكان شيخاً كبيراً قد وهن منه العظم واشتعل الرأس شيباً, وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقراً, لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفياً, وقال {رب هب لي من لدنك} أي من عندك {ذرية طيبة} أي ولداً صالحاً {إنك سميع الدعاء}. قال تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} أي خاطبته الملائكة شفاهاً خطاباً, أسمعته وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة {أن الله يبشرك بيحيى} أي بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان. وقوله {مصدقاً بكلمة من الله}. روى العوفي وغيره عن ابن عباس, وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الاَية {مصدقاً بكلمة من الله} أي بعيسى ابن مريم. وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم. وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه. وقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله {مصدقاً بكلمة من الله}, قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة, وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك, فذلك تصديقه بعيسى تصديقه له في بطن أمه, وهو أول من صدق عيسى, وكلمة الله عيسى, وهو أكبر من عيسى عليه السلام, وهكذا قال السدي أيضاً.
قوله: {وسيداً} قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحكيم. قال قتادة: سيداً في العلم والعبادة. وقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد الحكيم التقي. قال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله عز وجل.
وقوله: {وحصوراً} روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وعطية العوفي, أنهم قالوا: الذي لا يأتي النساء. وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا يحيى بن المغيرة, أنبأنا جرير عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس في الحصور: الذي لا ينزل الماء. وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثاً غريباً جداً, فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي, حدثني سعيد بن سليمان, حدثنا عباد يعني ابن العوام, عن يحيى بن سعيد, عن سعيد بن المسيب, عن ابن العاص ـ لا يدري عبد الله أو عمرو ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وسيداً وحصوراً} قال: ثم تناول شيئاً من الأرض, فقال «كان ذكره مثل هذا» ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري, أنه سمع سعيد بن المسيب, عن عبد الله بن عمرو بن العاصيقول: ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا. ثم قرأ سعيد {وسيداً وحصوراً} ثم أخذ شيئاً من الأرض, فقال: الحصور من كان ذكره مثل ذي. وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف أصبعه السبابة, فهذا موقوف أصح إسناداً من المرفوع بل وفي صحة المرفوع نظر والله أعلم. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا أحمد بن داود السمناني, حدثنا سويد بن سعيد, حدثنا علي بن مسهر, عن يحيى بن سعيد, عن سعيد بن المسيب, قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا, فإن الله يقول {وسيداً وحصوراً} قال: «وإنما ذكره مثل هدبة الثوب» وأشار بأنملته, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عيسى بن حماد ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا حجاج بن سليمان المقري عن الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن القعقاع, عن أبي صالح, عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه, إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين» ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض, فأخذها وقال: «وكان ذكره مثل هذه القذاة».
وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان {حصوراً} ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوباً أو لا ذكر له, بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين, ونقاد العلماء, وقالوا: هذه نقيصة وعيب, ولا تليق بالأنبياء عليهم السلام, وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب, أي لا يأتيها كأنه حُصِر عنها. وقيل مانعاً نفسه من الشهوات. وقيل ليست له شهوة في النساء, وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص, وإنما الفضل في كونها موجودة, ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى, أو بكفاية من الله عز وجل كيحيى عليه السلام, ثم هي في حق من قدر عليها, وقام بالواجب فيها, ولم تشغله عن ربه درجة عليا, وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه, بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن, بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو, وإن كانت من حظوظ دنيا غيره, فقال: «حبب إليّ من دنياكم» هذا لفظه. والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء, بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات, ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن, بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: {هب لي من لدنك ذرية طيبة} كأنه قال: ولداً له ذرية ونسل وعقب, والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله: {ونبياً من الصالحين} هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته, وهي أعلى من الأولى, كقوله لأم موسى {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} فلما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة, أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال} أي الملك {كذلك الله يفعل ما يشاء} أي هكذا أمر الله عظيم, لا يعجزه شيء, ولا يتعاظمه أمر, {قال رب اجعل لي آية} أي علامة أستدل بها على وجود الولد مني {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً} أي إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح, كما في قوله: {ثلاث ليال سويا} ثم أمر بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال, فقال تعالى: {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار}. وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم, إن شاء الله تعالى.


** وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىَ نِسَآءِ الْعَالَمِينَ * يَمَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عليها السلام عن أمر الله لهم بذلك, أن الله قد اصطفاها أي اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس, واصطفاها ثانياً مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين, قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري, عن سعيد بن المسيب, في قوله تعالى: {إن الله اصطفاك وطهرّك واصطفاك على نساء العالمين} قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش, أحناء على ولد في صغره, ورعاة على زوج في ذات يده, ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط» ولم يخرجه من هذا الوجه سوى مسلم, فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد, كلاهما عن عبد الرزاق به, وقال هشام بن عروة, عن أبيه, عن عبد الله بن جعفر, عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «خير نسائها مريم بنت عمران, وخير نسائها خديجة بنت خويلد» أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام به مثله, وقال الترمذي: حدثنا أبو بكر بن زنجويه, حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر, عن قتادة, عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران, وخديجة بنت خويلد, وفاطمة بنت محمد, وآسية امرأة فرعون» تفرد به الترمذي وصححه, قال عبد الله بن أبي جعفر الرازي, عن أبيه, قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران, وآسية امرأة فرعون, وخديجة بنت خويلد, وفاطمة بنت رسول الله» رواه ابن مردويه, وروى ابن مردويه من طريق شعبة, عن معاوية بن قرة, عن أبيه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كمل من الرجال كثير, ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران, وآسية امرأة فرعون, وخديجة بنت خويلد, وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا آدم العسقلاني, حدثنا شعبة, حدثنا عمرو بن مرة, سمعت مرة الهمداني, يحدث عن أبي موسى الأشعري, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كمل من الرجال كثير, ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران, وآسية امرأة فرعون». وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به, ولفظ البخاري «كمل من الرجال كثير, ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون, ومريم بنت عمران, وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم عليه السلام في كتابنا البداية والنهاية, ولله الحمد والمنة. ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل, لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره الله وقضاه مما فيه محنة لها, ورفعة في الدارين بما أظهر الله فيها من قدرته العظيمة, حيث خلق منها ولداً من غير أب, فقال تعالى: {يا مريم اقنتي لربك, واسجدي واركعي مع الراكعين} أما القنوت فهو الطاعة في خشوع, كما قال تعالى: {بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون}. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, أخبرني عمرو بن الحارث, أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم, عن أبي سعيد, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال « كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة». ورواه ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن دراج به, وفيه نكارة. وقال مجاهد: كانت مريم عليها السلام تقوم حتى تتورم كعباها والقنوت هو طول الركود في الصلاة, يعني امتثالاً لقول الله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك} قال الحسن: يعني اعبدي لربك, {واسجدي واركعي مع الراكعين} أي كوني منهم وقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة, حتى نزل الماء الأصفر في قدميها رضي الله عنها وأرضاها. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكديمي, وفيه مقال: حدثنا علي بن بحر بن بري, حدثنا الوليد بن مسلم, عن الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, في قوله {يا مريم اقنتي لربك واسجدي} قال: سجدت حتى نزل الماء الأصفر في عينيها. وذكر ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن عبد العزيز, حدثنا ضمرة عن ابن شوذب, قال: كانت مريم عليها السلام, تغتسل في كل ليلة. ثم قال تعالى لرسوله بعد ما أطلعه على جلية الأمر {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} أي نقصه عليك {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} أي ما كنت عندهم يا محمد فتخبرهم عنهم معاينة عما جرى بل أطلعك الله على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها, وذلك لرغبتهم في الأجر. قال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثني حجاج عن ابن جريج, عن القاسم بن أبي بزة, أنه أخبره عن عكرمة, وأبي بكر عن عكرمة, قال: ثم خرجت بها, يعني أم مريم بمريم تحملها, في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى عليهما السلام, قال: وهم يومئذ يلون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة, فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة, فإني حررتها, وهي أنثى, ولا يدخل الكنيسة حائض, وأنا لا أردها إلى بيتي, فقالوا: هذه ابنة إمامنا, وكان عمران يؤمهم في الصلاة, وصاحب قرباننا, فقال زكريا: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي, فقالوا: لا تطيب أنفسنا, هي ابنة إمامنا, فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة, فقرعهم زكريا فكفلها وقد ذكر عكرمة أيضاً والسدي وقتادة والريبع بن أنس وغير واحد, دخل حديث بعضهم في بعض, أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن, واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت في جَرْيَة الماء فهو كافلها, فألقوا أقلامهم, فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ويقال إنه ذهب صاعداً يشق جرية الماء, وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم, صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين.


** إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنّ اللّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرّبِينَ * وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ * قَالَتْ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىَ أَمْراً فَإِنّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
هذه بشارة من الملائكة لمريم عليها السلام بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير. قال الله تعالى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله, أي يقول له: كن فيكون, وهذا تفسير قوله: {مصدقاً بكلمة من الله} كما ذكر الجمهور على ما سبق بيانه {اسمه المسيح عيسى ابن مريم} أي يكون مشهوراً بهذا في الدينا, ويعرفه المؤمنون بذلك وسمي المسيح, قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه كان مسيح القدمين, لا أخمص لهما, وقيل: لأنه كان إذا مسح أحداً من ذوي العاهات برىء, بإذن الله تعالى. وقوله: {عيسى ابن مريم} نسبة إلى أمه حيث لا أب له. {وجيهاً في الدنيا والاَخرة ومن المقربين} أي له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به, وفي الدار الاَخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه, فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم, صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين, وقوله: {ويكلم الناس في المهد وكهلاً} أي يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره, معجزة وآية, وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه بذلك {ومن الصالحين} أي في قوله وعمله, له علم صحيح وعمل صالح. قال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن محمد بن شرحبيل, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تكلم مولود في صغره إلا عيسى وصاحب جريج» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الصقر يحيى بن محمد بن قزعة, حدثنا الحسين يعني المروزي, حدثنا جرير يعني ابن حازم, عن محمد, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى, وصبي كان في زمن جريج, وصبي آخر» فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله عز وجل, قالت في مناجاتها {رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟} تقول كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج, ولا من عزمي أن أتزوج, ولست بغياً حاشا لله ؟ فقال لها الملك عن الله عز وجل في جواب ذلك السؤال {كذلك الله يخلق من يشاء} أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء, وصرح ههنا بقوله: {يخلق ما يشاء} ولم يقل: يفعل, كما في قصة زكريا, بل نص ههنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة, وأكد ذلك بقوله: {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} أي فلا يتأخر شيئاً بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة كقوله: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} أي إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح بالبصر.


** وَيُعَلّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رّبّكُمْ أَنِيَ أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَىَ بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّكُمْ إِن كُنتُم مّؤْمِنِينَ * وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ وَلاُحِلّ لَكُم بَعْضَ الّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رّبّكُمْ فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنّ اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـَذَا صِرَاطٌ مّسْتَقِيمٌ
يقول تعالى مخبراً عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى عليه السلام: أن الله يعلمه {الكتاب والحكمة}, الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة, والحكمة تقدم تفسيرها في سورة البقرة, و{التوراة والإنجيل}, فالتوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران, والإنجيل الذي أنزل على عيسى ابن مريم عليهما السلام. وقد كان عيسى عليه السلام يحفظ هذا وهذا, وقوله: {ورسولاً إلى بني إسرائيل} أي يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل, قائلاً لهم {أني قد جئتكم بآية من ربكم, أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله} وكذلك كان يفعل, يصور من الطين شكل طير, ثم ينفخ فيه فيطير عياناً بإذن الله عز وجل, الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله {وأبرىء الأكمه} قيل: أنه الذي يبصر نهاراً ولا يبصر ليلاً, وقيل بالعكس. وقيل: الأعشى. وقيل الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى وهو أشبه, لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي {والأبرص} معروف, {وأحيي الموتى بإذن الله} قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه, فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة, فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحار, فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام, وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى عليه السلام, فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الاَيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيداً من الذي شرع الشريعة, فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد, أو على مداواة الأكمه والأبرص, وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم, بعث في زمان الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء, فأتاهم بكتاب من الله عز وجل, لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله, أو بعشر سور من مثله, أو بسورة من مثله, لم يستطيعوا أبداً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً, وما ذاك إلا لأن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبداً, وقوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} أي أخبركم بما أكل أحدكم الاَن, وما هو مدخر له في بيته لغد, {إن في ذلك} أي في ذلك كله {لاَية لكم} أي على صدقي فيما جئتكم به {إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة} أي مقرراً لها ومثبتاً {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة, وهو الصحيح من القولين, ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئاً, وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه خطأ, فكشف لهم عن المغطى في ذلك, كما قال في الاَية الأخرى {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه} والله أعلم. ثم قال {وجئتكم بآية من ربكم} أي بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم {فاتقوا الله وأطيعون, إن الله ربي وربكم فاعبدوه} أي أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه {هذا صراط مستقيم}.


** فَلَمّآ أَحَسّ عِيسَىَ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيَ إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ آمَنّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ * رَبّنَآ آمَنّا بِمَآ أَنزَلَتْ وَاتّبَعْنَا الرّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ * وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
يقول تعالى: {فلما أحسّ عيسى} أي استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال, {قال من أنصاري إلى الله} قال مجاهد: أي من يتبعني إلى الله. وقال سفيان الثوري وغيره: أي من أنصاري مع الله, وقول مجاهد: أقرب. والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله ؟ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر «من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي. فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» حتى وجد الأنصار, فآووه ونصروه وهاجر إليهم, فواسوه ومنعوه من الأسود والأحمر, رضي الله عنهم وأرضاهم. وهكذا عيسى ابن مريم عليه السلام انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به ووازروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه, ولهذا قال الله تعالى مخبراً عنهم {قال الحواريون: نحن أنصار الله * آمنّا بالله * واشهد بأنا مسلمون * ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} الحواريون قيل: كانوا قصارين, وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم, وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري الناصر, كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس يوم الأحزاب, فانتدب الزبير ثم ندبهم, فانتدب الزبير رضي الله عنه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي حواري, وحواريي الزبير», وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا وكيع, حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فاكتبنا مع الشاهدين} قال: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم, وهذا إسناد جيد. ثم قال تعالى مخبراً عن ملإ بني إسرائيل, فيما هموا به من الفتك بعيسى عليه السلام, وإرادته بالسوء والصلب حين تمالؤوا عليه, ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان, وكان كافراً, أن هنا رجلاً يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ويفسد الرعايا, ويفرق بين الأب وابنه, إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب, وأنه ولد زنية حتى استثاروا غضب الملك, فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به, فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به, نجاه الله تعالى من بينهم ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء, وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل, فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى, فأخذوه وأهانوه وصلبوه, ووضعوا على رأسه الشوك, وكان هذا من مكر الله بهم, فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم وتركهم في ضلالهم يعمهون, يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم, وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعناداً للحق ملازماً لهم, وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد, ولهذا قال تعالى: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين}.


** إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسَىَ إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمّ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمّا الّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ * وَأَمّا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الاَيَاتِ وَالذّكْرِ الْحَكِيمِ
اختلف المفسرون في قوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك إليّ} فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر, تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك, يعني بعد ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إني متوفيك, أي مميتك. وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم, عن وهب بن منبه, قال: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه, قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات, ثم أحياه. وقال إسحاق بن بشر, عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام, ثم بعثه, ثم رفعه. وقال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا, وليس بوفاة موت, وكذا قال ابن جرير: توفيه هو رفعه, وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا ـ النوم, كما قال تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} الاَية. وقال تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} الاَية, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول إذا قام من النوم: «الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا» الحديث, وقال تعالى: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ـ إلى قوله ـ وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاّ حكيماً * وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداّ} والضمير في قوله {قبل موته} عائد على عيسى عليه السلام, أي وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى, وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه, فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم, لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أحمد بن عبد الرحمن, حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, حدثنا الربيع بن أنس, عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: {إني متوفيك} يعني وفاة المنام, رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود «إن عيسى لم يمت, وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» وقوله تعالى: {ومطهرك من الذين كفروا} أي برفعي إياك إلى السماء {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} وهكذا وقع فإن المسيح عليه السلام, لما رفعه الله إلى السماء, تفرقت أصحابه شيعاً بعده, فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته, ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله, وآخرون قالوا: هو الله, وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن ورد على كل فريق, فاستمروا على ذلك قريباً من ثلثمائة سنة, ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين, فدخل في دين النصرانية, قيل: حيلة ليفسده, فإنه كان فيلسوفاً, وقيل: جهلاً منه إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه, وزاد فيه ونقص منه, ووضعت له القوانين, والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة, وأحل في زمانه لحم الخنزير, وصلوا له إلى المشرق, وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع, وزاد في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون, وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد, وبنى المدينة المنسوبة إليه, واتبعه الطائفة الملكية منهم, وهم في هذا كله قاهرون لليهود, أيدهم الله عليهم, لأنهم أقرب إلى الحق منهم, وإن كان الجميع كفاراً عليهم لعائن الله, فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم, فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق, كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض, إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي العربي, خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق, الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق, فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته, مع ما قد حرفوا وبدلوا, ثم لو لم يكن شيء من ذلك, لكان قد نسخ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة, ولا يزال قائماً منصوراً ظاهراً على كل دين, فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها, واجتازوا جميع الممالك, ودانت لهم جميع الدول, وكسروا كسرى, وقصروا قيصر وسلبوهما كنوزهما, وأنفقت في سبيل الله كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم عز وجل في قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً, يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} الاَية, فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقاً, سلبوا النصارى بلاد الشام وألجؤوهم إلى الروم فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية, ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ويستفيئون ما فيها من الأموال, ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جداً, لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها, وقد جمعت في هذا جزءاً مفرداً, ولهذا قال تعالى: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون * فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والاَخرة وما لهم من ناصرين} وكذلك فعل بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه أو أطراه من النصارى, عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي, وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك, وفي الدار الاَخرة عذابهم أشد وأشق {وما لهم من الله من واق} {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} أي في الدنيا والاَخرة, في الدنيا بالنصر والظفر, وفي الاَخرة بالجنات العاليات {والله لا يحب الظالمين}.
ثم قال تعالى: {ذلك نتلوه عليك من الاَيات والذكر الحكيم} أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفيه أمره, وهو مما قاله تعالى وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ, فلا مرية فيه ولا شك, كما قال تعالى في سورة مريم {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} وههنا قال تعالى:)


** إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنّ هَـَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ وَمَا مِنْ إِلَـَهٍ إِلاّ اللّهُ وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
يقول جل وعلا: {إن مثل عيسى عند الله} في قدرة الله حيث خلقه من غير أب {كمثل آدم} حيث خلقه من غير أب ولا أم بل {خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} فالذي خلق آدم من غير أب, قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى, وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقاً من غير أب, فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى, ومعلوم بالإتفاق أن ذلك باطل, فدعواها في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فساداً, ولكن الرب جل جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى, وخلق حواء من ذكر بلا أنثى, وخلق عيسى من أثنى بلا ذكر, كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى, ولهذا قال تعالى في سورة مريم {ولنجعله آية للناس} وقال ههنا: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه, وماذا بعد الحق إلا الضلال. ثم قال تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم, أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان {فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي نحضرهم في حال المباهلة {ثم نبتهل} أي نلتعن {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} أي منا أو منكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران, أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية, فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم, قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكباً, فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم وهم: العاقب واسمه عبد المسيح, والسيد وهو الأيهم, وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل, وأويس بن الحارث, وزيد, وقيس, ويزيد ونبيه, وخويلد, وعمرو, وخالد, وعبد الله, ويُحَنّس, وأمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم وهم العاقب, وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم, والذي لا يصدرون إلا عن رأيه, والسيد وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم, وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم, وكان رجلاً من العرب من بني بكر بن وائل, ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه, وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم, وقد كان يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته وشأنه مما علمه من الكتب المتقدمة, ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها, قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير, قال: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر, عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب, قال: يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم: وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوهم» فصلوا إلى المشرق, قال: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة, والعاقب عبد المسيح, والسيد الأيهم وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله, ويقولون: هو ولد الله, ويقولون: هو ثالث ثلاثة, تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وكذلك قول النصرانية, فهم يحتجون في قولهم هو الله, بأنه كان يحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص والأسقام, ويخبر بالغيوب, ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً, وذلك كله بأمر الله. وليجعله الله آية للناس, ويحتجون على قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم, وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله, ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون لو كان واحداً ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت, ولكنه هو وعيسى ومريم ـ تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً ـ وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن, فلما كلمه الحبران, قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «أسلما» قالا: قد أسلمنا, قال: «إنكما لم تسلما فأسلما». قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير». قالا: فمن أبوه يا محمد ؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما, فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها, ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها إلى أن قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك, فقالوا: يا أبا القاسم, دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه, ثم انصرفوا عنه, ثم خلوا بالعاقب, وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل, ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم, ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط, فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم, وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم, فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم, فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم, فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم, قد رأينا ألا نلاعنك ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا, فإنكم عندنا رضا, قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين» فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ, رجاء أن أكون صاحبها, فرحت إلى الظهر مهجراً, فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر, سلم ثم نظر عن يمينه وشماله, فجعلت أتطاول له ليراني فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه, فقال «اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه». قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة رضي الله عنه. وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق, عن عاصم بن عمر بن قتادة, عن محمود بن لبيد, عن رافع بن خديج: أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكر نحوه, إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر, وذكر بقيته بأطول من هذا السياق, وزيادات أخر.
وقال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين, حدثنا يحيى بن آدم, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن صلة بن زفر, عن حذيفة رضي الله عنه, قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه, قال: فقال: أحدهما لصاحبه: لا تفعل فو الله لئن كان نبياً فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا, قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً, فقال «لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين» فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال «قم يا أبا عبيدة بن الجراح» فلما قام, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أمين هذه الأمة» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة, عن حذيفة, بنحوه وقد رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق, عن صلة, عن ابن مسعود بنحوه وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن خالد, عن أبي قلابة, عن أنس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «لكل أمة أمين, وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد, حدثنا فرات عن عبد الكريم بن مالك الجزري, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قال أبو جهل قبحه الله, إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لاَتينه حتى أطأ على رقبته, قال: فقال «لو فعل لأخذته الملائكة عياناً, ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار, ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً», وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق, عن معمر, عن عبد الكريم به, وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جداً, ولنذكره فإن فيه فوائد كثيرة, وفيه غرابة, وفيه مناسبة لهذا المقام, قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل, قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب, حدثنا أحمد بن عبد الجبار, حدثنا يونس بن بكير, عن سلمة بن عبد يسوع, عن أبيه, عن جده, قال يونس ـ وكان نصرانياً فأسلم ـ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب, من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران أسلم أنتم, فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد, وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد, فإن أبيتم فالجزية, فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب, والسلام». فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه فظع به, وذعره ذعراً شديداً, وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة, وكان من همدان, ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب, فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل فقرأه, فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك ؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة, فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل, ليس لي في أمر النبوة رأي, ولو كان في أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأيي واجتهدت لك, فقال الأسقف: تنح فاجلس, فتنحى شرحبيل فجلس ناحية, فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل, وهو من ذي أصبح من حمير, فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل, فقال له الأسقف: تنح فاجلس, فتنحى عبد الله فجلس ناحية, فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس, فأقرأه الكتاب, وسأله عن الرأي فيه ؟ فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله, فأمره الأسقف, فتنحى فجلس ناحية, فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعاً, أمر الأسقف بالناقوس فضرب به, ورفعت النيران والمسوح في الصوامع, وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار, وإذا كان فزعهم ليلاً ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع, فاجتمعوا حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح, أهل الوادي أعلاه وأسفله. وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع, وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل, فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسألهم عن الرأي فيه, فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي, فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدنية وضعوا ثياب السفر عنهم, ولبسوا حللاً لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب, ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه, فلم يرد عليهم, وتصدوا لكلامه نهاراً طويلاً, فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب, فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف, وكانا معرفة لهم, فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس, فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن, إن نبيكم كتب إلينا كتاباً فأقبلنا مجيبين له, فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا, وتصدينا لكلامه نهاراً طويلاً, فأعيانا أن يكلمنا, فما الرأي منكما, أترون أن نرجع ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم, ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودون إليه, ففعلوا فسلموا عليه فرد سلامهم, ثم قال «والذي بعثني بالحق, لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم». ثم سألهم سألوة, فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى, فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى, يسرنا إن كنت نبياً أن نسمع ما تقول فيه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما عندي فيه شيء يومي هذا, فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي ربي في عيسى» فأصبح الغد وقد أنزل الله هذه الاَية {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ـ إلى قوله ـ الكاذبين} فأبوا أن يقروا بذلك, فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر, أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميل له, وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة, وله يومئذ عدة نسوة, فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي, وإني والله أرى أمراً ثقيلاً, والله لئن كان هذا الرجل ملكاً مبعوثاً فكنا أول العرب طعناً في عينيه ورداً عليه أمره, لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة, وإنا لأدنى العرب منهم جواراً, ولئن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه, لا يبقى منا على وجه الأرض شعر ولا ظفر إلا هلك, فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم ؟ فقال: أرى أن أحكمه, فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً, فقالا: له: أنت وذاك, قال: فلقي شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك. فقال: وما هو ؟ فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح, فمهما حكمت فينا فهو جائز, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعل وراءك أحداً يثرب عليك» ؟ فقال شرحبيل: سل صاحبي, فسألهما فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم حتى إذا كان من الغد أتوه, فكتب لهم هذا الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب النبي محمد رسول الله لنجران ـ إن كان عليهم حكمه ـ في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم, وترك ذلك كله لهم على ألفي حلة, في كل رجب ألف حلة, وفي كل صفر ألف حلة» وذكر تمام الشروط وبقية السياق.
والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع, لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح, وهي قوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر} الاَية, وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن داود المكي, حدثنا بشر بن مهران حدثنا محمد بن دينار, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن جابر, قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب, فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة, قال: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين, ثم أرسل إليهما, فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي بعثني بالحق لو قالا: لا, لأمطر عليهم الوادي ناراً» قال جابر, وفيهم نزلت {ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} قال جابر {أنفسنا وأنفسكم} رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب {وأبناءنا} الحسن والحسين {ونساءنا} فاطمة. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى, عن أحمد بن محمد الأزهري, عن علي بن حجر, عن علي بن مسهر, عن داود بن أبي هند به بمعناه, ثم قال: صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه هكذا قال وقد رواه أبو داود الطيالسي, عن شعبة, عن المغيرة عن الشعبي مرسلاً, وهذا أصح, وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك, ثم قال الله تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق} أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد {وما من إله إلا الله, وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا} أي عن هذا إلى غيره {فإن الله عليم بالمفسدين} أي من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به, وسيجزيه على ذلك شر الجزاء وهو القادر الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمته.


** قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ
هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم. {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة} والكلمة تطلق على الجملة المفيدة, كما قال ههنا, ثم وصفها بقوله {سواء بيننا وبينكم} أي عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها, ثم فسرها بقوله: {أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً} لا وثناً ولا صليباً ولا صنماً ولا طاغوتاً ولا ناراً ولا شيئاً, بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له, وهذه دعوة جميع الرسل, قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ثم قال تعالى {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله}, قال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله, وقال عكرمة: يسجد بعضناً لبعض {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} أي فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة, فَأَشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم. وقد ذكرنا في شرح البخاري عند روايته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود, عن ابن عباس, عن أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر, فسأله عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعن صفته ونعته وما يدعو إليه, فأخبره بجميع ذلك على الجلية, مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مشركاً, لم يسلم بعد, وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل الفتح, كما هو مصرح به في الحديث, ولأنه لما سأله: هل يغدر ؟ قال: فقلت: لا, ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها, قال: ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئاً سوى هذه, والغرض أنه قال: ثم جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم, سلام على من اتبع الهدى, أما بعد, فأسلم تسلم, وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين, فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و{يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها, نزلت في وفد نجران. وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية, ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح, فما الجمع بين كتابة هذه الاَية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب, وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري ؟ والجواب من وجوه (أحدها) يحمتل أن هذه الاَية نزلت مرتين, مرة قبل الحديبية, ومرة بعد الفتح. (الثاني) يحتمل أن صدر سورة آل عمران, نزل في وفد نجران إلى هذه الاَية, وتكون هذه الاَية, نزلت قبل ذلك, ويكون قول ابن إسحاق: إلى بضع وثمانين آية, ليس بمحفوظ لدلالة حديث أبي سفيان. (الثالث) يحتمل أن قدوم وفد نجران, كان قبل الحديبية, وأن الذي بذلوه مصالحة عن المباهلة لا على وجه الجزية, بل يكون من باب المهادنة والمصالحة, ووافق نزول آية الجزية بعد ذلك على وفق ذلك, كما جاء فرض الخمس والأربعة أخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر, ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك. (الرابع) يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لما أمر بكتب هذا في كتابه إلى هرقل, لم يكن أنزل بعد, ثم أنزل القرآن موافقة له صلى الله عليه وسلم, كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي الأسارى, وفي عدم الصلاة على المنافقين, وفي قوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وفي قوله: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن} الاَية.


** يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجّونَ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ التّورَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * هَأَنْتُمْ هَؤُلآءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلّذِينَ اتّبَعُوهُ وَهَـَذَا النّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ
ينكر تبارك وتعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل عليه السلام, ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم, كما قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتنازعوا عنده, فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً, وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً, فأنزل الله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} الاَية, أي كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهودياً, وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى ؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانياً وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر ؟ ولهذا قال تعالى: {أفلا تعقلون} ثم قال تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيماليس لكم به علم} الاَية. هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به, فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم, ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد صلى الله عليه وسلم, لكان أولى بهم, وإنما تكلموا فيما لا يعلمون, فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها, ولهذا قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ثم قال تعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً} أي متحنفاً عن الشرك قاصداً إلى الإيمان {وما كان من المشركين} وهذه الاَية كالتي تقدمت في سورة البقرة {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} الاَية. ثم قال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه وهذا النبي, يعني محمداً صلى الله عليه وسلم, والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم. قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص, عن سعيد بن مسروق, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «إن لكل نبي ولاة من النبيين, وإن وليي منهم أبي وخليل ربي عز وجل» ثم قرأ {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} الاَية, وقد رواه الترمذي والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري, عن سفيان الثوري, عن أبيه به, ثم قال البزار: ورواه غير أبي أحمد, عن سفيان, عن أبيه, عن أبي الضحى, عن عبد الله, ولم يذكر مسروقاً. وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع عن سفيان, ثم قال: وهذا أصح, لكن رواه وكيع في تفسيره, فقال: حدثنا سفيان عن أبيه, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن مسعود, قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لكل نبي ولاية من النبيين, وإن وليي منهم أبي وخليل ربي عز وجل إبراهيم عليه السلام» ثم قرأ {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا} الاَية, قوله {والله ولي المؤمنين} أي ولي جميع المؤمنين برسله.


** وَدّت طّآئِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلّونَكُمْ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ طّآئِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالّذِيَ أُنْزِلَ عَلَى الّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النّهَارِ وَاكْفُرُوَاْ آخِرَهُ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلاَ تُؤْمِنُوَاْ إِلاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنّ الْهُدَىَ هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَىَ أَحَدٌ مّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ قُلْ إِنّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
شا يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين, وبغيهم إياهم الإضلال, وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم, ثم قال تعالى منكراً عليهم {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} أي تعلمون صدقها وتتحققون حقها {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} أي تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} الاَية, هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم, وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار, ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح, فإذا جاء النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيضة وعيب في دين المسلمين, ولهذا قالوا {لعلهم يرجعون}. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله تعالى إخباراً عن اليهود بهذه الاَية, يعني يهوداً صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح, وكفروا آخر النهار



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 11-18-2005, 01:31 PM   #35
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
«وهل الدين إلا الحب والبغض قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} قال أبو زرعة عبد الأعلى هذا منكر الحديث.
ثم قال تعالى: {ويغفر لكم ذنوبكم, والله غفور رحيم} أي باتباعكم الرسول صلى الله عليه وسلم, يحصل لكم هذا كله من بركة سفارته, ثم قال تعالى آمراً لكل أحد من خاص وعام {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا} أي خالفوا عن أمره {فإن الله لا يحب الكافرين} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر, والله لا يحب من اتصف بذلك, وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس, الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه, والدخول في طاعته, واتباع شريعته, كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} الاَية, إن شاء الله تعالى.


** إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض, فاصطفى آدم عليه السلام خلقه بيده, ونفخ فيه من روحه, وأسجد له ملائكته, وعلمه أسماء كل شيء, وأسكنه الجنة, ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة, واصطفى نوحاً عليه السلام وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض, لما عبد الناس الأوثان, وأشركوا با لله ما لم ينزل به سلطاناً, وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلاً ونهاراً, سراً وجهاراً, فلم يزدهم ذلك إلا فراراً, فدعا عليهم, فأغرقهم الله عن آخرهم, ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به, واصطفى آل إبراهيم, ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الاطلاق محمد صلى الله عليه وسلم, وآل عمران والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيسى ابن مريم عليه السلام. قال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: هو عمران بن ياشم بن أمون ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يويم بنْ عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رخيعم بن سليمان بن داود عليهما السلام, فعيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام, إن شاء الله تعالى, وبه الثقة.


** إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرّراً فَتَقَبّلْ مِنّي إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىَ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذّكَرُ كَالاُنْثَىَ وَإِنّي سَمّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيّتَهَا مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ
امرأة عمران هذه هي أم مريم عليها السلام, وهي حنة بنت فاقوذ قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل, فرأت يوماً طائراً يزق فرخه, فاشتهت الولد, فدعت الله تعالى أن يهبها ولداً, فاستجاب الله دعاءها, فواقعها زوجها, فحملت منه, فلما تحققت الحمل, نذرت أن يكون محرراً أي خالصاً مفرغاً للعبادة ولخدمة بيت المقدس, فقالت: {رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً, فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} أي السميع لدعائي العليم بنيتي, ولم تكن تعلم ما في بطنها: أذكراً أم أنثى ؟ {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت} قرىء برفع التاء, على أنها تاء المتكلم, وأن ذلك من تمام قولها, وقريء بتسكين التاء, على أنه من قول الله عز وجل, {وليس الذكر كالأنثى} أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى {وإني سميتها مريم} فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق لأنه شرع من قبلنا, وقد حكي مقرراً, وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم» أخرجاه, وكذلك ثبت فيهما: أن أنس بن مالك ذهب بأخيه حين ولدته أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه عبد الله, وفي صحيح البخاري: أن رجلاً قال: يا رسول الله ولد لي الليلة ولد فما أسميه ؟ قال «أسم ولدك عبد الرحمن», وثبت في الصحيح أيضاً: أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه, فذهل عنه, فأمر به أبوه, فرده إلى منزلهم, فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس سماه المنذر, فأما حديث قتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «كل غلام رهين بعقيقته, يذبح عنه يوم سابعه, ويسمى ويحلق رأسه» فقد رواه أحمد وأهل السنن, وصححه الترمذي بهذا اللفظ, وروي: ويُدَمّى, وهو أثبت وأحفظ, والله أعلم.
وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, عق عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم, فإسناده لا يثبت, وهو مخالف لما في الصحيح, ولو صح لحمل على أنه أَشْهَرَ اسمه بذلك يومئذ, والله أعلم, وقوله إخباراً عن أم مريم أنها قالت {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} أي عوذتها بالله عز وجل من شر الشيطان, وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام, فاستجاب الله لها ذلك, كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري, عن ابن المسيب, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله «ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد, فيستهل صارخاً من مسه إياه, إلا مريم وابنها» ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}, أخرجاه من حديث عبد الرزاق, ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج, عن بقية, عن الزهري عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, وروى من حديث قيس, عن الأعمش عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرةً أو عصرتين, إلا عيسى ابن مريم ومريم» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة, ورواه مسلم عن أبي الطاهر, عن ابن وهب, عن عمرو بن الحارث, عن أبي يونس, عن أبي هريرة. ورواه ابن وهب أيضاً, عن ابن أبي ذئب, عن عجلان مولى المشْمَعِلّ, عن أبي هريرة. ورواه محمد بن إسحاق, عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد, عن جعفر بن ربيعة, عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج, قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه إلا عيسى ابن مريم, ذهب يطعن, فطعن في الحجاب».


** فَتَقَبّلَهَا رَبّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفّلَهَا زَكَرِيّا كُلّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَمَرْيَمُ أَنّىَ لَكِ هَـَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة, وأنه {أنبتها نباتاً حسناً}, أي جعلها شكلاً مليحاً ومنظراً بهيجاً, ويسر لها أسباب القبول, وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين, فلهذا قال {وكَفَلها زكريا} وفي قراءة: {وكفّلها زكريا} بتشديد الفاء, ونصب زكريا على المفعولية, أي جعله كافلاً لها. قال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب, فكفل زكريا مريم لذلك, ولا منافاة بين القولين¹ والله أعلم. وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها, لتقتبس منه علماً جماً نافعاً وعملاً صالحاً, ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما, وقيل: زوج أختها, كما ورد في الصحيح «فاذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة» وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضاً توسعاً, فعلى هذا كانت في حضانة خالتها وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب, وقال «الخالة بمنزلة الأم», ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها, فقال {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً}. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء, وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد {وجد عندها رزقاً} أي علماً, أو قال: صحفاً فيها علم, رواه ابن أبي حاتم, والأول أصح وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة, فإذا رأى زكريا هذا عندها {قال يا مريم أنى لك هذا} أي يقول من أين لك هذا ؟ {قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة, حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا عبد الله بن لهيعة, عن محمد بن المنكدر, عن جابر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه, فطاف في منازل أزواجه, فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً, فأتى فاطمة فقال «يا بنية هل عندك شيء آكله, فإني جائع ؟» قالت: لا والله ـ بأبي أنت وأمي ـ, فلما خرج من عندها, بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم, فأخذته منها, فوضعته في جفنة لها, وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي, وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام, فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فرجع إليها, فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال «هلمي يا بنية». قالت: فأتيته بالجفنة, فكشف عنها, فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً, فلما نظرت إليها بهت وعرفت أنها بركة من الله, فحمدت الله وصليت على نبيه وقدمته إلى رسول الله, فلما رآه حمد الله وقال «من أين لك هذا يا بنية» ؟ قالت: يا أبت {هو من عند الله, إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فحمد الله وقال «الحمد الله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل, فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً وسئلت عنه, قالت: هو من عند الله, إن الله يرزق من يشاء بغير حساب» فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي, ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته حتى شبعوا جميعاً, قالت: وبقيت الجفنة كما هي, قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران, وجعل الله فيها بركة وخيراً كثيراً.


** هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيّا رَبّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لّدُنْكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً إِنّكَ سَمِيعُ الدّعَآءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي الْمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىَ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ اللّهِ وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مّنَ الصّالِحِينَ * قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ * قَالَ رَبّ اجْعَلْ لّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاذْكُر رّبّكَ كَثِيراً وَسَبّحْ بِالْعَشِيّ وَالإِبْكَارِ
لما رأى زكريا عليه السلام أن الله يرزق مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء, طمع حينئذ في الولد وكان شيخاً كبيراً قد وهن منه العظم واشتعل الرأس شيباً, وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقراً, لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفياً, وقال {رب هب لي من لدنك} أي من عندك {ذرية طيبة} أي ولداً صالحاً {إنك سميع الدعاء}. قال تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} أي خاطبته الملائكة شفاهاً خطاباً, أسمعته وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة {أن الله يبشرك بيحيى} أي بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان. وقوله {مصدقاً بكلمة من الله}. روى العوفي وغيره عن ابن عباس, وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الاَية {مصدقاً بكلمة من الله} أي بعيسى ابن مريم. وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم. وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه. وقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله {مصدقاً بكلمة من الله}, قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة, وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك, فذلك تصديقه بعيسى تصديقه له في بطن أمه, وهو أول من صدق عيسى, وكلمة الله عيسى, وهو أكبر من عيسى عليه السلام, وهكذا قال السدي أيضاً.
قوله: {وسيداً} قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحكيم. قال قتادة: سيداً في العلم والعبادة. وقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد الحكيم التقي. قال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله عز وجل.
وقوله: {وحصوراً} روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وعطية العوفي, أنهم قالوا: الذي لا يأتي النساء. وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا يحيى بن المغيرة, أنبأنا جرير عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس في الحصور: الذي لا ينزل الماء. وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثاً غريباً جداً, فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي, حدثني سعيد بن سليمان, حدثنا عباد يعني ابن العوام, عن يحيى بن سعيد, عن سعيد بن المسيب, عن ابن العاص ـ لا يدري عبد الله أو عمرو ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وسيداً وحصوراً} قال: ثم تناول شيئاً من الأرض, فقال «كان ذكره مثل هذا» ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري, أنه سمع سعيد بن المسيب, عن عبد الله بن عمرو بن العاصيقول: ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا. ثم قرأ سعيد {وسيداً وحصوراً} ثم أخذ شيئاً من الأرض, فقال: الحصور من كان ذكره مثل ذي. وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف أصبعه السبابة, فهذا موقوف أصح إسناداً من المرفوع بل وفي صحة المرفوع نظر والله أعلم. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا أحمد بن داود السمناني, حدثنا سويد بن سعيد, حدثنا علي بن مسهر, عن يحيى بن سعيد, عن سعيد بن المسيب, قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا, فإن الله يقول {وسيداً وحصوراً} قال: «وإنما ذكره مثل هدبة الثوب» وأشار بأنملته, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عيسى بن حماد ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا حجاج بن سليمان المقري عن الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن القعقاع, عن أبي صالح, عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه, إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين» ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض, فأخذها وقال: «وكان ذكره مثل هذه القذاة».
وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان {حصوراً} ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوباً أو لا ذكر له, بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين, ونقاد العلماء, وقالوا: هذه نقيصة وعيب, ولا تليق بالأنبياء عليهم السلام, وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب, أي لا يأتيها كأنه حُصِر عنها. وقيل مانعاً نفسه من الشهوات. وقيل ليست له شهوة في النساء, وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص, وإنما الفضل في كونها موجودة, ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى, أو بكفاية من الله عز وجل كيحيى عليه السلام, ثم هي في حق من قدر عليها, وقام بالواجب فيها, ولم تشغله عن ربه درجة عليا, وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه, بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن, بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو, وإن كانت من حظوظ دنيا غيره, فقال: «حبب إليّ من دنياكم» هذا لفظه. والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء, بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات, ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن, بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: {هب لي من لدنك ذرية طيبة} كأنه قال: ولداً له ذرية ونسل وعقب, والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله: {ونبياً من الصالحين} هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته, وهي أعلى من الأولى, كقوله لأم موسى {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} فلما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة, أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال} أي الملك {كذلك الله يفعل ما يشاء} أي هكذا أمر الله عظيم, لا يعجزه شيء, ولا يتعاظمه أمر, {قال رب اجعل لي آية} أي علامة أستدل بها على وجود الولد مني {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً} أي إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح, كما في قوله: {ثلاث ليال سويا} ثم أمر بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال, فقال تعالى: {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار}. وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم, إن شاء الله تعالى.


** وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىَ نِسَآءِ الْعَالَمِينَ * يَمَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عليها السلام عن أمر الله لهم بذلك, أن الله قد اصطفاها أي اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس, واصطفاها ثانياً مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين, قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري, عن سعيد بن المسيب, في قوله تعالى: {إن الله اصطفاك وطهرّك واصطفاك على نساء العالمين} قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش, أحناء على ولد في صغره, ورعاة على زوج في ذات يده, ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط» ولم يخرجه من هذا الوجه سوى مسلم, فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد, كلاهما عن عبد الرزاق به, وقال هشام بن عروة, عن أبيه, عن عبد الله بن جعفر, عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «خير نسائها مريم بنت عمران, وخير نسائها خديجة بنت خويلد» أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام به مثله, وقال الترمذي: حدثنا أبو بكر بن زنجويه, حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر, عن قتادة, عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران, وخديجة بنت خويلد, وفاطمة بنت محمد, وآسية امرأة فرعون» تفرد به الترمذي وصححه, قال عبد الله بن أبي جعفر الرازي, عن أبيه, قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران, وآسية امرأة فرعون, وخديجة بنت خويلد, وفاطمة بنت رسول الله» رواه ابن مردويه, وروى ابن مردويه من طريق شعبة, عن معاوية بن قرة, عن أبيه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كمل من الرجال كثير, ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران, وآسية امرأة فرعون, وخديجة بنت خويلد, وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا آدم العسقلاني, حدثنا شعبة, حدثنا عمرو بن مرة, سمعت مرة الهمداني, يحدث عن أبي موسى الأشعري, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كمل من الرجال كثير, ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران, وآسية امرأة فرعون». وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به, ولفظ البخاري «كمل من الرجال كثير, ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون, ومريم بنت عمران, وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم عليه السلام في كتابنا البداية والنهاية, ولله الحمد والمنة. ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل, لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره الله وقضاه مما فيه محنة لها, ورفعة في الدارين بما أظهر الله فيها من قدرته العظيمة, حيث خلق منها ولداً من غير أب, فقال تعالى: {يا مريم اقنتي لربك, واسجدي واركعي مع الراكعين} أما القنوت فهو الطاعة في خشوع, كما قال تعالى: {بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون}. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, أخبرني عمرو بن الحارث, أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم, عن أبي سعيد, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال « كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة». ورواه ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن دراج به, وفيه نكارة. وقال مجاهد: كانت مريم عليها السلام تقوم حتى تتورم كعباها والقنوت هو طول الركود في الصلاة, يعني امتثالاً لقول الله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك} قال الحسن: يعني اعبدي لربك, {واسجدي واركعي مع الراكعين} أي كوني منهم وقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة, حتى نزل الماء الأصفر في قدميها رضي الله عنها وأرضاها. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكديمي, وفيه مقال: حدثنا علي بن بحر بن بري, حدثنا الوليد بن مسلم, عن الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, في قوله {يا مريم اقنتي لربك واسجدي} قال: سجدت حتى نزل الماء الأصفر في عينيها. وذكر ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن عبد العزيز, حدثنا ضمرة عن ابن شوذب, قال: كانت مريم عليها السلام, تغتسل في كل ليلة. ثم قال تعالى لرسوله بعد ما أطلعه على جلية الأمر {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} أي نقصه عليك {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} أي ما كنت عندهم يا محمد فتخبرهم عنهم معاينة عما جرى بل أطلعك الله على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها, وذلك لرغبتهم في الأجر. قال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثني حجاج عن ابن جريج, عن القاسم بن أبي بزة, أنه أخبره عن عكرمة, وأبي بكر عن عكرمة, قال: ثم خرجت بها, يعني أم مريم بمريم تحملها, في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى عليهما السلام, قال: وهم يومئذ يلون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة, فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة, فإني حررتها, وهي أنثى, ولا يدخل الكنيسة حائض, وأنا لا أردها إلى بيتي, فقالوا: هذه ابنة إمامنا, وكان عمران يؤمهم في الصلاة, وصاحب قرباننا, فقال زكريا: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي, فقالوا: لا تطيب أنفسنا, هي ابنة إمامنا, فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة, فقرعهم زكريا فكفلها وقد ذكر عكرمة أيضاً والسدي وقتادة والريبع بن أنس وغير واحد, دخل حديث بعضهم في بعض, أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن, واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت في جَرْيَة الماء فهو كافلها, فألقوا أقلامهم, فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ويقال إنه ذهب صاعداً يشق جرية الماء, وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم, صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين.


** إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنّ اللّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرّبِينَ * وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ * قَالَتْ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىَ أَمْراً فَإِنّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
هذه بشارة من الملائكة لمريم عليها السلام بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير. قال الله تعالى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله, أي يقول له: كن فيكون, وهذا تفسير قوله: {مصدقاً بكلمة من الله} كما ذكر الجمهور على ما سبق بيانه {اسمه المسيح عيسى ابن مريم} أي يكون مشهوراً بهذا في الدينا, ويعرفه المؤمنون بذلك وسمي المسيح, قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه كان مسيح القدمين, لا أخمص لهما, وقيل: لأنه كان إذا مسح أحداً من ذوي العاهات برىء, بإذن الله تعالى. وقوله: {عيسى ابن مريم} نسبة إلى أمه حيث لا أب له. {وجيهاً في الدنيا والاَخرة ومن المقربين} أي له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به, وفي الدار الاَخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه, فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم, صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين, وقوله: {ويكلم الناس في المهد وكهلاً} أي يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره, معجزة وآية, وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه بذلك {ومن الصالحين} أي في قوله وعمله, له علم صحيح وعمل صالح. قال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن محمد بن شرحبيل, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تكلم مولود في صغره إلا عيسى وصاحب جريج» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الصقر يحيى بن محمد بن قزعة, حدثنا الحسين يعني المروزي, حدثنا جرير يعني ابن حازم, عن محمد, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى, وصبي كان في زمن جريج, وصبي آخر» فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله عز وجل, قالت في مناجاتها {رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟} تقول كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج, ولا من عزمي أن أتزوج, ولست بغياً حاشا لله ؟ فقال لها الملك عن الله عز وجل في جواب ذلك السؤال {كذلك الله يخلق من يشاء} أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء, وصرح ههنا بقوله: {يخلق ما يشاء} ولم يقل: يفعل, كما في قصة زكريا, بل نص ههنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة, وأكد ذلك بقوله: {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} أي فلا يتأخر شيئاً بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة كقوله: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} أي إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح بالبصر.


** وَيُعَلّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رّبّكُمْ أَنِيَ أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَىَ بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّكُمْ إِن كُنتُم مّؤْمِنِينَ * وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ وَلاُحِلّ لَكُم بَعْضَ الّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رّبّكُمْ فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنّ اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـَذَا صِرَاطٌ مّسْتَقِيمٌ
يقول تعالى مخبراً عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى عليه السلام: أن الله يعلمه {الكتاب والحكمة}, الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة, والحكمة تقدم تفسيرها في سورة البقرة, و{التوراة والإنجيل}, فالتوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران, والإنجيل الذي أنزل على عيسى ابن مريم عليهما السلام. وقد كان عيسى عليه السلام يحفظ هذا وهذا, وقوله: {ورسولاً إلى بني إسرائيل} أي يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل, قائلاً لهم {أني قد جئتكم بآية من ربكم, أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله} وكذلك كان يفعل, يصور من الطين شكل طير, ثم ينفخ فيه فيطير عياناً بإذن الله عز وجل, الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله {وأبرىء الأكمه} قيل: أنه الذي يبصر نهاراً ولا يبصر ليلاً, وقيل بالعكس. وقيل: الأعشى. وقيل الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى وهو أشبه, لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي {والأبرص} معروف, {وأحيي الموتى بإذن الله} قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه, فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة, فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحار, فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام, وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى عليه السلام, فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الاَيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيداً من الذي شرع الشريعة, فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد, أو على مداواة الأكمه والأبرص, وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم, بعث في زمان الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء, فأتاهم بكتاب من الله عز وجل, لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله, أو بعشر سور من مثله, أو بسورة من مثله, لم يستطيعوا أبداً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً, وما ذاك إلا لأن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبداً, وقوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} أي أخبركم بما أكل أحدكم الاَن, وما هو مدخر له في بيته لغد, {إن في ذلك} أي في ذلك كله {لاَية لكم} أي على صدقي فيما جئتكم به {إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة} أي مقرراً لها ومثبتاً {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة, وهو الصحيح من القولين, ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئاً, وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه خطأ, فكشف لهم عن المغطى في ذلك, كما قال في الاَية الأخرى {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه} والله أعلم. ثم قال {وجئتكم بآية من ربكم} أي بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم {فاتقوا الله وأطيعون, إن الله ربي وربكم فاعبدوه} أي أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه {هذا صراط مستقيم}.


** فَلَمّآ أَحَسّ عِيسَىَ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيَ إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ آمَنّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ * رَبّنَآ آمَنّا بِمَآ أَنزَلَتْ وَاتّبَعْنَا الرّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ * وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
يقول تعالى: {فلما أحسّ عيسى} أي استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال, {قال من أنصاري إلى الله} قال مجاهد: أي من يتبعني إلى الله. وقال سفيان الثوري وغيره: أي من أنصاري مع الله, وقول مجاهد: أقرب. والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله ؟ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر «من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي. فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» حتى وجد الأنصار, فآووه ونصروه وهاجر إليهم, فواسوه ومنعوه من الأسود والأحمر, رضي الله عنهم وأرضاهم. وهكذا عيسى ابن مريم عليه السلام انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به ووازروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه, ولهذا قال الله تعالى مخبراً عنهم {قال الحواريون: نحن أنصار الله * آمنّا بالله * واشهد بأنا مسلمون * ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} الحواريون قيل: كانوا قصارين, وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم, وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري الناصر, كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس يوم الأحزاب, فانتدب الزبير ثم ندبهم, فانتدب الزبير رضي الله عنه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي حواري, وحواريي الزبير», وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا وكيع, حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فاكتبنا مع الشاهدين} قال: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم, وهذا إسناد جيد. ثم قال تعالى مخبراً عن ملإ بني إسرائيل, فيما هموا به من الفتك بعيسى عليه السلام, وإرادته بالسوء والصلب حين تمالؤوا عليه, ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان, وكان كافراً, أن هنا رجلاً يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ويفسد الرعايا, ويفرق بين الأب وابنه, إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب, وأنه ولد زنية حتى استثاروا غضب الملك, فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به, فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به, نجاه الله تعالى من بينهم ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء, وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل, فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى, فأخذوه وأهانوه وصلبوه, ووضعوا على رأسه الشوك, وكان هذا من مكر الله بهم, فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم وتركهم في ضلالهم يعمهون, يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم, وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعناداً للحق ملازماً لهم, وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد, ولهذا قال تعالى: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين}.


** إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسَىَ إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمّ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمّا الّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ * وَأَمّا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الاَيَاتِ وَالذّكْرِ الْحَكِيمِ
اختلف المفسرون في قوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك إليّ} فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر, تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك, يعني بعد ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إني متوفيك, أي مميتك. وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم, عن وهب بن منبه, قال: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه, قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات, ثم أحياه. وقال إسحاق بن بشر, عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام, ثم بعثه, ثم رفعه. وقال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا, وليس بوفاة موت, وكذا قال ابن جرير: توفيه هو رفعه, وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا ـ النوم, كما قال تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} الاَية. وقال تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} الاَية, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول إذا قام من النوم: «الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا» الحديث, وقال تعالى: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ـ إلى قوله ـ وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاّ حكيماً * وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداّ} والضمير في قوله {قبل موته} عائد على عيسى عليه السلام, أي وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى, وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه, فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم, لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أحمد بن عبد الرحمن, حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, حدثنا الربيع بن أنس, عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: {إني متوفيك} يعني وفاة المنام, رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود «إن عيسى لم يمت, وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» وقوله تعالى: {ومطهرك من الذين كفروا} أي برفعي إياك إلى السماء {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} وهكذا وقع فإن المسيح عليه السلام, لما رفعه الله إلى السماء, تفرقت أصحابه شيعاً بعده, فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته, ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله, وآخرون قالوا: هو الله, وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن ورد على كل فريق, فاستمروا على ذلك قريباً من ثلثمائة سنة, ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين, فدخل في دين النصرانية, قيل: حيلة ليفسده, فإنه كان فيلسوفاً, وقيل: جهلاً منه إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه, وزاد فيه ونقص منه, ووضعت له القوانين, والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة, وأحل في زمانه لحم الخنزير, وصلوا له إلى المشرق, وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع, وزاد في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون, وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد, وبنى المدينة المنسوبة إليه, واتبعه الطائفة الملكية منهم, وهم في هذا كله قاهرون لليهود, أيدهم الله عليهم, لأنهم أقرب إلى الحق منهم, وإن كان الجميع كفاراً عليهم لعائن الله, فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم, فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق, كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض, إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي العربي, خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق, الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق, فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته, مع ما قد حرفوا وبدلوا, ثم لو لم يكن شيء من ذلك, لكان قد نسخ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة, ولا يزال قائماً منصوراً ظاهراً على كل دين, فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها, واجتازوا جميع الممالك, ودانت لهم جميع الدول, وكسروا كسرى, وقصروا قيصر وسلبوهما كنوزهما, وأنفقت في سبيل الله كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم عز وجل في قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً, يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} الاَية, فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقاً, سلبوا النصارى بلاد الشام وألجؤوهم إلى الروم فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية, ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ويستفيئون ما فيها من الأموال, ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جداً, لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها, وقد جمعت في هذا جزءاً مفرداً, ولهذا قال تعالى: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون * فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والاَخرة وما لهم من ناصرين} وكذلك فعل بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه أو أطراه من النصارى, عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي, وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك, وفي الدار الاَخرة عذابهم أشد وأشق {وما لهم من الله من واق} {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} أي في الدنيا والاَخرة, في الدنيا بالنصر والظفر, وفي الاَخرة بالجنات العاليات {والله لا يحب الظالمين}.
ثم قال تعالى: {ذلك نتلوه عليك من الاَيات والذكر الحكيم} أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفيه أمره, وهو مما قاله تعالى وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ, فلا مرية فيه ولا شك, كما قال تعالى في سورة مريم {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} وههنا قال تعالى:)


** إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنّ هَـَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ وَمَا مِنْ إِلَـَهٍ إِلاّ اللّهُ وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
يقول جل وعلا: {إن مثل عيسى عند الله} في قدرة الله حيث خلقه من غير أب {كمثل آدم} حيث خلقه من غير أب ولا أم بل {خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} فالذي خلق آدم من غير أب, قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى, وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقاً من غير أب, فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى, ومعلوم بالإتفاق أن ذلك باطل, فدعواها في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فساداً, ولكن الرب جل جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى, وخلق حواء من ذكر بلا أنثى, وخلق عيسى من أثنى بلا ذكر, كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى, ولهذا قال تعالى في سورة مريم {ولنجعله آية للناس} وقال ههنا: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه, وماذا بعد الحق إلا الضلال. ثم قال تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم, أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان {فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي نحضرهم في حال المباهلة {ثم نبتهل} أي نلتعن {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} أي منا أو منكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران, أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية, فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم, قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكباً, فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم وهم: العاقب واسمه عبد المسيح, والسيد وهو الأيهم, وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل, وأويس بن الحارث, وزيد, وقيس, ويزيد ونبيه, وخويلد, وعمرو, وخالد, وعبد الله, ويُحَنّس, وأمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم وهم العاقب, وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم, والذي لا يصدرون إلا عن رأيه, والسيد وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم, وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم, وكان رجلاً من العرب من بني بكر بن وائل, ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه, وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم, وقد كان يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته وشأنه مما علمه من الكتب المتقدمة, ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها, قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير, قال: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر, عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب, قال: يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم: وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوهم» فصلوا إلى المشرق, قال: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة, والعاقب عبد المسيح, والسيد الأيهم وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله, ويقولون: هو ولد الله, ويقولون: هو ثالث ثلاثة, تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وكذلك قول النصرانية, فهم يحتجون في قولهم هو الله, بأنه كان يحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص والأسقام, ويخبر بالغيوب, ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً, وذلك كله بأمر الله. وليجعله الله آية للناس, ويحتجون على قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم, وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله, ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون لو كان واحداً ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت, ولكنه هو وعيسى ومريم ـ تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً ـ وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن, فلما كلمه الحبران, قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «أسلما» قالا: قد أسلمنا, قال: «إنكما لم تسلما فأسلما». قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير». قالا: فمن أبوه يا محمد ؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما, فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها, ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها إلى أن قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك, فقالوا: يا أبا القاسم, دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه, ثم انصرفوا عنه, ثم خلوا بالعاقب, وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل, ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم, ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط, فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم, وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم, فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم, فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم, فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم, قد رأينا ألا نلاعنك ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا, فإنكم عندنا رضا, قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين» فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ, رجاء أن أكون صاحبها, فرحت إلى الظهر مهجراً, فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر, سلم ثم نظر عن يمينه وشماله, فجعلت أتطاول له ليراني فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه, فقال «اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه». قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة رضي الله عنه. وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق, عن عاصم بن عمر بن قتادة, عن محمود بن لبيد, عن رافع بن خديج: أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكر نحوه, إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر, وذكر بقيته بأطول من هذا السياق, وزيادات أخر.
وقال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين, حدثنا يحيى بن آدم, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن صلة بن زفر, عن حذيفة رضي الله عنه, قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه, قال: فقال: أحدهما لصاحبه: لا تفعل فو الله لئن كان نبياً فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا, قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً, فقال «لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين» فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال «قم يا أبا عبيدة بن الجراح» فلما قام, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أمين هذه الأمة» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة, عن حذيفة, بنحوه وقد رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق, عن صلة, عن ابن مسعود بنحوه وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن خالد, عن أبي قلابة, عن أنس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «لكل أمة أمين, وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد, حدثنا فرات عن عبد الكريم بن مالك الجزري, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قال أبو جهل قبحه الله, إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لاَتينه حتى أطأ على رقبته, قال: فقال «لو فعل لأخذته الملائكة عياناً, ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار, ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً», وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق, عن معمر, عن عبد الكريم به, وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جداً, ولنذكره فإن فيه فوائد كثيرة, وفيه غرابة, وفيه مناسبة لهذا المقام, قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل, قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب, حدثنا أحمد بن عبد الجبار, حدثنا يونس بن بكير, عن سلمة بن عبد يسوع, عن أبيه, عن جده, قال يونس ـ وكان نصرانياً فأسلم ـ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب, من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران أسلم أنتم, فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد, وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد, فإن أبيتم فالجزية, فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب, والسلام». فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه فظع به, وذعره ذعراً شديداً, وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة, وكان من همدان, ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب, فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل فقرأه, فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك ؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة, فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل, ليس لي في أمر النبوة رأي, ولو كان في أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأيي واجتهدت لك, فقال الأسقف: تنح فاجلس, فتنحى شرحبيل فجلس ناحية, فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل, وهو من ذي أصبح من حمير, فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل, فقال له الأسقف: تنح فاجلس, فتنحى عبد الله فجلس ناحية, فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس, فأقرأه الكتاب, وسأله عن الرأي فيه ؟ فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله, فأمره الأسقف, فتنحى فجلس ناحية, فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعاً, أمر الأسقف بالناقوس فضرب به, ورفعت النيران والمسوح في الصوامع, وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار, وإذا كان فزعهم ليلاً ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع, فاجتمعوا حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح, أهل الوادي أعلاه وأسفله. وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع, وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل, فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسألهم عن الرأي فيه, فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي, فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدنية وضعوا ثياب السفر عنهم, ولبسوا حللاً لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب, ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه, فلم يرد عليهم, وتصدوا لكلامه نهاراً طويلاً, فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب, فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف, وكانا معرفة لهم, فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس, فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن, إن نبيكم كتب إلينا كتاباً فأقبلنا مجيبين له, فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا, وتصدينا لكلامه نهاراً طويلاً, فأعيانا أن يكلمنا, فما الرأي منكما, أترون أن نرجع ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم, ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودون إليه, ففعلوا فسلموا عليه فرد سلامهم, ثم قال «والذي بعثني بالحق, لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم». ثم سألهم سألوة, فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى, فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى, يسرنا إن كنت نبياً أن نسمع ما تقول فيه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما عندي فيه شيء يومي هذا, فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي ربي في عيسى» فأصبح الغد وقد أنزل الله هذه الاَية {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ـ إلى قوله ـ الكاذبين} فأبوا أن يقروا بذلك, فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر, أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميل له, وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة, وله يومئذ عدة نسوة, فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي, وإني والله أرى أمراً ثقيلاً, والله لئن كان هذا الرجل ملكاً مبعوثاً فكنا أول العرب طعناً في عينيه ورداً عليه أمره, لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة, وإنا لأدنى العرب منهم جواراً, ولئن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه, لا يبقى منا على وجه الأرض شعر ولا ظفر إلا هلك, فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم ؟ فقال: أرى أن أحكمه, فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً, فقالا: له: أنت وذاك, قال: فلقي شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك. فقال: وما هو ؟ فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح, فمهما حكمت فينا فهو جائز, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعل وراءك أحداً يثرب عليك» ؟ فقال شرحبيل: سل صاحبي, فسألهما فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم حتى إذا كان من الغد أتوه, فكتب لهم هذا الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب النبي محمد رسول الله لنجران ـ إن كان عليهم حكمه ـ في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم, وترك ذلك كله لهم على ألفي حلة, في كل رجب ألف حلة, وفي كل صفر ألف حلة» وذكر تمام الشروط وبقية السياق.
والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع, لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح, وهي قوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر} الاَية, وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن داود المكي, حدثنا بشر بن مهران حدثنا محمد بن دينار, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن جابر, قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب, فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة, قال: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين, ثم أرسل إليهما, فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي بعثني بالحق لو قالا: لا, لأمطر عليهم الوادي ناراً» قال جابر, وفيهم نزلت {ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} قال جابر {أنفسنا وأنفسكم} رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب {وأبناءنا} الحسن والحسين {ونساءنا} فاطمة. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى, عن أحمد بن محمد الأزهري, عن علي بن حجر, عن علي بن مسهر, عن داود بن أبي هند به بمعناه, ثم قال: صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه هكذا قال وقد رواه أبو داود الطيالسي, عن شعبة, عن المغيرة عن الشعبي مرسلاً, وهذا أصح, وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك, ثم قال الله تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق} أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد {وما من إله إلا الله, وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا} أي عن هذا إلى غيره {فإن الله عليم بالمفسدين} أي من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به, وسيجزيه على ذلك شر الجزاء وهو القادر الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمته.


** قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ
هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم. {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة} والكلمة تطلق على الجملة المفيدة, كما قال ههنا, ثم وصفها بقوله {سواء بيننا وبينكم} أي عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها, ثم فسرها بقوله: {أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً} لا وثناً ولا صليباً ولا صنماً ولا طاغوتاً ولا ناراً ولا شيئاً, بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له, وهذه دعوة جميع الرسل, قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ثم قال تعالى {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله}, قال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله, وقال عكرمة: يسجد بعضناً لبعض {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} أي فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة, فَأَشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم. وقد ذكرنا في شرح البخاري عند روايته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود, عن ابن عباس, عن أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر, فسأله عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعن صفته ونعته وما يدعو إليه, فأخبره بجميع ذلك على الجلية, مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مشركاً, لم يسلم بعد, وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل الفتح, كما هو مصرح به في الحديث, ولأنه لما سأله: هل يغدر ؟ قال: فقلت: لا, ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها, قال: ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئاً سوى هذه, والغرض أنه قال: ثم جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم, سلام على من اتبع الهدى, أما بعد, فأسلم تسلم, وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين, فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و{يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها, نزلت في وفد نجران. وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية, ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح, فما الجمع بين كتابة هذه الاَية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب, وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري ؟ والجواب من وجوه (أحدها) يحمتل أن هذه الاَية نزلت مرتين, مرة قبل الحديبية, ومرة بعد الفتح. (الثاني) يحتمل أن صدر سورة آل عمران, نزل في وفد نجران إلى هذه الاَية, وتكون هذه الاَية, نزلت قبل ذلك, ويكون قول ابن إسحاق: إلى بضع وثمانين آية, ليس بمحفوظ لدلالة حديث أبي سفيان. (الثالث) يحتمل أن قدوم وفد نجران, كان قبل الحديبية, وأن الذي بذلوه مصالحة عن المباهلة لا على وجه الجزية, بل يكون من باب المهادنة والمصالحة, ووافق نزول آية الجزية بعد ذلك على وفق ذلك, كما جاء فرض الخمس والأربعة أخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر, ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك. (الرابع) يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لما أمر بكتب هذا في كتابه إلى هرقل, لم يكن أنزل بعد, ثم أنزل القرآن موافقة له صلى الله عليه وسلم, كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي الأسارى, وفي عدم الصلاة على المنافقين, وفي قوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وفي قوله: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن} الاَية.


** يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجّونَ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ التّورَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * هَأَنْتُمْ هَؤُلآءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلّذِينَ اتّبَعُوهُ وَهَـَذَا النّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ
ينكر تبارك وتعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل عليه السلام, ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم, كما قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتنازعوا عنده, فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً, وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً, فأنزل الله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} الاَية, أي كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهودياً, وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى ؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانياً وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر ؟ ولهذا قال تعالى: {أفلا تعقلون} ثم قال تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيماليس لكم به علم} الاَية. هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به, فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم, ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد صلى الله عليه وسلم, لكان أولى بهم, وإنما تكلموا فيما لا يعلمون, فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها, ولهذا قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ثم قال تعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً} أي متحنفاً عن الشرك قاصداً إلى الإيمان {وما كان من المشركين} وهذه الاَية كالتي تقدمت في سورة البقرة {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} الاَية. ثم قال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه وهذا النبي, يعني محمداً صلى الله عليه وسلم, والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم. قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص, عن سعيد بن مسروق, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «إن لكل نبي ولاة من النبيين, وإن وليي منهم أبي وخليل ربي عز وجل» ثم قرأ {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} الاَية, وقد رواه الترمذي والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري, عن سفيان الثوري, عن أبيه به, ثم قال البزار: ورواه غير أبي أحمد, عن سفيان, عن أبيه, عن أبي الضحى, عن عبد الله, ولم يذكر مسروقاً. وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع عن سفيان, ثم قال: وهذا أصح, لكن رواه وكيع في تفسيره, فقال: حدثنا سفيان عن أبيه, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن مسعود, قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لكل نبي ولاية من النبيين, وإن وليي منهم أبي وخليل ربي عز وجل إبراهيم عليه السلام» ثم قرأ {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا} الاَية, قوله {والله ولي المؤمنين} أي ولي جميع المؤمنين برسله.


** وَدّت طّآئِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلّونَكُمْ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ طّآئِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالّذِيَ أُنْزِلَ عَلَى الّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النّهَارِ وَاكْفُرُوَاْ آخِرَهُ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلاَ تُؤْمِنُوَاْ إِلاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنّ الْهُدَىَ هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَىَ أَحَدٌ مّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ قُلْ إِنّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
شا يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين, وبغيهم إياهم الإضلال, وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم, ثم قال تعالى منكراً عليهم {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} أي تعلمون صدقها وتتحققون حقها {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} أي تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} الاَية, هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم, وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار, ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح, فإذا جاء النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيضة وعيب في دين المسلمين, ولهذا قالوا {لعلهم يرجعون}. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله تعالى إخباراً عن اليهود بهذه الاَية, يعني يهوداً صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح, وكفروا آخر النهار



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 07-03-2007, 04:33 AM   #36
ذوق وقدري فوق
مشرفة بنات حواء
 
صورة ذوق وقدري فوق الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
البلد: عند الناس الذوووق
المشاركات: 4509
المواضيع: 218
آخر تواجد: 08-29-2007 08:53 AM
قوة التقييم: 12
ذوق وقدري فوق is on a distinguished road
اسال الله العلي العظيم ان يجعلها في موازين اعمالك الصالحه

جزاك الله خير
وبارك الله فيك



ذوق وقدري فوق غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 07-03-2007, 04:35 AM   #37
ريشه
 
تاريخ التسجيل: Apr 2005
البلد: فـــيـ مــهــبــ الـــريـــحـ
المشاركات: 4048
المواضيع: 252
الدولة: المملكة العربية السعودية
آخر تواجد: 08-06-2012 01:29 AM
قوة التقييم: 13
ريشه is on a distinguished road
شكراً على المرور

حياك ربي



ريشه غير متصل   الرد باقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع ابحث بهذا الموضوع
ابحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض قيّم هذا الموضوع
قيّم هذا الموضوع:

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق

انتقل إلى

مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب القسم الردود آخر مشاركة
اليكِ يا حاملة القرآن درة الأقصى الشــريعة و الحـياة 4 11-26-2007 04:51 PM
بث مباشر (شاهد قناة المجد واستمع إلى إذاعة القرآن الكريم) ريم العز تقنــــــــيات حديــــثة 11 10-21-2007 11:43 AM
برنامج لسماع وتحميل القرآن الكريم بصوت مشاهير القراء بحر الندى المــوبايل الإسـلامي 4 09-13-2007 03:22 AM
أرقام قرآنية الوافي الشــريعة و الحـياة 9 07-28-2007 11:10 AM
هل تعلم * اشياء روعة من القرآن الكريم سراج الأقصى الشــريعة و الحـياة 19 07-28-2007 03:28 AM


الساعة الآن +3: 01:15 PM.


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات

  ...:: تصميم .. فريق معالي ديزاين ::..